تداعيات في ضوء منع هبوط طائرة وزير الخارجية التركي بهولندا

في ضوء التصريحات العنيفة التي أطلقها السيد أردوغان ووزير خارجيته السيد تشاوش أوغلو تجاه هولندا و رد السيد روته والحكومة الهولندية الذي توجه بموضوعية وهدوء لنزع فتيل اختلاق التوترات والشحن ومال إلى تعزيز الاستقرار والمحافظة على الأمن العام بعيدا عن الاحتقانات الخارجية وانحدارها لمستوى الشتيمة والاتهامات غير المقبولة دبلوماسيا ولا قانونيا بمنطق العلاقات ..  التقى تلفزيون العربي الدكتور تيسير الآلوسي وتجدون هنا جانبا من الإجابات عن بعض الأسئلة بما يخدم واجباتنا في منع التأثيرات التي تصب في اختلاق خطاب العزلة والانفصام والتمييز بينمت نحتاج لخطاب خيارات برامج منع العنصرية واليمين الشعبوي فلنصوت بذكاء وبضمير وهدوء وبعيدا عن تأثيرات تخدم أشخاصا يتوهمون الزعامة لا بداخل بلدانهم بل يريدون تصديرها لشعوب أوروبا بخاصة جاليات بعينها.. هنا بعض قراءة في التداعيات

التقى تلفزيون (العربي) بالدكتور تيسير الآلوسي لاستطلاع الرأي في التداعيات المتسارعة لقضية منع هبوط طائرة وزير الخارجية التركي بهولندا.. وقد كانت الإجابات المكثفة تشير إلى الآتي.

إنّ موقف الحكومة الهولندية انطلق من ثوابت سياسية تتفق ودول الاتحاد الأوروبي ونهجها؛ كما أنها تنبع من قراءة أوضاعها المحلية وفي ضوء مصالحها وحماية أمنها العام. والموقف السياسي الخارجي ليس مشخصناً بالسيد أردوغان ولكنه يؤكد على الحرص على توجيه الأمور بما يتفق وترسيخ التوجه لدمقرطة الحياة في بلدان العالم وبقدر تعلق الأمر بتركيا من باب تقدمها لعضوية الاتحاد الأوروبي.

إن التضارب بين موقف الاتحاد الأوروبي ومنه هولندا وموقف السيد أردوغان يكمن في نهج الأخير نحو مزيد تركيز صلاحيات بين يديه ومحاولاته تفصيل الدستور على مقاسه وعلى ما يلبي نهجه الفردي الباحث عن اختلاق أو استعادة السلطنة العصمللية وفرض هذا النهج على حساب القيم المؤسسية التي تكرست طوال القرن الماضي في دولة علمانية حاولت السير في نهج ديموقراطي..

وسياسة هولندا باتفاق الجميع تكمن في منع تجيير قطاعات هولندية وأرض هولندا لمصالح انتخابية لساسة أجانب بما يخترق السيادة (دبلوماسيا) وبما يخترق السيادة والقوانين بقطع صلات الهولنديين من أصول بعينها بمحيطهم الهولندي الذي يحيون فيه لحساب مغانم انتخابية لساسة في بلدان أخرى!! بما يتقاطع والأعراف الدبلوماسية والقوانين المرعية.. والقضية إذن أعمق من الشخصنة التي تأتي تفسيراتها بناء على تضخم الذات عند بعض ساسة دول شرق اوسطية…

المشكلة أن تضخم الذات ونهجه الذي فُرِض في إطار تركيا ما بعد مسرحية الانقلاب يريد تجيير الجاليات التركية الموجودة في الاتحاد الأوروبي لوضعها في خانة التصويت لشخص (أردوغان) في الاستفتاء المفصّل هو الآخر بطريقة يربح بها النتائج مثلما أعاد انتخابات بأكملها لترتيب النتائج المحلية لمصلحته! وهو ما لا يمكن للدول التي تحترم شعوبها ومنطق الديموقراطية ونهجه أن تتعاون معه أو تلبي خطاه..

وغير هذا وذاك فإن حديث الساسة الترك عن احتجاز هولندا للترك أمر جد مستغرب ومستهجن دبلوماسيا إذ أن الجاليات المهاجرة المقيمة هي مواطني دولة مؤسسية ملتزمة بدستور وبقوانين ينبغي العمل في ضوء اشتراطاتها وما تفرضه من التزامات.. وكثير من أبناء الجالية التركية يتعاملون على أساس كونهم مواطنين هولنديين بالأساس ويلتزمون هذا وما يفرضه من محددات وهو ما لم يتعارض يوما مع تضامنهم مع جذورهم..

المشكل أن السيد أردوغان، أطلق العنان لنفسه ووزير خارجيته ليدلوا بتصريحات تجاوزت الأعراف الدبلوماسية من جهة ووقعت بمطبات قانونية فالشتيمة باستخدام كلمة (جبناء) والاتهامات التي تطلق على عواهنها باستخدام (نازيين، فاشيين) أمر غير مقبول في العرف الدبلوماسي من جهة والانحدار لمستوى استخدام خطاب الشتيمة من رئيس دولة تريد الانتساب للاتحاد الأوروبي هو مجرد وصول الشخصية إلى مستوى من التوتر والشدّ ما لا يمكن قبوله قطعاً؛ وذاك التوتر لأنه لم يلق أذنا تصغي لخطابه بل وجد رفضا لنهجه المتقاطع مع الديموقراطية وفلسفتها وآلياتها..

ولابد من التوكيد أن الانفعال والتوتر واختلاق المشكلات من طرف الساسة الحكوميين الترك قد وصل قمته بإغلاق السفارة والقنصلية الهولندية وبالإصرار على التوجه إلى الميادين الهولندية العامة لعقد حشود جماهيرية وتسويق خطابهم الفوقي وعنجهيته (على الرغم من وجود منع لهذا الحضور غير المقبول قانوناً) بما يثير تعقيدات كثيرة ويفتح الأبواب على مصاريعها للإخلال بالأمن العام، طبعا هنا، مستغلين الحصانة الدبلوماسية بطريقة اعتادت استغلالها قوى تتحكم بدول منطقة الشرق الأوسط بمنهج لا يحترم الديموقراطية ولا القوانين المؤسسية؛ والكارثة أنهم يريدون تجيير الساحة الأوروبية برمتها لشرعنة مآربهم التي يفرضونها على شعوبهم…

من جهة العلاقات الدبلوماسية كانت إجابتي لتلفزيون العربي: ربما يوصلها الساسة الترك لدرجة القطيعة وهي الآن جراء قراراتهم المتسرعة المتعجلة والمنفعلة المتوترة بما تدنت إليه من خطاب غير مسوغ قانونيا ولا دبلوماسيا، ولكن هولندا تتعامل بإيجابية مع مواطنيها وتتخذ ما يستجيب للاستقرار والحفاظ على الأمن العام بخاصة في ظرف انتخابي بالمستوى الوطني الهولندي وهي دبلوماسيا لا تنخفض بخطابها نحو ذاك المتأتي من الرئيس ووزير خارجيته (التركي)..

ولقد كانت مواقف أحزاب اليسار والوسط وكذلك الأحزاب الحكومية الهولندية متفقا مع منع تأثيرات المواقف الراديكالية المنفعلة المتشنجة، أن تخترق القرار الشعبي الهولندي أو أن تثير فيه ردود فعل متشنجة وكذلك تحاول منع أن يجري تجييرها لخطاب اليمين الشعبوي على الرغم من وجود من يريد تسويق نفسه على خلفية هذا الخطاب الموتور.. لكن الجمهور الهولندي الناخب بعمومه أكثر وعيا تجاه هذه المحاولات الاستغلالية الآنية وفي اللحظات المتوترة سيلجأ أغلب الجمهور الهولندي بأبعد الأحوال إلى الخيارات الاستراتيجية المعتادة وتصويتها ولن يتجه لليمين الشعبوي..

ولكن يبقى مطلوبا من أبناء الجاليات بالخصوص المسلمة ومنها المتحدرة من أصول تركية، عربية، أمازيغية، كوردية وغيرها أن تكون أكثر كثافة في المشاركة كي لا تترك للعنجهية والتوتر وما ينجم عنهما أن تؤثر عليهم فهم يقيمون بدولة مستقرة ديموقراطية تفرض استراتيجيات الاختيار أن يبعدوها عن خيارات راديكالية يمينية شعبوية من تلك المثيرة لخطاب الكراهية والعنصرية والصحيح في الاختيار أن نختار برامج اليسار والوسط وألا نقع بأحزاب مزاجية هامشية (مولودة حديثا) تشق الصفوف وتكون مجرد بعبع ضد وجودنا لأنها (أي الأحزاب الجديدة التي تلعب على وتر المرجعية القومية وجذورها) ستعزلنا إذا لهثنا وراءها في غيتوات منغلقة مثيرةً بنهجها التمييز أكثر ضد وجودنا وضد الأجيال الجديدة من أبناء الجاليات..

اليوم إذن، مطلوب أعلى نشاط بعيدا عن تجار أحزاب قزموية (قزم) تهمش وجودنا وتختلق عزلتنا وفصلنا عن محيطنا الذي ينبغي أن نندمج فيه بعد أن اخترنا العيش فيه واستقبلنا بإيجابية وبقي أن نبدي موقفا إيجابيا مقابلا ..

وستزول غيمة الهرطقة والانحدار بالخطاب نحو الشتائم ونحو الاتهامات التي أثارها زعماء من خارج هولندا، سيزول ما تلبد من غيوم، بفضل وعي الهولنديين أخص هنا أبناء الجاليات الذين سيؤكدون خيار الانتماء لمحيطهم الهولندي واختيار ما يؤكد استقراره وسلامة برامجه ورفض ما يفتعل التمييز والكراهية..

تلكم هي القضية وتداعياتها، فهلا تنبهنا؟ وأحسنا الاختيار وابتعدنا عن توتير الخطاب؟ وأكيد سيكون ذلك لمصلحة أن نرسل رسائل التضامن مع شعوبنا ضد توجهات فرض الطغيان الفردي على حساب دمقرطة الحياة..

كانت هناك أسئلة متنوعة عديدة تمت إجابتها في الحوار مع التلفزة لكنها بجميعها أكدت ضرورة منع التداعيات المشار إليها في أعلاه وعلى استقلالية أبناء الجاليات التركية عما حاول ساسة ترك فرضه عليهم.. وعلى ضرورة سلامة الخيار لأحزاب تقف دون انتصار اليمين الشعبوي وخطاب العنصرية والكراهية..

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *