الموسيقار الدكتور حميد البصري يقدم ألواناً من منجزه الغناسيقي في سي دي يمثل هديته للعام2017

الموسيقار الدكتور حميد البصري يقدم ألواناً من منجزه الغناسيقي في ألبوم (سي دي) يمثل هديته للعام2017

المداخلة التي قدمت ألبوم موسيقارنا الكبير فنان الشعب الدكتور حميد البصري الذي صدر مؤخرا وانعقدت أمسية استماع وتوقيع للألبوم، وقد تضمنت تفاعلات وحوارا أضاف إليها كثيرا من الملاحظات الأخرى التي أوضحت أمورا تخص الأغاني السبع التي تضمنها الألبوم.. إليكم المداخلة بصورتها الأولية التي لم تُقرأ في الأمسية بأمل أن تجد ملاحظاتكم التخصصية التي لا يدعي صاحب هذه القراءة سوى كونه مستمعاً يتطلع أن يجد المتخصصين أنشط في المتابعة وفي تقديم ما ينبغي الاهتمام به من متميز الإبداع.. كما يتطلع إلى انتباهة منتظرة من الفضائيات وأجهزة الإعلام بالأصوات الريادية البارزة بمجال الإبداع الجمالي الغناسيقي.. وتحية متجددة

منجز غناسيقي يلخص تجاريب الموسيقار الدكتور حميد البصري متجولا بين العراق وسوريا واليمن وهولندا ومدن هذي البلدان بمراحل مختلفة، انصبَّ في سبعة أعمال كلٌ منها بلون تعبيراً عن تنوع الاشتغال الإبداعي موسيقياً غنائياً.. لابد هنا من التوكيد أنّنا لا نتحدث عن الأغنية السياسية الملتزمة قضايا الوطن والناس بصيغتها الثورية واحتدام خطابها ولكن عن الأغنية في فضائها الأوسع غنى وتنوعاً، طبعاً من دون التخلي عن الالتزام والإيجابية في التعامل مع أسلوب معالجتها مادتها..

تبدأ المجموعة \ الألبوم الصادرة بعنوان ((ترحال)) تعبيراً عن التسلسل الزمكاني  بأغنية من الـ (يا مال) وهي من ألحان الفنان الدكتور حميد البصري والتأكيد هنا في هذه المرة بصوته الشجي الذي يبرهن فيه على طاقات ومكامن غنية.. فعبر كلمات عذبة المعاني  شفيفة الجمال، من شعر: عبدالله هادي سبيت  وتوزيع الفنان رعد خلف؛ تميز بتقسيمات متهادية لكل آلة وأداة ليُشرِك الأكف ببصمتها الـ (بصرية) خاصة الهوية، جاءت أغنية جديدة اجتهد مبدعوها أن تكون بجماليات مناسبة في ظروف إنتاجية محدودة.. لكن القيمة الفنية، الجمالية والمضمونية تظل بمستوى يملأ فضاء الإبداع إنسانياً ليقدم عملاً كبيراً بكل معنى المصطلح غناسيقياً..

للاستماع للقسم الأول من الأغنية يرجى الضغط هنا

إنّ هذا العمل البصري، من لون اليامال يبقى مميزاً باللحن والكلمة؛ يمثل ثورة جمالية تتسق وحلم التعبير غناسيقياً من أجل التعبير عن الأنفس وحرارة ما يعتمل في دواخلها تحديداً هنا حيث جيران البحر يتنفس برئاتهم. لقد حضر فناننا هنا، وهو يلحن ويغني لون البصرة، درة الخليج العربي وبحره العميق، ليضيف مساهمة إبداعية في لون معبر عن أنين البحر وأنفس ساكني شطآنه.. ها هو حميد البصري يترنم عالياً بقرارات وجوابات غنائية تمثل درساً مثلما هي جماليات استمتاع وذوق رفيع، إنها تلغي حسابات أرقام السنوات وأثرها، لتحيلها إلى طاقة روحية للإبداع والتفنن بالأداء مع أنفاس تلامس بوهجها الأرواح..

بهذا الاشتغال يأتي التساؤل: كيف يطوف اللحن في صوت البحر الطبيعة ثم يجمع بين صوت الإنسان \ البحّار وأصوات أمواج البحر.. استمع بإصغاء إلى امتداد صوت مفردة (الليييييييييـ ـل) ثم القطع في لفظ (يانايِمْ) إنهما تكسرات مويجات تقف عند الشاطئ وتنقطع عليه وعنده.

يلزمنا التذكير هنا بأن (النهام) كان يُشترط فيه قوة الحنجرة ليمنح البحارة طاقة مضافة أمام متاعب الرحلة البحرية ومن ثمّ فإنَّ البصري يدرك هذه الحقيقة عندما يطوّع حنجرته ليؤدي بطريقة كلها طاقة لا يتخلى فيها عن الصوت الشجي وما يؤديه تفعيلا لحماسة المستمع هنا.. وطبعا امتلاك الصوت لتنويعات وطبقات غنية ضرورة يجسدها البصري بتنويعاته واستدعائه أروع ما عند فنون النهمة والنهامة ليقدمها بروح عصري مميز.. تلكم فنون الغناء البحرية وفيحاء وجودها وإحياء ما فيها من طاقات جمالية؛ وتلكم هي البصرة عندما يطرح نخيلها يطرح ثماراً دائمة العطاء والأثر.. وتلكم هي مويجات الخليج العربي في بصرة الحب والتسامح والحياة؛ لا تئن صريخا سوداوياً ولا زعيق بعض ما يصدر هذي الأيام بل أنينها نزيف الروح يبحث عن المسرة ولذة انتشاء بلحظة طرب وتغنٍ بمويجات الأنفس والأرواح..

ها هو الصوت الآتي من حميد البصري يأتي بالبصرة إلينا في غرباتنا مثلما يحط رحاله عند أعتاب المدينة وبساتينها الحية بأمواه مد الخليج العربي وجزره، يعزف الجمال لحناً خالداً.. اليامال حيث يصدح حميد البصري به من ألحانه، يتحول إلى طربية ترقص الأنفس معه، متعةً ومسرةً..

ها هي التنقلات والعُرَب تتهادى بإيقاع يتنامى مع الأحاسيس كما سلم الموسيقا العربية، يداعب هوية حسية إنسانية متفتحة.. وبين أحرف اللين وأصواتها التي تهمس للمُصغي وأحرف العربية الجهورية لا تحس إلا بهارموني تنتجه حنجرة خبيرة في التنقلات الأدائية بمستويات متنوعة تحشد مقامات غنية ثرة تعرف كيف تتنقل بينها بما يقدم جماليات اليامال بروحية معاصرة..

في ثاني أغاني مجموعة ترحال تأتي قصيدة دجلة الخير للشاعر محمد مهدي الجواهري ويقدمها البصري بمقام رست الأبرزفي التعبير عن الموسيقا الشرقية ولربما جاء معناه المستقيم الحقيقي في اللغة الكوردية ليعبر عن وضوح الشخصية والوقار في الأداء.. أجدني أرى أن توظيف الموسيقار البصري لهذا المقام بمعانيه ودلالاته في تقديم قصيدة الجواهري كان جد موفق لاستعراض امتداد أفقي مستقيم لبنية البيت الشعري التقليدي وفي تنقلات القصيدة ومعالجتها مادته بوقار موسيقا شرقية ومقام يعد من مقاماتها الرئيسة إن لم يكن الرئيس الأول على الإطلاق.

ما يضفي على تلقينا خصوصية هو انفراد العود في مرافقة الحنجرة للتعبير عن الطابع الوجداني للقصيدة ومرادها؛ فجاء اللحن متناغما  مع الانفعال النفسي أما الفواصل فكانت بارتفاع الضرب على العود بين بيت وآخر ولربما هنا يقرأ المتخصص في الموسيقا البُعد الفاصل والانتقال بين الراست بدرجة الراست والبيات  بدرجة النوا \ صول.. إن اللحن مستقيما كسطح دجلة ومويجاته تتهادى بحنجرة البصري وعلاقته بالشط والبحر، وذلكم توظيفا وإدراكاً للدلالة وتوحيدا لها ومعجمها بالموسيقا.. وإذا كان من الصعوبة أداء القصائد مثلما قصائد الجواهري غناسيقيا فإنَّ البصري يطوّعها بإثرائها بنهايات وخواتيم من تلك المعبرة بالعامية ولكنها بجميع الأحوال إذ تمنحنا التنوع والنقلات بين الفصيح والعامي وبين لون وآخر، تبقى تلتزم المقام ولا تخرج عليه على وفق قوانين الإبداع الغناسيقي المعروفة؛ فنجد نقلة بين بيت وآخر (يابه يابه ياظالم) أما النمو الدرامي حيث المقام الأعلى فيظهر بلا محو لشفاف الحزن يبدو جليا بين قرار وجواب بلا بكائية مريضة..

إننا نتابع مع موسيقارنا وحنجرته تقرير حال.. فنصغي له يتغنى: “أدري بأنك من ألف مضت هدراً للآن تهزين من حكم السلاطين” ولكن هذا التقرير الدلالي يأخذ أداء مختلفا عندما يتعلق ببؤس الملايين.. حتى نصل دراما الذروة التي تختتم القصيد بقرار وجواب ينحسم بالآهات ثلاثا في في ادائها ولربما كان في ذاك تحميل للحظة والظرف باختيار طابع الأداء وتلويناته الموسيقية…

في العمل الثالث من ترحال يقدم لنا البصري رحلة إلى عدن اليمن الجنوبي وزمن الاستقرار والسلم ومسيرة بناء الوطن واستضافة قوى الديموقراطية ومنحها فرص عيش وإبداع ومساهمات في صياغة رسائل ثورة الإنسان من أجل وجوده، كرامته وأسرار عيشه. إننا بصدد قصيدة أخرى للجواهري الكبير هي قصيدة سلام وكان تم تسجيلها مع فرقة إدارة الثقافة في عدن عام 1984… إننا نلاحظ ظهور نغمات اليمن وجملها اللحنية ممتزجة بالجملة اللحنية العربية بأصلها العراقي في هارمونيته وتوظيفه الآلات بطابع أوركسترالي لعوامل إنتاجية من جهة وأخرى فنية مخصوصة يدركها المتخصص مثلما تتبدى للمتلقي بتأثيرات سمعية ملموسة…

إننا هنا أمام مقدمة موسيقية وتنقلات أولى ترتحل في جغرافيا الوجود الغناسيقي لتصل لحنها وتوزيعه بمدخلات ومخرجات نغمية مميزة… ودعوني هنا أقرأ كيف أدى لفظة (حاقد) في عبارة “سلامٌ على حاقد ثائر” حيث الخزين الاعتيادي كي لا يمنح مفردة حاقد السلبية بل الإيجابية التي أرادها الشاعر والحقها بمفردة ثائر..وبين قرار وجواب في بيت الشعر “كأنّ بقايا دم السابقين ماض يمهد للحاضر” يؤكد لحنيا مقاميا وأدائيا على (ماااااااضٍ) مستغلا تضخيم صوت الألف توكيدا لتقابل مع صدر البيت ودلالته القوية ووقعه في الأنفس ليسلِّمَ النتيجة للحاضر الوليد المبني عليه أي على حجم التضحيات الجسام…

لنصغِ لجانب من الأغنية بعد إعدادها بطريقة موجزة وبفيديو لمناسبة سياسية بعينها لكن الأغنية تبقى بجوهرها

ولنتابع هنا بقية القراءة

ومرة أخرى نتجه للمقدمة الموسيقية في اللحظة التي ينتهي بها مقطع من القصيدة معيدا المقطع الأول، بما يمنح التوزيع الموسيقي والأداء تلوينا مقصود المعاني والتغني وفرصة للمتابعة للمقطع الثاني بتنقل يلتزم وتيرة مقامية محددة أدائيا دلاليا.. وهنا ينطلق متسلسلا مع التالي بتلوين صوتي مختلف فالبيت الشعري يؤديه بقرار يكون جوابه نافيا لليونة مؤكِّدا للتحدي وهذا ما سنجده في تصاعد درامي للأداء بقصد دلالي حيث تميز الأداء هنا بعمق الصوت ومقامه ودرجته والتنوين بنهاية مفردة سلامٌ ضربة صوتية تمنح اللين قوة مستهدفة الغاية والمعنى.. وهو ما يفعله مع توظيف (مدّ) الياء في مفردة (الحديــــــــــد) وهو يواصل التنويعات والعرب فيمنح صوت الكسرة في (زاهرِبــــــــــــــــــــــــــــ) امتدادا للثقة بتحقق المستقبل الزاهر.. وحيث يعود بيت القصيد للتحية الموجهة إلى البطل المضحي فإنّ موسيقا تذكرنا بالحداء تبرز الإيقاع وسط هارموني تؤديه مجموع الآلات والجمل اللحنية توكيدا لما وصلته مسيرة تنامت لتوازي عمق الصراع فهي تحية وجودية محملة بمعاني توضحت بقيم التحدي لنشهد نقلة أدائية موسيقية واختتام حازم حاسم في الإيقاع والأداء وهي قفلة متسقة مع المراد من دلالات…

في موشح يانسيم الريح من شعر الحلاج يقدم البصري تنويعا آخر لمنجزه الفني. والموشح نظم شعري عربي (مولّد) بالميل إلى الأصل الأندلسي للموشح. حيث كل شيء في الأندلس جاء مولّداً من امتزاج حضارتين وقيمهما كافة وحيث الانعتاق من القيود فسح مجالاً للتجديد وكسر الرتابة والنمذجة المقيِّدة للإبداع. وبالعودة إلى القيم الشعرية والموسيقية نجد أنّ الموشح ينقسم عادة ثلاثة أقسام: تتألف من دورين وخانة كل منها نلتقطه بـ (لحن) مختلف وربما تميزت الخانة الأخيرة بكونها ذروة ما يصل إليه التعبير اللحني وجملته التي تتسم بالاتساع والتنويع وهذا أمر غير ملزم وليس قيداً ثابتاً في كل الموشحات.. وإذا ما امتد الموشح فإنّ أجزاءَهُ تتعدد، فيتركب من أكثر من مقطع مستقل ببنيته حيث تشتمل تلك البنية على: المذهب، الغصن، البيت، البدن، القفل، والخرجة. أما انتماء الموشحات لتقسيمات أخرى بالاستناد إلى التعبير اللحني وعلى وفق تعدد الإيقاعات والأزمنة فسنتعرف إلى: المالوف بإيقاع واحد والضربان بإيقاعين والنقش بثلاثة والزنجير بخمسة [راجع موشحات في ويكيبيديا]..

إنّ الغناء العربى يظهر بقوالب  وبقدر تعلق الأمر بموشح يا نسيم الروح نركز على قالب الموشح وما فيه من أدوار وفي الأداء من توشيح وترنيم، تاركين الطقطوقة والموال والإنشاد والابتهال والأغاني وغيرها..

اختار البصري  بضع جمل شعرية اشتملت على دورين وخانة  وقفلة. إنّ مصطلح الدور هنا له سماته وخصوصيته في بنية الموشح ولكنه في ذات الوقت يذكرنا بالدور بوصفه القالب الغنائي العربي الكلاسي.. إنّه قالب من قوالب الغناء العربى القديم، الذي اعتمد التكوين البسيط ومحدودية الأبيات بقصد التركيز  بوساطته على مهمة فنية تتمثل في استعراض أداءات لحنية  متنوعة مختلفة بتلك العبارات المحدودة.. والامتداد هنا زمنياً يأتي من طابع الاستعراض المتنوع وتفرعاته مع الاحتفاظ بالتأكيد بالمقام الأساس الذي ينطلق به ويعود إليه بعد المرور بتنويعاته وتفريعاته. ولأنّ الدور يتطلب مهارات صوتية عالية فقد تُرِك إلا ما ندر؛ هنا يتضح لكم سبب توقفي عند هذا المدخل لأعرّف بأهمية اختيار البصري  للموشح والدور ومستوى الأداء وتميزه ونجاحه في محيط بات كما ذكرتُ للتو يهرب بعيداً عن هذه المهمة الغنائية الأصيلة.

لقد شهدنا في يا نسيم الروح تنويعاً ربما ضم كثيرا من التفاصيل الأدائية التي استفادت من طريقة أداء ذاك القالب الغنائي التقليدي أقصد الدور من استهلال \ مذهب والآهات التي ترددت من ذات المقام الأساس مع تفريعات استعرض فيها إمكاناته الصوتية التي امتدت إلى الوحدة الكبيرة وأغصانها قبل الانتهاء إلى القفلة والاستقرار على المقام الذي بدأه ولكن للتذكير أؤكد أن إشارتي للدور أؤكد مجددا إنما أرادت التركيز في لفت النظر كيف استفاد البصري منه ووظفه في أداء الموشح بتنويعات تخص قالبه وتفاصيله..

في العمل الخامس لشعر كامل الركابي “عاشك حنين الناس” نتأكد من فلسفة موسيقية غنية للموسيقار البصري  لا يغادر فيها الموسيقا العربية العراقية الأصل من جهة بناء المقدمات الموسيقية ووضع المتلقي بأجواء اللحن ومقامه ووجود اللحن بمعمار موسيقي محدد الهوية. ها هو يقدم كيفية لاتحاد التقطيعات والأوصال الموسيقية للشعبي (الدراج) العراقي فيما بينها ثم يفصّله مع اللحن برؤية الملحن… ويأتي الدور بعد استهلال وفرشة موسيقية فنتلقى بوضوح الجملة الموسيقية المركبة حيث تلك الجملة الموسيقية الطويلة يمارس فيها البصري،  الموسيقي تنويعاته.. والمغني تلوينات الأداء، بتكرار البيت ولكن بتلوينات يريد حفرها في الذاكرة السمعية للمتلقي؛ إنه لا يسمح بالتكرار الممل بفضل التلوين الذي يوظفه مع استخدامه الضرب على الكلمات الفعل مثل (نبّع) و (خضّر) لتصير قراراً يطلب جوابا لازماً بما يمنح أفضل الرسائل لمتلقيها…

وبوصفي مستمعاً لاحظتُ في المقطع الأخير وصولنا إلى تلوين موسيقي تتقابل فيه الجملة (الهارمونية أو الجملة اللحنية) مع الإيقاع وضرباته بشكل متوازٍ مستقل بمسارين مقصودين، ليأتي الصوت وأداء الحنجرة ويتوسطهما بطريقة تمزج بين البعدين الموسيقيين…

نحن نرى البصري  ملحناً هنا يستدعي التنويعات الغناسيقية من توشيحات وتلميعات مقامية لا يغادر فيها تبحره في الأغنية والموسيقا العربية متخصصا دارسا باحثا ومبدعاً…

في الأغنية السادسة من ترحال البصري جغرافيا زمكانيا،  سهرنالك دهر يحط الرحال في هولندا ومنذها يتابع إبداعه واشتغاله هنا حيث يقيم في غربات المهجر القصيّ. إنّ البصري  يدري معنى أن يغني قصيدة للنواب وهو الشاعر المبدع كتابة وأداء إلقاء لقصائده ومعنى حفر الشاعر لصوته وإيقاعات قصائده في ذاكرة المتلقي؛ لهذا السبب يكتفي بتسجيله هنا على آلة العود تطارد الحنجرة في اشتغالها الملهم. إنه يربط بين أنّات الروح العاشق من دون تنقلات وفواصل لأن الأداء هنا يعبر عن تداعيات واستمرارية انسكابها في ألفاظ معبرة. ما نجده هنا أحيانا ربما جاء للضرورة المقامية اللحنية في انتهاء كلمات (يحاجينة) و (تكفينه) من دون امتداد ربما كان منتظراً في مواضع بحاجة للعرب التي تعبر عن طابع الشجن والعتاب واعتمال الأنفس وهو ما بدا واضحا رائعا عندما وظفه في عبارة (ياخذنا السعف عاليــــــــــي..ويرد بينا. هذه الأغنية أبدع فيها البصري  بمنحها هوية النخلة البصرية وترانيمها النابعة من معاناة الغربات وامتدادها طويلا وتعقيدات تلك الغربات المركبة… مجددا أؤكد حاجتنا للنقد الغناسيقي المتخصص كي يتوقف عند تلك الإبداعات وقاماتها العالية، ولكن من أين؟؟؟

في خاتمة السباعية لمجموعة ترحال وما رسمته من كثير الآلام والجراحات يشجينا الموسيقار البصري  من مقام حكيمي بإبداع (من يوم فركاك مأخوذة من حفلة اقيمت في هولندا المغترب الراهن… والكلمات من تراث الحاج زاير.. أما اللحن فإن البصري مجددا يرفض غربته بإعادتها إلى البصرة والصفكة المخصوصة بها(من التصفيق)  يفتتح بها لحنه هذا. وكما داب مقام حكيمي بكثير من الأعمال تكون هنا بستة وأداء الخشابة عوّضها هنا البصري بالصفكة البصري وإيقاعاتها لينتقل إلى أداء مقامه طبعا هنا مع كلمات الحاج زاير تتداعى المفردات بطباق وجناس وإيحاءات وتصريحات بمعاني غنية ثرة في التعبيرات الوجدانية واعتمال النفس ومواجدها..

أتمنى لعشاق الأغنية أن يلتقطوا هذا السي دي ومجموعة الأغنيات المعبرة عن ترحال يختزل مهاجر العراقيين وتنقلاتهم وارتحالاتهم بين المدن والدول، بين المهاجر والغربات القصية ليعبر عن القلوب الكليمة بغربتها الزمكانية وعشق الوطن والحياة والترنم بإبداعات وجماليات مؤكدة إن صنع الحياة وجمالياتها لم ينقطع عن مبدعي الوطن والناس وأنهم مازالوا يمتلكون ذخيرة من الحب بحجم وجود الشعب وثراء تاريخه ووجوده…

نداء للقاء يتجدد ولعل أمسية الاستماع في غربتنا هي هنيهة نتلمس فيها مواجع أفئدتنا والروح العراقي السامق كما شموخ النخلة البصرية  الباقية.. واثقا من روعة اللقاء كما روعة المنجز المميز الغني بأفضل تقنيات التسجيل ومؤثراته …

 

ولنا لقاء

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *