بين رؤيتي الغزالي وابن رشد تتبدى قيم الظلامي والتنويري واصطراعها التناقضي: فما موقفنا اليوم؟

مقترح حوار في إطار فلسفة التنوير بين تجاريب الأمس وفرص الانبعاث اليوم:
كنتُ كتبتُ قراءة في مرحلة سابقة وظفت فيها حواراً فلسفيا فكريا بين رؤيتين في التاريخ الإسلامي وما نجم عنهما وحاولت عبرهما أن أوحي واشير إلى منهجين متناقضين ينبغي الاختيار بينهما اليوم. كي لا نضيع وقتا آخر بعد أن كان حُسِم الأمر من قبل.. ونكف حالات اجترار (الأسوأ) من تاريخنا وتجاريب أزمنة غابرة وظلامياتها.. لنمتاح من تلك التجاريب أفضلها وأنجعها وندفع باتجاه الأنضج والأكثر صوابا.. أضع قراءتي مجدداً عسى تدفع لحوار فكري فلسفي مناسب..
احترامي لكل ما يتبدى هنا ليعمّد مسيرة التنوير بخطى أخرى إلى أمام

قال الغزالي وقال ابن رشد فـماذا نقول؟ وماذا نريد؟

Posted on March 7, 2012 by adminتم النشر في منتدى الحركة المدنية المصرية بتاريخ 

وكان قد تم نشره قبل ذلك بسنوات في هذا الموقع بتصميمه القديم

د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

 في قراءة النصِّ عادة ما جابه المتنورون حالة من التشويه المتعمّد لمعالجاتهم من جهة ولتحديهم من قوى الظلام عبر تملـّص تلك القوى من المواجهة الحقيقية وهروبها من الجدل والمناقشة بترحيل الجدل من ميدان الفكر وتفاعلات الرؤى الإنسانية إلى ميدان الدين والمقدسات التي تمتنع على الجدل الإنساني.. ولقد أخفى مثل هذا الترحيل ليس مسألة الهروب من مواجهة الدليل واللغة البرهانية بل أخفى أكثر من ذلك وأخطر طبيعة الصراع وقواه وأهدافه الجوهرية…

ومنذ عهد بعيد جرى التناضل والصراع بين الطرفين بناء على أسس من المصادرة والاستلاب لحرية التعبير من جهة وحق المناقشة والبرهنة على صواب رأي وخطأ آخر من جهة أخرى. وكان من نتيجة ذلك باستمرار تعضيد أفكار ظلامية ومنحها طاقة بقاء أطول ومنحها أيضاً امتداد على مساحة أوسع بما يجعلها تمتلك فرصا أكبر وأبعد في المناورة والتضليل …

فيما انسحبت أحيانا قوى الحرية منكمشة في ميادين ضيقة ومساحة حركة أصغر وأضعف في حدودها على خلفية عمليات مطاردة قاسية استُخـْدِم فيها التكفير والإعدامات والتصفيات الجسدية وسيلةً لمنع الفكر المتنور من الانتشار والسيادة، على وفق ما يقرّه منطق صواب الأمور.. وهكذا ظلت تلك المشاعل (المحاصرة و\أو المقموعة) حبيسة سجون العتمة وسلطات إرهابها الدموي..

وهنا في هذه المعالجة، أحاول وضع إضاءة أو لمحة سريعة مما دار في تاريخنا من نماذج جدل بين رؤيتين متناقضتين؛ عبَّر الغزالي من جهته عن السلطة [بالمعنى الأوسع لمصطلح سلطة] وعن سطوة تلك السلطة ومركزيتها ومصادراتها فيما عبر ابن رشد عن فلسفة الأطراف المطاردة المختلفة مع المركز وفلسفته التي لا تخضع للتضييقات وأشكال الاستلاب بل التي تسوّغ التضييق على الآخر المختلف..

ومن الطبيعي أنْ نبحث في سياق معالجتنا عن توكيد طروحاتها عبر تلمّس الحقائق التي تشير إلى هذا التقاطع  والتضاد في تاريخ الشخصيتين اللتين نختارهما تمثيلا للتقاطع بين السلطة وفروضها ومن يقف وراءها من مؤوِّلي الفلسفة بطرقهم الخاصة وبين التحليل الفلسفي التنويري القائم على منطق العقل العلمي ومنهج التفكير فيه؛ حيث الحرب على صُعُد الفكر والسياسة وعلوم الكلام وقراءة الحياة الاجتماعية وتفاصيل الحركة فيها.. لكننا، حتماً، سنتجنَّب التفصيل والإطالة، في معالجتنا المقالية هذه، من أجل توجيه التركيز بشكل أفضل نحو توضيح استنتاجات نبتغيها في وضعنا اليوم، للتمييز بين قيم التنوير وقواها وبين أعدائها الذين كعادتهم، يجترون ذات المناهج في ممارساتهم وما يرتكبون،  من أساليب العنف والمصادرة والتحول بالجدل إلى ميادين المنع والحظر والتحريم والتكفير…

ومع كون ما قدّمه الغزالي يُعدّ من وجهة معينة إشارة إلى الوسطية في الفكر الديني إلا أنَّه يظل المبرِّر الأكيد للسلطة السياسية ومركزها، بخاصة الخلافة السنية في التاريخ الإسلامي، في معالجة إشكالية اصطراع رؤى الإمامة والخلافة ومعطياتهما.. وحتى حين يلجأ لتبريرية واضحة للتصوف وشطحات الصوفية؛ فإنَّه يقدِّم ذلك فيما يخدم مركز السلطة وليس القيم الاجتماعية التي تضمَّنتها بعض رؤى الصوفية من مثل بعض رؤى الحلاج…

وبهذا المعنى من قراءتنا نصوص الغزالي [أشعري المنتهى] سنجدُه يمضي باتجاه فكرة “وحدة الوجود”؛ ليس من جهة النظرية وتكاملها ولكن من جهة إلغاء كل ما عدا وجود الله الخالق في كل شئ. وهنا يصير الفعل الإلهي فعلا جبرياً مطلقاً، تنتفي مع حالة الإقرار به، على وفق رؤى معينة، كلُّ تعليلات السببية للفعل الإنساني ولحركة القوانين في الطبيعة المحيطة بنا..

وفي الحقيقة ليس لوسطية نصِّ الغزالي بين الحرية عند المعتزلة وانتفاء تلك الحرية عند الجبرية، ليس لتلك الوسطية، من حلِّ على صعيد الإجرائي التنفيذي أو على صعيد قراءة حركة الإنسان في حياته اليومية.. إذ لا يجد الإنسانُ نفسَهُ حراً، صاحب اختيار، الأمر الذي  يسلبه وجودَه وحق القرار والفعل..

وأنا هنا لا أحيل هذه الفلسفة وقراءتها إلى “السنية” لأنَّ ما يسقطه الأشاعرة والغزالي ومتصوفة بعينهم على الخليفة من توصيفات وصلاحيات دنيا وديناً، يفعله الشيعةُ مع الإمام والمرجع. وتلك هي حالة من التلاقي من جهة كيفية قراءة النص. وهي كيفية تُبقي اعتمادها بثبات على مبدأ المصادرة واستلاب الآخر من جهة الجوهر وإنْ خرج بعض المؤوِّلين بتسجيل وقائع اعتراض تثبت التحرر في بضع تفاصيل، هي انعكاس مجرد للاستبدال أي حلول جهة محل الأخرى، فيما يطلقون عليه تحرر العامة وليس فيه من تحرر بقدر ما فيه من استبدال وحسب.

وقول الغزالي بحسم الأمر من جهة سطوة الحاكم وشوكته أو قوته وسلطته يشابهها إسقاط سطوة قدسية النص على الإمامية وما يليها من التوارث أي أخذ الإمامة أباً عن جد وهكذا! وهنا تكمن مشكلتنا حيث زمن العتمة والمصادرة، مع استباحة شاملة للعقل الإنساني، بما يسلبه العمل والتأسيس لحركة موضوعية قويمة تخدم التوافقات الاجتماعية ومستهدفاتها..

وإذا كان ابن رشد قد فصل بين الفلسفة والدين، فإنَّه برؤيته تلك قد فصل بين الدين ونصِّه المقدس [القرآن] من جهة وكلِّ المتكلمين والفقهاء ورؤاهم من جهة أخرى.. وبهذا منع عنها إسقاط القدسية فعرّضها للمناقشة البرهانية بما بيَّن الخطأ من الصواب.. كما إنَّ قراءة صائبة لرؤية ابن رشد هذه، ترشدنا إلى منعه العامة من التدخل في الفلسفة وعلوم البرهان لأنَّ ذاك قد يوهم ويوقع في خطايا الضلال والضياع وفي سفسطة خاسرة وامتناع للجدل العلمي الصحيح..

لذا قال بأنَّ للعامة وسائل عيشهم وفهمهم للحياة مما لا يقع دخولهم فيه في اللبس والتطفل على مواضعات المعرفة المتروكة لأهل الاختصاص من العلماء والفلاسفة.. وهو هنا يقطع الطريق على  خلط الحابل بالنابل أو العالِم بالجاهل وتضييع موضوعية العمل العلمي وحدوده ومنطقه ليؤسِّس لحرية جدل بأسس قويمة يستتبعه الناس عملا بنتائجه في الاختيار لا الجبر والفرض والقهر..

وقد أكَّد ابن رشد على أهمية عقل العامة وقدرته الكبيرة على اتخاذ القرار بين خصمين وحسَمَ التنازع بقوله: فإذا “تنازع اثنان على قول ما، فقال أحدهما هو موزون وقال الآخر ليس بموزون، لم يرجع الحكم فيه إلا إلى الفطرة السليمة التي تدرك الموزون من غير الموزون”.. ولكنَّ الحذر من توريط العامة في شؤون الاختصاص مطلوب وهو لا يتعارض مع حقوقهم التصويتية التي استشهدنا لها للتو. إنّما التحذير يقع من احتمال أنْ يقتحموا مجالات فيكون الخلط والتشويش حدّ تحول الرأي إلى علامة من الهذيان والكلام الفارغ..

وقد قال ابن رشد في أمر التطفل على العلوم البرهانية: “إنَّ كثيرا من الناس ليس يقدرون أنْ يتجاوزوا بفطرتهم الأقاويل الجدلية إلى الأقاويل البرهانية” وهو يريد بكلامه هذا ما جاء في سياق الهجوم على الأشاعرة وعلى الغزالي الذي يؤكد هجومه عليه بالرأي الذي يرفض الوصول إلى المعرفة بالطرق الصوفية بل لابد من العقل من أجل ذلك…

وفي موضوع حرية العلوم في مناقشة ما تشاء من أجل خير ، يأتي ذلك عنده في إشارة إلى  حرية مناقشة الموضوعات المختلفة؛ قال ابن رشد: بإمكان الفلسفة النظر في أسباب موضوعات الصنائع كلها. وذلك لأسباب أنطولوجية ومنطقية ومنها توظيفه فكرة نظرية الفيض من أعلى إلى أسفل لكي تنهض الفلسفة بتلك القراءة بحرية تقف دونها عوامل المنع والحظر القائمة اليوم بوجه العلوم في مناقشة كثرة من الموضوعات وتأتي عوامل المنع والحظر تلك بسبب إسقاط القدسية عليها…

ونحن في موضع نقلنا كل تلك الأقوال، إنَّما نأخذها في سياق مادتنا هذه، لإدخالها فيما ينبغي أنْ نقول وما نريد اليوم من جدلنا في موضوعات حياتنا الإنسانية راهناً، بخاصة مع تصاعد أصوات الصراع بين التنويريين والظلاميين.. ومع استغلال الطرف الأخير [الظلاميين] لمسائل الحظر والمنع والتكفير لحسم أمر سلطته وسطوته في الجدل الدائر.. مستعيدين بذلك ما جرى من قبل في تاريخنا. فلعلَّ في بعض ما نستعيد تجنيبا لإضاعة وقت آخر، فيما حُسِم منذ زمن بعيد.. وللبشرية حق الإفادة من تراكم المعرفة ومن تجاريب التاريخ وحكمته…

وما نريد اليوم، هو عودة ملموسة في قراءة منجزات الفكر والفلسفة في عصرها الوسيط أو في منجزاتها الإيجابية التي قرأت أحابيل الدفاع عن السلاطين وعن المرجعيات ورؤوس الفقه والعقيدة، عندما كانوا يتدخلون في شؤون العلوم واختصاص الفلسفة بما يجعلهم يجرُّونها نحو مفاصل تتعارض مع صواب الحكمة فيها وصحة الرأي ودقة المشورة وصوابها..

 وهذا يستقيم مع ما نشير إليه مما يجري اليوم من صعود النجم السياسي لبعض المرجعيات وهي تتدخل في شؤون الحياة عامة فتبيح لذاتها القول الفصل في كلِّ شئ بدءا بصناعة فنجان القهوة وطريقة تقديمه في العزاء أو في استقبال ضيف أو آخر وحتى الدخول على العلوم التخصصية وإباحة تصويب رأي أو تخطئته فيها..

وما نريد قوله: إنَّ فلاسفة من تاريخنا الوضّاء قد ردوا بما لا يقبل الشك على مثل هذا الادعاء والتدخل والتطفل ومنعوا على تلك المرجعيات القول في كلِّ أمر وشأن.. وقالوا بخطل الإحالة إلى كثرة الأتباع من العامة للتدليل على صحة دخول مرجعية في أمر تخصصي. فلكلٍّ موقعه وحدود مهماته وطبيعتها وفي ضوء التخصص تنحكم صحة الآراء ويتمّ تبيّن دقة الرؤى…

ولا خوف لامرئ أنْ يجهر برأيه في وجه هذه التداخلات الاتلافية التي ليس لها من موقع سوى الانتماء إلى عصبية سياسية أو مذهبية طائفية بما لا يقبله منطق دين أو عقل أو فلسفة.. وليس لطيب النيات ولا لجمل الحق التي تأتي في سياقات باطل أنْ تبرِّر أفعال كهذه…

أسوق قولي هذا وأنا أشهد تضييعا لجهود الناس من العامة ومن المتخصصين من العلماء.. في سجالات تطفلية سوَّدت حياة المجتمع ووضعته في خانق الجهالة والانغلاق… فصار عالم الرياضيات يدخل على اختصاص عالِم الاجتماع وعالِم السياسة وعالِم النفس وكأنَّ هذه العلوم ومتخصصيها ليست بعلوم ومعارف لها قواعدها وأصولها وضوابطها حتى صار يدخل عليها الجاهل والفقيه والمشرِّع وعالم الفيزياء مستسهلين الأمر فيما خصَّ السياسة والاجتماع والاقتصاد..

وإذا كان من الحري والصائب قبول سماع الرأي العام في أمور بعينها فليس من الطبيعي ولا من الموضوعي أنْ تتحدد قراءات علوم السياسة والاجتماع بآراء الدهماء والغوغاء.. وإلا فنحن ضد الروح العلمي وضد منطق العقل العلمي بالمرة… وليست بعد ذلك الشهادات التي يحملها بعضنا إلا أوراق وظيفية لا علاقة جوهرية بينها وبين العلم وروحه ومنطقه وجوهره في شئ!!

 ومن عجب أنْ نحكم أنفسنا بازدواجية بين القبول بالتعاطي مع القوانين الرياضية التجريدية ـ في الحقيقة لو لم تكن تجريدية لما استطاع مزاج حامليها تقبلها أو الالتزام بها ـ وبين التعاطي بطقوس التخلف ومنطق الجهل ومبادئ التضليل والظلامية… لكنّها سنن حركة التطور الإنساني التي تسجل حركة لولبية في بعض مواضعها تتقدم إلى الأمام وفي مواضع أخرى تتشكل من مخلفات تقاليد بالية تتحكم في عقول بعض الفئات واعتقاداتهم..

متى؟ وكيف؟ ستستقيم عوامل التقدم والتطور ونمحو كل مخلفات الماضي المرضية ؟؟ ذلك محكوم بعوامل كثيرة ومعقدة قد نعالج بعضها في وقت ليس ببعيد ولي ثقة بدخول أهل الذكر والاختصاص في المعالجة أسرع مني وأدق…..

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *