ومضة في دلالات زعامات سياسية مغيَّبة بحصار ظلامي لقوى التخلف بمقابل إبراز زعامات دعيّة دجالة

ماذا تعني مفردة زعم ومنها زعامة؟ وماذا تخفي وراءها من مسارات يكرهون الشعب عليها أو ما يعنيه أن تجد زعامة إيجابية تنقذ الموقف وتلهم الناس طريقها إلى الحرية والانعتاق؟ محاولة لمعالجة بعض المصطلحات وبعد الومضة التي عالجنا بها مصطلح رجال الدولة نعالج هنا مصطلح الزعيم في مادة بعنوان: زعامات سياسية مغيَّبة بحصار ظلامي لقوى التخلف وزعامات دعيّة دجالة. بانتظار تفاعلاتكم لتنضيج المادة بمختلف جوانبها فالتنوير سبيل الشعوب للفوز بتطلعاتها

بين من يبرز في الساحة من وجوه تدعي زعامة مجتمعية وبين حقيقة وجود زعامة سياسية نقرأ ظاهرة اختفاء الزعامة الحقة. وما يسود من خطاب دوماً يجسد مرحلته وظروفها الموضوعية وقوانين أو آليات اشتغالها.. فتتفشى في لغة الناس تلك المعاني التي تنسجم وما يسود بينهم وفيهم..

وكما بدأنا معالجتنا نقول: بين زعامة حقة وزعامة ادعاء ودجل نجد أنّ ما يسود اليوم في المشهد الراهن هو مجرد خدعة دعية، تنصِّب أدعياءً خالي الوفاض على جمهرة من المأسورين بفلك التطبيل لوهم زعامتهم؛ وتلك الجمهرة المأسورة مصادرة مستلبة الإرادة فلا تكون بتلك الحال سوى كمالة عدد من المصفقين أما اضطراراً أو تضليلاً… إننا أمام مشهد أن لا زعامة في البلاد حالياً؛ بقصد لا زعامة إيجابية سليمة المعاني والمقاصد…

فلا الكسبة والعمال ولا الفلاحين ولا الطلبة ولا النساء ولا جموع الأرامل وملايينهنّ ولا الفقراء والعاطلين عن العمل ولا حتى الموظفين بأوجه بطالتهم المقنّعة، كان سيختار أيٌّ منهم من يسود اليوم زعيماً فليس ما نراه من شخوص تملأ ضجيج الإعلام والخطاب العام سوى خواء منخور مفسد..

واختيار تلك الشخوص (زعماء) لم يتمّ، لوجاهةِ حكمةٍ وسدادِ قراراتٍ وشجاعتها بل كل الذي جرى ويجري اليوم، يكمن في أنَّ جموعاً جرى تجهيلها وإشاعة الأمية وسطها ومن ثم ضخها بقيم التخلف بديلا لإعمال الفكر وبالاستناد إلى إفقارها مادياً روحياً تم تقييدها بقسوة الحاجة التي لا توجد مؤسسة تلبيها ولكن مغتصِب المؤسسة المفرَّغة من مهامها الحقيقية، هو مَن يوزع الحسنات والصدقات، فيكون بإكراه مبطّن هو الزعيم.. وبهذا تتبدى ظواهر الإخضاع والإلحاق والأسر فنجد كلَّ فئة تردد جانبا من خطاب مدَّعي الزعامة وسوْس الناس على وفق مناهجهم الظلامية ومن ثمَّ مآربهم وأطماعهم كما سيتبين لنا من وجهي معاني الزعامة لغة واصطلاحا بوقت لاحق..

لقد شاهدنا على سبيل المثال: النسوةَ (تتظاهر) ضد أنفسهن وضد مطالب الانعتاق والتحرر؛ فجموعٌ منهنّ خرجْن ملفوفات بعباءات كسواد أيامهنّ، ليرددن ما فرضه عليهن منطق فلسفة ذكورية بدائية متخلفة، تجسد تقاليد مرضية متوحشة بمزاعم أنها الدين والدين والفكر الإنساني السليم منها براء، فـ علت في حينها صرخات تمجيد زعيمهنّ وفروضه عليهنّ للقعود في منازل هي معتقلاتهن بحكم السجن المؤبد أردن القنوط فيه وظهورهن المتناقض أردن فيه تلبية مطامع (الزعيم) إياه في حبس بقية النسوة خلف قضبان منازل المؤبد!

ولفضح كذبة تلك الزعامة [الروحية] الدعية نتساءل: كيف لمن تعي شخصيتها الإنسانية وحاجاتها ومطالبها أن تردد اسجنوني بالمؤبد!؟ كيف لها أن تطلب سجنها في منازل ليست اليوم، إلا فضاءات استغلال واستلاب لتلك الشخصية الإنسانية بكل ما في يوميات المرأة من إذلال واعتداء على كرامتها وابتزاز ومهانة واغتصاب روحي وجسدي يومي متصل…!!!؟

أما مثالنا الآخر الذي تمّ تشويه خطابه وإكراهه على إقرار زعامة (روحية) بوجه و(سياسية) بوجه آخر ومجتمعية بكل تفاصيل ومحاور فعلها، فنشير إلى كل شغيلة بلدان التخلف والعراق نموذجاً، الذين تستعبدهم أوضاعهم وتقسو عليهم جميعا وكافة! ومنطق الفكر المتنوّر يتساءل: كيف لكل تلك الجموع المنتجة للخيرات والقيم أن تنسى همومها اليومية وهمّ الحصول على قوت عيالها نظيفا بلا مذلة ومهانة لتكون شعارات وجود تلك الجموع مشوهة بالتضليل والمخادعة، محصورة في البحث عن مفاتيح جنة (الآخرة) أو عالم الغيب الذي يدعي (الزعيم) الموهوم امتلاكه إياها حصرياً بدل مطالب الحياة الحرة الكريمة السوية!؟

ومن قبل وبعد أيها السادة، فإنَّ الزعامة لغة واصطلاحاً، فيها أوجه إيجاب وسلب فأما أوجه الإيجاب فمنها ما نصَّت عليه المعاجم في أنّ ما [عُرِفَ بِالزَّعامَةِ إنما هو إشارة لما عُرِف بالشَّرَفِ في رِّئاسَةِ الناس عبر قيادتهم وإلهامهم] أو أنها [أَفضلُ المال بمعنى سلامة إنتاجه وتوزيعه كما يؤشر عصرنا] ولقد جاء في معجم المعاني أنّ عبارة: [زَعَمَ اللَّبَنُ تأتي بمعنى أَخَذَ يَطيبُ] ويأتي فعل زَعَمَ بمعاني لا سلبية فيها من قبيل: اعتقدَ، قال، وَعَدَ وكذلك تأمَّر على جمع من الناس وصار كفيلا بهم ورئيساً عليهم ضامناً لمطالبهم وتطلعاتهم ومسارهم…وفي المعجم الوسيط جاءت كلمة زعامة لتشير إلى [مَن بيدهم السلطة في حزب أو حكومة أو تشريع وما إلى ذلك. وهكذا فالزعامة إيجاباً لا تقتصر في القدرة على تسيير شؤون الناس والمؤسسات بل تتمثل كذلك في إبراز السبيل للآخرين وإلهامهم بالرغبة في اتباعه].

وبين زعامةٍ حقة تعني الموقف البطولي الملهم للآخرين وتقدم الصفوف بوعي وحنكةٍ ودراية وبين المزاعم الواهية التي تنحصر في النجومية التي تأسر حول مزاعمها جمعا من الناس بلا إلهام لقضية ولا معالجاتها، هناك بون شاسع يتحدى المجتمع الإنساني اليوم.

بمعنى ضرورة تفعيل مهماتنا التنويرية في التخلص من الزيف والادعاء في ما اصطُنِع من زعامة مزيفة وفضح مآربها وغاياتها وأطماعها وفي الدفع باتجاه التبني الإرادي الحر المستقل لزعامة ملهمة تنويرية تغني وتتقدم بالحراك صوب تحقيق تطلعات الناس..

إذن، بمقابل الإيجاب في معاني الزعامة التي نريد الجموع أن تتبناها بوعي وسلامة مقاصد، نجد معانٍ أخرى من تصريف مفردة (زعم) تقع فيما هو سلبي؛ حيث يعني الفعل زعم: الكذب والظنَّ وهنا لا تكون الزعامة في ظلال نظام طائفي مفسد إلا بطابعها المصطنع الذي لا يقود إلا إلى الاستبداد؛ فتكون تلك الزعامة المصطنعة نقمة على الناس… وهكذا يرتبط  معنى الزعامة بهذا المدخل بـ [حظ (السيد\الزعيم) من المغانم] بضمنها توزيع المواطنيني على مجموعة من تلك الزعامات الخاوية سوى من المرض والطمع .ويرافق مثل تلك الزعامات خطاب لا يفارق معاني الادعاء الكاذب والقول بما كان باطلاً أو ما لا يتم التحقق من سلامته ومصداقيته حيث كل ما كان يُشكُّ فيه ولم يُعرفَ إذا ما كان كذباً أم باطلاً، يؤتى له بلفظ زعم تعبيراً عن هذا المعنى السلبي.

وجملة القول في (زعم و زعيم)  أنه يأتي في العربية وعند مستخدميها على أَوجه: فيأتي بمعنى الكَفالة والضَّمان ومعنى الرئاسة والسيادة وربما جاء بمعنى السلاح بما يفيد القوة ومن المال أفضله كما يقال أَزْعَمَتِ الأَرضُ إذا طلع أَول نبتها.. لكن الزَّعم يأتي أيضاً، بمعنى الطمع تلبية لمآرب المصطنعين من الزعماء…

ونحن هنا نفصل في اللغة مثلما في المصطلح، لنعاود القول إن الزعامة باتجاهين ووجودين متناقضين: فهي تلك المصطنعة من خواء فتكون سلبية وتتغوّل وتستبد الأمر الذي غالباً ما يقع ببلدان العالمثالثية المقيدة بالتخلف وتفشي الخرافة ومنطقها وفرص استغلال الناس وأسرهم خلف تقاليد مرضية يُزعم أنها الدين والأخير منها براء…

وهي أيضا الوجود الإيجابي عندما تكون الشخصية ذات إرادة تتمسك بقيم التنوير والتقدم الاجتماعي والبحث في وسائل تلبية مطالب الناس فتلهمهم سبل الحل والمعالجة لكل ما يعترضهم وعادة ما تكون الشجاعة وقيم البطولة والتضحية جوهر خصال تلك الزعامة…

القوى المفسدة التي تأسر الدولة والمجتمع تحاصر هذا النموذج بكل السبل ولا تسمح بظهوره باي شكل في وسائل إعلام أو صحافة أو مؤسسات عامة.. فيما تسوق لشخوصها ومن يحمل مآربها بطريقة تضخ بتلك الأسماء السلبية أشكال التلميع والنجومية الخاوية من قدرة الإلهام الفعلية..

إن الصراع بين النموذجين لا تحسمه إلا فرص تنوير الوعي المجتمعي ومنحه فرص اتخاذ القرار فيما يلغيه ويصادره إشاعة الجهل والتخلف وتفشي قيم الفكر الظلامي وأمراضه ليفرض النموذج السلبي..

الزعيم الحق لا يبحث عن النجومية بقدر تقديمه التضحيات والنموذج البطولي وبقدر ما يقدم من إلهام بالأفكار التنويرية ومقاصد التحديث والتقدم الاجتماعي والانتصار لإرادة الإنسان وحقوقه وحرياته..

ببلادنا اليوم، مازال تسويق زعران السياسة ومراهقيها وشخوص خاوية وضخها في وسائل إعلام تشتغل من المال المنهوب من ثروات الناس.. ببلادنا مازال نموذح الزعماء المصطنعين يدور بن الجموع المساقة إلى التعازي الفصلية والشهرية وعلى مدار العام تتصدق على الجموع المغيبة إرادتهم وعقولهم بطقسيات ما أنزل الله بها من سلطان..

إننا ندري أن الديانات أوصت بأن لا عزاء فوق ثلاث بمعنى الأيام الثلاث وهم يجترون تعازي ويصطنعون أخرى على مدار العام؛ فإشاعة الحزن يساعد على كسر الهمم والأنفس ويمهد لإثارة الاحباط والانكسار ومن ثم يساعد على إخضاع الجموع لإرادة الزعيم الروحي المصطنع…

إننا ندري أن كل مواطن يمتلك حقوقه تامة كاملة على وفق قوانين حقوق الإنسان ومن حقوقه أن يحيا بكرامة وحرية بينما يفرضون بإفقاره فرص التصدق عليه وإذلاله بالحسنات التي يوزعها الزعيم المصطنع. ذلك الشخص الذي ينهب الخيرات الطبيعية وتلك التي ينتجها ملايين الناس ليعاود ويتصدق بالفتات عليهم…

كيف تكون الزعامة السلاح بمعنى ما يتصدى به الإنسان لعثرات زمنه؟ وكيف تكون الزعامة القوة بمعنى ما يشد العزم ويشحذ الهمم؟ وكيف تكون الزعامة إلهاما ينير طريق التقدم؟ كيف ذلك والزعامات المصطنعة تبتز وتستغل وتستلب وتستعبد وتذل وتهين؟

ذلكم هو دجل الزعامة القائمة.. ذلكم هو تضليلها.. ذلكم هو اشتغالها بقوة المال فاسداً لأنه المنهوب والمتأتي من السحت الذي يسميه القانون سرقة وبوقة البلطجة بسلاح التصفيات لكل الشرفاء الأخيار بذرائع واهية تتكلف الميليشيات والبلطجية بتلك الأعمال العنفية..

تلك ليست زعامة ولا وجود لزعيم من بوابة الفساد والإرهاب والفكر الظلامي الطائفي

فانتبهوا وتنوَّروا واتخذوا قراركم برفض تلك الشخوص الخاوية المريضة وانتفضوا لكراماتكم ضد المهانة والإذلال والتحقير وإلا فلات ساعة مندم فيما يقودكم إليه بعض من تسمى بالزعامة وهو ليس سوى خراعة خضرة واهية خاوية بلا فعل والفعل بين أيديكم..

 من أراد زعيما فليبحث بين ساسة يحيون وسط الفقراء ويقودون بعقول ناضجة حكيمة سديدة..

ومثلما لا رجال دولة في دولة هي الأكثر فشلا.. لا زعماء حقيقيين ممن تقدمهم مؤسسات الفساد المبتلاة بمغتصبيها… في دولة بغداد الطائفية الكليبتوقراطية لا رجال دولة ولا زعماء..

رجال الدولة والزعماء بينكم في وسطكم يامنتجي خيرات بلادكم فدققوا وابحثوا والبركة بالحركة وسبيلكم يتجسد في شعار ((التغيير من أجل دولة مدنية ديموقراطية اتحادية تحقق العدالة الاجتماعية)) وزعماء الخير والإيجاب الحقيقيون هم من يحمل هذا الشعار ويلهمونكم وسائل تلبيته وفرضه وطرد عناصر الفساد في وجودكم..

وعسى للزعامة مدخلات قراءة تنضجونها وتستدلون عبرها وفيها إلىمعالم الطريق

qasim

الزعيم عبدالكريم قاسم وجمهور متنوع من العراقيين يحتفظون له بلقب الزعامة بخاصة مع تناهش الصور المرضية التي أتت  لاحقا لمفاهيم الزعامة بطريقة دونية مصطنعة أكرهت الناس على صدارتها بالعنف والبلطجة مرة وبالتضليل مرات أخرى

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *