الموسيقار الدكتور حميد البصري يكتب: ثورة تموز وانعكاساتها على الواقع الموسيقي في العراق

بمناسبة الذكرى 59 لثورة 14 تموز قدّم الموسيقار الدكتور حميد البصري مداخلة موجزة عجلى عن أثر الثورة في الموسيقا عراقياً عربياً. وللدكتور البصري دراسات شتى أكثر تفصيلا واتساعاً لكنه آثر ذكر بعض الملامح وبإيجاز شديد في ضوء  برنامج الاحتفالية المتشعب .. تجدون هنا تلك المداخلة المهمة وما فيها من توثيق ينقل للأجيال مفردات ينبغي التوقف عندها كما يجسد معاني الثورة وآثارها في مختلف النواحي ومنها الثقافة بعامة والموسيقا بخاصة.. تتشرف ألواح سومرية معاصرة باستضافة هذه المعالجة ونقلها إلى الجمهور

في الذكرى 59 لثورة تموز الخالدة

ثورة تموز وانعكاساتها على الواقع الموسيقي في العراق

الدكتور حميد البصري

الموسيقار الدكتور حميد البصري

لم تشمل التطورات التي أحدثتها ثورة تموز 58 الخالدة الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية فقط بل شملت الجانب الثقافي بشكل عام والموسيقي بشكل خاص.

فبعد الثورة، نشط فنانون في إنتاج أغانٍ تمجد الثورة ونضال الشعب العراقي وكذلك الإشادة بزعيم الثورة الخالد عبدالكريم قاسم، فمنهم من تمكن من تسجيل تلك الأغاني في الإذاعة مثل الفنان (أحمد الخليل) الذي سجل أغنيته المعروفة والتي بقيت خالدة في ذاكرة العراقيين:

 من تهب أنسام عذبة من الشمال

على ضفاف الهور تتفتح كلوب

لو عزف عالناي راعي بالشمال

عالربابة يجاوبة راعي الجنوب

هربجي كرد وعرب رمز النضال

والمونولوجست ( فاضل رشيد) وناظم الغزالي  والمطربات عفيفة اسكندر و مائدة نزهت وهيفاء حسين وآخرون غيرهم. وهناك فنانون لم يتمكنوا من إيصال نتاجاتهم إلى الإذاعة، كما حدث معي، إذ قدمت أغنية:

عبدالكريم البطل يالحررت بغداد

 دولتنا منذ الأزل دولة عرب وأكراد

 كان ذلك أول لحن لي وقد غنته الفنانة شوقية العطار على المسرح، ولم أتمكن من تسجيلها لوجودنا في البصرة وبعدنا عن الإذاعة في بغداد

أما في قسم الموسيقى بمعهد الفنون الجميلة ببغداد، فقد زاد عدد الطلبة والطالبات وكثرت المهرجانات الموسيقية التي يقدمها طلبة المعهد. وقد شاهدت الزعيم الخالد عبدالكريم قاسم وهو يحضر إحدى هذه المهرجانات وكان بعض مرافقيه ومنهم

( الشهيد وصفي طاهر) يجلسون مع الطلبة في مطعمهم بالمعهد.

كذلك أرسل المعهد عدداً من الطلبة الخريجين إلى الدول الاشتراكية لإكمال دراستهم العليا في الموسيقى.

من جانب آخر، كثرت الفرق الموسيقية في عدد من المحافظات وخاصة الشبابية منها، كما زادت الحفلات الموسيقية والغنائية الجماهيرية، وأذكر إحدى تلك الحفلات في البصرة شارك فيها فنانون من بغداد ومن ضمنهم المنولوجست فاضل رشيد، حضرها جمهور كبير  واستمر الحفل إلى ساعة متأخرة من الليل. وعند انتهاء الحفل بادرت نقابة العمال في البصرة (سائقو التاكسي) بتوصيل كافة العوائل الى بيوتهم مجانا .

إنَّ أهم حدث موسيقي بعد ثورة تموز هو موسيقى السلام الجمهوري .

فبعد ثورة تموز 58  ، تمَّ إلغاء العَلَم والسَّلام الملكيَّين، بإقرار رَمزَين جديدَين ، كان يومها ابن العراق الفنّان السّرياني (أو الكلداني) لويس زنبقة يُكمِل دراسته العليا بالأكاديمية الموسيقية النمساوية في ڤيينا؛ وما أن سَمِعَ بأخبار الثورة حتى بدأ بتأليف لحن للسلام الجمهوري، وكان عزفهُ بدعم من أوركسترا نمساوية، ثمّ اتصل بسفارة العراق في ڤيينا ليعرض المُدوَّنة الموسيقية (النوطة) والتسجيل الصوتي للسلام الذي أعَـدَّ للعراق الجديد، مُرفَقًا بكتاب إهداء للجمهورية ولزعيمها عبد الكريم قاسم. فقرّر الزعيم اعتماد مدوَّنة الفنان لويس زنبقة بمرسوم جمهوري. واستمرّ عزف السلام خمسة أعوام، لكنْ ، تمّ إلغاؤه سنة 1963 بعد حصول الانقلاب الدموي على نظام الحكم .

تلاه مع الأسف الشديد، اعتماد نشيد وسلام جمهوري للعراق من مؤلفين وملحنين غير عراقيين، كان أولهم نشيد مِصر الوطني «والله زمان يا سلاحي» طاقمُهُ مِصري؛ الشاعر: صلاح جاهين، المُلحِّن: كمال الطويل، الأداء: السيدة أمّ كلثوم ومجموعة مساعدة/ كورس…،  تلاه نشيد «أرض الفراتين» للشاعر شفيق الكمالي (مسقط رأسه: البوكمال/ سورية) لحَّنه الموسيقار اللبناني وليد غلميَّة،  وأخيراً نشيد العراق الذي استمر لحد الآن وهو «موطني» للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان لحَّنه الفنان اللبنانيّ محمد فليفل .

ورغم إعلان مسابقة بهذا الخصوص بعد سقوط نظام البعث عام 2003 واشتراك العديد من الشعراء والموسيقيين العراقيين فيها بضمنهم أنا، إلا أنها لم تنتج عن اختيار نشيد جديد.

أما على المستوى العربي ، فقد ألهمت ثورة العراقيين الزملاء الفنانين في مصر، ومنهم فايدة كامل وشادية وعبدالغني السيد وأهم عمل كان للسيدة أم كلثوم وهو أنشودة ( بغداد يا قلعة الأسود ) التي لها قصة رواها الاعلامي وجدي الحكيم مع المؤلف محمود حسن اسماعيل والملحن الموسيقار الخالد رياض السنباطي الذي لحن أيضا أغنية فايدة كامل . بدأت الفكرة بعرض

تحايا للشعب العراقي على أم كلثوم والطلب منها لتقديم تحية باسمها ، طرحت فكرة أغنية بدلا من تحية عادية .. أخذت أنواع التحايا الى الشاعر محمود حسن اسماعيل لتأليف نص غنائي للأم كلثوم .. وعندما رأت الأغنية قالت لن يلحن هذه الأغنية غير السنباطي ..كان السنباطي في حينها زعلان على أم كلثوم إثر خلاف معها . بعد تلحينها رفض أن تغنيها أم كلثوم لكن تدخل الزعيم عبدالناصر واتصاله برياض السنباطي وافق على أن تغنيها أم كلثوم .. وهكذا ظهرت الأغنية التي استخدمت كتتر ( رمز موسيقي) للإذاعة العراقية .

هذا هو استعراض مختصر لانعكاسات ثورة تموز 58 على الواقع الموسيقي في العراق والوطن العربي  .

الموسيقار الدكتور حميد البصريDr. Hamid AlBasri

 

 

hhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhh

 

صفحة الموسيقار أستاذ الموسيقا العربية الدكتور حميد البصري في الفيس بوك

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *