أنقرأ ونغتني ونُغني أم نتسكع في تيهٍ وفراغ فضائه؟

أنقرأ أم نتسكع و نتجول بلا اتجاه وغاية أو نُغني تجوالنا بالقراءة الأعمق والأكثر ثراء واكتمالا؟

هذه مجرد تداعيات ذهنية تمتاح من فضاء التجربتين الذاتية والموذوعية ما يوجه نداءً متجدداً كيما نفعِّل (القراءة) فعلا مهماً رئيساً لأنسنة وجودنا… والمعالجة لا تعدو عن أن تكون سلسلة ومضات لمحاور طالما وجدنا علماء الاجتماع يتناولونها بالتحليل ووسائل التفعيل لكنني هنا أستثير توجهاً أثق بوجوده في جمهور كبير الوجود لكن قد تساعد ومضاتي المقترحة على استذكار وعلى توظيف لتنتشر مجدداً بأصواتكن واصواتكم ونستعيد القراءة بتشجيع واهتمام يرتقي لمكانها ومكانتها .. وشكري وثنائي لكل تفاعل ولكل مشاركة لهذا النداء البهي بكنّ وبكم 

 

 

تساؤلي لا يتهم أحداً بشخصه، ولكنني أتبصر ما إذا كان مازال بيننا من يخصّصُ وقتاً مناسباً وافياً أسبوعياً وربما يومياً، للقراءة في الصحف أو في الكتب؟

بتنا نرى كثيراً ممن يتسكع بلا هدى بين المجموعات والصفحات بمواقع التواصل وهو لا ينهي بضع أسطرٍ هنا حتى ينتقل لغيرها هناك حتى إن كانت مما يهمه فهو مضغوط حدّاً لم يعد يستقر على قرار!

ولكن، بذات الوقت مازال من يتجول اليوم بين جغرافيا الكتابات بتنوعاتها ولكنه لا يملك فكاكاً من ضغط الحياة وتفاصيل اليوم العادي ما لا يسطيع تمعناً وتوسعاً في قراءة دراسات متبحرة متعمقة وكم يناسبه أن يجد ملخصات سريعة لا تغطي إلا عناوين محاور… وربما هذه أيضا ليست قراءة أقول ريما…

حزيناً أراني أنَّ من يقرأ هم (ثلة) من جيلٍ تربى على التأني والصبر والتبحر في جوانب ما تقترحه الدراسات، وهي مجموعة صارت تقل إحصائياً فيما جمهور اليوم (ربما) لا يقرأ (آملا أن أكون مخطئاً بتصوري الأولي هذا) وأن تصح ثقة باتساع جمهور القراءة…

متفائلاً، إذن، وبمقابل هذا، أن نجد الأمور تنقلب ويكون صحيح الإحصاءات إقبالا بهيا على توسيع مساحات وقت القراءة يوميا واسبوعيا وعلى تعزيز خططها وإغناء تنويعاتها وميادينها ومصادرها وعلى اهتمام جدي بالتفاعل وأخذ العبر منها. فالقراءة هي الحلقة الأهم بين منجز الكتابة والدرس والمحيص وبين جسور الحوار تعزز الاتجاه والمنجز وفائدته ثم تؤكد سلامة وجودنا وقوانين حراكه إلى أمام بمنع تسلل منطق الخرافة عندما يجد فراغاً فينساح إليه مزيحاً فرص الوعي وأنواره..

 

من لا يقرأ فكأنه يتسكع أو يتحرك في العدم حيث الاعتباطية في حراكه تكسر إرادته وتحبطه فتضيعه في تيه بلا منتهى ولا يكون سوى المقيد بشرنقته المنغلق على ذاته لا يشكل فعلا بل ردود فعل لكل ما يصطدم به! أفلا تحررنا من ذاك التيه وخوائه وبؤس انكساراته واشكال محق الأنسنة ومعانيها؟؟؟

 

القراءة تعني أنسنة وجودنا، القراءة تعني قوة شخصياتنا، القراءة تعني إرادة العيش متفائلا مستبشراً بغنى منطقي العقلي، القراءة إغناء روحي عقلي ينير فرص متعة سليمة لا انجرافات فيها ولا انحرافات وهي تمتين قدرات التحدي لكل ضغوط الحياة فتمنع مزيد آلام ناجمة عن أوهام تخيل علاقاتي بالآخر، والقراءة استثمار أعيش به حياتي إيجابياً لا سلبيا تسطو عليَّ قيم الفقر فكراً وثراءَهُ..

أفلا راجعنا قليلا وتجاوزنا جزعاً أُشيع بيننا أووه هذه معالجة طويلة! أو، أوووه تلك معالجة ملأى بالمصطلحات! أو هذا كتاب صاحبة كذا وتلك دراسة صاحبها كيت… القراءة فعل يمد جسوره بين الأنا والآخر ويفتح فرص تداول وحوار بينهما فيقلل من جزع الذاتي وضياعه وسط تيه الفراغ الذي يدور فيه كائن يعلب نفسه ويشرنقها ويغلقها بل القراءة تكسر تلك الشرنقة والإغلاق وقيودهما ويحد من سطوة ما يسلطه الموضوعي من ضغوط بخاصة تلك الضغوط السلبية التي تريد استغلال الفراغ فتخترق لتثشبع أطماع آخر ضائع أو آخر عدواني همجي..

فهل أوجدنا (مساحة) وقت من حيواتنا لاستثمار وجودنا إنسانيا؟

هل تحررنا من كون من لايقرأ مجرد كائن يجتر طعامه ويلبي رغبات مادية محسوسة وعواطف سلبية فيرتد منكفئا مكتئبا مهزوماً يبحث عن ميناء سلام ولا يجده في التيه ولن يجده هناك؟

القراءة قوة وجود، والقراءة غنى تجربة وسلامة قرار وهي قطع السبيل على تسلل التبطل والعبثية بل الاعتباطية ووقوف متيني صلب بوجه الانغلاق والضياع وسط تيه وجودنا…

هل نسترد بعض ما تأخرنا عليه بانفتاح على القراءة كي نجد قواسمنا المشتركة مع ذاك الآخر الذي نرسم مواقفنا منه بناء على وهم نصطنعه بخيالاتنا المرضية المسبقة بلا قراءته….!؟

نداء ليس مني بل من دواخل الرائعات والرائعين يقررون بحزم وحسم أن يستعيدن ويستعيدوا فعل القراءة كما ينبغي لها من مساحة فهي وجه رئيس وأساس بنيوي يؤنسن وجودنا….

وثقتي وطيدة بأن إحصاءات القراءة بكل محاورها تتغير وندحر بها ما ملأ (الفراغ) من ظلمة وتخلف ومنطق خرافة فنحن نستحق العيش بشراً نؤسن قيمنا وأفعالنا وخطى حراكنا..

وتحايا لكواكب القراءة وأنجم السير إلى أمام تنويراً باهر الوميض ولامع السطوع..

هذه المرة، أعلن ثقتي وطيدة بمن يقرأ بحق، أعلن ثقتي وطيدة بألا مزيد تسكع بين الصفحات بل تجوال مقصود به (القراءة) فعلاُ منتخباً لغايات السمو الإنساني الأنبل حيث لا مجاملة ولا اصطراعات مسبقة المواقف ولا تشوهات مقاصد.. إنها إرادة الأحبة ينتفضون لأنفسهم تقرر مثلما كانت دوما رائعة الحراك ويصير انتشار سؤال ماذا قرأت مؤخراً لا يحرج صاحبه بل يؤكد أن الفعل قراءة وقصدي هنا لا تمرير الأعين على نصوص مكتوبة بل أيضا تحليلها ومحاورتها ومناقشة ما فيها والإدلاء بمواقفنا فنصير كلنا فعلاً يتداول أوجه المهمة بسلامة ونضج..

ثقتي أنكنّ وانكم اطلعتن واطلعتم على مقاتلين في ميادين الثورة الإنسانية الفسيحة كيف كانوا يحملون الكتاب والجريدة حتى في أعتى الظروف حلكة وشدة..

وأننا معا وسويا ندرك كيف يقرأ الفقير ويسترق اللحظة في أثناء جوعه وبين لحظة وأخرى من استراحاته بين جهود اشتغاله وعمله وفي المخيمات وفي العراء لماذا لأن القراءة تعني أن الاستغلال لم ينتصر في إلغاء إنسانيته…

القراءة تمسك بالتفاؤل وباستعادة الاستقرار وتعزيزه وتكريسه وإبعاد لما خلاف ذلك ونقيضه، فطوبى للقارئات والقراء يتجولون في دنيا هي بحجم كوننا غنى وثراءً..

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *