سبيلياتُ البصرة ميدانٌ لمسرحيةِ الحالة الإنسانية بعمقٍ فلسفيّ

بدعوة من مؤسسة البصري حلَّ المخرج المسرحي رسول الصغير ضيفاً، بمسرحيته “سبيليات إسماعيل”، التي اختار لبطولتها الفنانة الكويتية: شيرين حجي. ولظروف خارجة عن الإرادة تمّ إعداد فلم لعرض سابق للمسرحية وتقديمه بديلا مؤقتا.

لقد وفرت مؤسسة البصري حملة دعائية مناسبة بمؤازرة من الأصدقاء إلى جانب إمكانات الإعلان سواء من فولدرات باللغتين الهولندية والعربية واستعراضا إعلاميا مناسبا وربما كان الظرف الخارج عن الإرادة أعاق جانبا لكنه لم يفت في عضد الاشتغال الموضوعي البناء إصرارا على غيجاد الحلول البديلة.. فتحية لهذي المؤسسة وجميع منتسبيها ومنجزهم وطبعا بهذه المناسبة ننتظر عملا غنائيا أوركستراليا كبيرا يجري التحضير له قريبا

أما مسرحيتنا مونودراما   السبيليات، واحتفالييتها في لاهاي  فنقول عنها:

ولقد ساهم مسرح DE VAILLANT وبلدية دنهاخ \ لاهاي باستضافة العرض… كان الموقف بغاية الحرج والفنانة تعاني ألم عدم التمكن من الحضور؛ فيما حاول الفنان رسول الصغير تقديم فكرة عن اشتغاله بدءا من استقبال بطلة المسرحية [بشخصيتها التي تؤديها] الجمهور وولوج القاعة وإياهم لترتقي المنصة وتبدأ معركتها من أجل ما نذرت نفسها لتحقيقه…

بالأساس المسرحية بإعدادها مقتبسة من عمل روائي للكاتب الراحل إسماعيل فهد إسماعيل وهو يحكي عن (سبيليات) عشقَها وأراد أن يكتب بميدانها مادته الاستثنائية سرداً ينافس بها  سرديات محبوبة أخرى..

حاول الإعداد [وهو لفارعة السقّاف] أن يصنع حبكة مسرحية يبتعد بها عن السردية الأصل، وأن يكون الالتقاط محدداً بالشخصية البطلة منصبَّاً على مسارها. ربما أسمى فريق العمل جهدَه بتوصيف (مونودراما)؛ لكننا نريد قراءتها بتعددية الشخوص الغائبة وجوداً مادياً، الحاضرة فعلاً درامياً وربما وجوداً وإن بصورة غير مباشرة أو بصيغة تفعيل الأشياء ومنحها السمة الإنسانية لفعلها…

ولنبدأ المعالجة بترسُّم الخطى فيما شاهدناه. إذ بديلا عن رؤية المخرج في استقبال جمهوره خارج القاعة، عرض علينا بطلة مسرحيته وهي محاصرة بمجابهة أمامية للكاميرا.. ليكون المشهد الاستهلالي مشحوناً بمثل هذه المحاصرة وطوق الضغط والمجابهة مع عين المتلقي. صحيح أن المشهد يقدم بداية الحكاية [الحبكة] ورأس الشليلة بانتعاش الذاكرة بالحدث الأجمل في حياة الشخصية؛ إلا أنه يلتقط الاحتقان والتفجر ضمنياً وهو ما سيتكشف لاحقا مع تقدمنا في رصد وقائع (الفعل) الدرامي..

نحن إذن أمام أولى خطوات المسرحية متموجة متهادية تتمظهر فرائحية ولكنها تحمل نُذُر أمرٍ آخر!؟

تنطلق تقنيات العمل باشتغالها بدءاً على تلوينات صوتية وإيحاءات بدلالات بعينها، نستنطقها من رعشات الممثلة ونبرات صوتها وتهدجها.. ها هي تقص منطلق الحدث بين العشق الإنساني المقموع وتقاليد تتحكم بالعاشقين؛ فقد فضحتها فرحتها وإجابتها المباشرة بأنها موافقة على طلب يدها للزواج؛ لتستنكر الأم تلك الإجابة وترى فيها جرأة لا يجوز لبنتٍ أن تعبر عن موقفها بتلك الطريقة التي لم يألفها التقليد المجتمعي مع البنات وخفرهنّ وخجلهنّ الواجب الملزم [على وفق قيود تلك التقاليد]: … كان بودّي أنْ أخجل مثل كل البنات وأقول لهــا: اللى تشوفونه أنتِ وأبوى… ولكني لم أستطع.. ودون أن أشعر قلت لها … أنا موافقة..

 وجاء رد الأم منسجما والتقاليد: “صرخت في وجهي… ألا تخجلين يا فتاة.. كيف تجرئين وتتحدثين بهذه الصلافة!؟ متى؟ وأين رأيتيه؟ هل كلمك؟ تكلمي يا بنت!

إنّ الكلمات المحدودة تختزن عوامل قيمية ومنطق صراع بين إرادة تلك البطلة وتعبيرها عن مشاعرها ومواقفها وبين تقاليد حديدية تقمع الخصال الإنسانية، لصالح منظومة قيمية، تقدم نظاماً أبوياً بطرياركياً غارقاً في الماضوية واجترار علاقات تنتمي لمجتمعات قرون خلت وانقرضت.

ما يعنينا هنا، هو ذاك العمق الدرامي، مما ستُطلقه نقطة الاستهلال المسرحي.. وهو ما أدركته الفنانة شيرين حجي، بأدائها؛ إذ لم تترك لظهور الإرادة والتعبير عن الموقف مساحة مترهلة باتساعها بل قدمتها بحدود توقفت عند موضع ردّ الأم مستبقة الردّ، بتعريفنا أنها تدري صلادة الموقف الاجتماعي.. ولكنها هي أيضا تمتلك ما تعلن عنه من صلابة الموقف.

نلج في هذه اللحظة إلى مشهد جديد وميدانه، كي نتابع صراعاً جرى التبشير به بصورة ضمنية.. ومرة أخرى يجري تلمّس حركة الحدث لا من سكونية سردية على لسان الراوية البطلة بل عبر الدفع بشخصيات تطل علينا بلسان البطلة الراوي ولكن بفعل تلك الشخصيات وأدوارها في مسار الحدث الكلي.

تستعيد البطلة حكايتها مع أبي قاسم ردَّاً على احتجاج والدتها: “أنا لم أرك يا أبوقاسم إلا ثلاث مرات… مرة واحدة هي التي  كلمتني بها“. وهي لا تورد الحكاية خبرياً بل تحياها بانفعالاتها وعواطفها لتُخرِج إلينا موقفاً إنسانياً هو المقدمة للآتي من وقائع الحدث، ولهذا فما نُصغي إليه منها، ليست كلماتٍ للحشو بلا معنى، لكنَّها الكلمة\الفعل في منطقة التأسيس للصراع.. تقول: “كانت السماء غائمة … وبدأت حبات المطر تتساقط…. رأيتني في بستان السيد زيد النقيب… هذه هي المرة الوحيدة التي تحدثت معك فيها.. وأنا أحببتك ولا لا، لم أحبّ رجلا غيرك“.

إنها تتذكر كلَّ ما قاله لها أبو قاسم يومها.. إنها تحبه حد العشق وثبات العهد ورسوخ الوعد: “هل تتذكر ماذا قلتَ لي..( تحمل رفات زوجها بيدها و كأنه طفل)؛ عودي إلى البيت بسرعة، أخاف أن يبلل المطر شعرك فتمرضين ..“..

في هذه المنطقة الرومانسية المظهر يتم استثمار الموقف بقلبه رأساً على عقب، حيث تتبدى المؤثرات الصوتية والموسيقا بمشهد يقدم هدير أقدام الجنود وصياحهم؛ فتختبئ بلحظة هروب حمارها أو (قدم خير) كما تناديه.. وهي حتى هذه اللحظة تقدم نموذجاً إنسانياً يتمسك بما يريد ولكنه النموذج الذي تعتريه لحظات الضعف أحياناً مثلما تشمخ عنده لحظات العزة والشموخ في أحيان أخرى… ويوم يسألها الجند كيف وصلت إلى تلك القرية المهجورة التي يريد الجيش استغلالها لأعماله في الصراع مع العدو، يُغمى عليها فيوقظها أحدُهم.. تجيب ببساطة الشخصية الإنسانية: أنها جاءت مع (قدم خير) ويصر الكاتب المعدّ والمخرج على زرع المقالب هنا تخفيفاً لوطأة المواجهة بين مدني \ عسكري..

كيف وصلت إلي هنا..؟ تكلمي” تجيب:”جئت مع قدم خير..

الضابط: من هو قدم خير؟

أم قاسم: حمار يا حضرة الملازم

الضابط : من هو الحمار!؟

أم قاسم : قدم خير يا بني”

وحين تواصل التعبير، تعيد كلام الضابط تقليداً ساخراً: ” لكن يا خالة ممنوع… المنطقة أصبحت منطقة عسكرية (تقلّد الملازم) ممنوع دخول المدنيين

لكنها عندما تتابع استعراض الحكاية أو بالأحرى تفاصيل الحدث؛ هي من يخبر الضابط بقصة تحوّل قريتهم الوادعة إلى منطقة عسكرية يوم جرى إخلاؤها بإكرارههم على تركها قبل سنتين، طبعاً قبل الاضطرار لاستقدام قوات عسكرية غليها دفاعاً عن وجود و\أو صراعاً مع عدو.  مثلما أخبرت أيضاً، عن وفاة زوجها قهراً وحزناً على مفارقة قريتهم حينها..

إننا لا نأخذ الخبر بلسان الضابط الذي يطاردها بسياط أسئلته كيف وصلت؟ وكيف دخلتِ منطقة عسكرية؟ ولكننا نأخذ الخبر ونستقيه منها، كي نتعرف بذلك إلى طابع علاقة العشق بين أبي قاسم زوجها وتلك القرية التي كانت رحم وجودهم وولادتهم وعيشهم..

وهي باشتغالها في إطار وقائع الفعل، تنتقل مباشرة لتتابع مفردات الحدث في التعبير عن عشقها ووفائها لزوجها.. حيث نشهد إصرارها على تلبية وصيته بالعودة بجثته إلى قريته فيتداخل عشق مع آخر، عشق زوجها لقريته أرضه وعشقها له زوجا حبيباً، حتى تكتمل صورة الحالة الإنسانية نموذجاً فذاً… وعباراتها: “تركتنا من دون وداع…”، “لم أجد قماشا أبيض من فستان زفافي كي أكفنك به…”، “لا أخذت عزائي فيك… ولا صارت لي عدّة ولا استطعت حتى أن أبكيك كما يبكي الحبيب على الحبيب.. يا نظر عيني: كنا مشردين نبحث عن أي مكان نبيت فيه…“.

في مشهد العهد وتلبية الوعد بعد أن تعايشت العائلة مع مدينتهم الجديدة، (النجف)؛ لم تقف قدسيتها عارضا بوجه التفكر بعهدها لزوجها وواجبها لتلبيته، وحتى زياراته لها في المنام ومن ثمّ رسائل تلك الأحلام فقد كانت تتبدى في رؤيتها زوجها حزيناً يطالبها بالوفاء، بأن تعيده إلى (السبيليات) توكيداً لما جال ويجول في ذهنها وضميرها وتشكيلا للموقف وتصعيداً لسلوك التحدث والإصرار. يقول لها: “لا تتركيني هنا، تعالي خذيني نرجع إلى  بيتنا… ادفنيني تحت النخلة الحلاوية في حوشنا“.

وتعميقا لرسم الحالة الإنسانية للبطلة ولثيمة بذل الجهود ومجابهة التحديات من أجل الوفاء بالعهد نصلُ مشهداً تستنطق البطلة المجريات:”الأولاد لم يصدقوني.. لم يشعروا بالصخرة التي هنا… (تؤشرعلى صدرها) جاثمة على قلبي ولا بالغصة اللى هنا (تؤشرعلى بعلومها) تخنقني.. لذا أخذت قراري وحدي وبنفسي بأن أعود بك إلى السبيليات“..

أما في مشهد تنفيذ القرار فتصل بعد لأيٍّ إلى حيث دُفِن وسط الطريق؛ فيغلبها النوم تمكينا للتفاصيل الإنسانية ربما التي تعمق الصورة ورساسلتها في ذهن المتلقي، فيما صباحا تظهر عقبةٌ أمامها، بحضور أبنائها يرومون إقناعها بالعودة.. وهنا يتأكد إصرارها حيث اتخذت القرار مستقلة برأيها وموقفها، مع معرفتها بالتعقيدات والمصاعب…

وتردُّ الأبناء لتواصل الإيغال في طريقها إلى حيث الوفاء بالعهد لمعشوقها، زوجها، لقصد أن تواريه التراب حيث أراد وحيث رغب بكل ما يمنحنا ذلك من عمق رمزي إلى حيث المكان الذي قدّسه، لأنه المكان الذي وُلِد فيه ولا يريد أن يموت أو يدفن بغيره وتلكم مجرد إشارة على عمقها ستمنحنا الرمز الذي أشرنا إليه للتو..

ونعود إلى حيث حاضر الحدث وما يتنقل بنا زمكانياً هو بقايا الجثة التي لملمتها ببياض ثوب زفافها وبين أن تتحدث في ظرف زمكاني للماضي وأن تعود إلى حلقات الفعل الحاضر تتنقل بين زوجها، عشْقِها ورمزه الذي تحمله مادياً ببقايا الجثة وروحيا قيمياً هناك في داخلها.. إنها تعترض على موقف الضابط وجنده وتبريرهم بالحرب والمنطقة العسكرية قائلة: “لا.. لا يمه ….. أبو قاسم يريد السبيليات” فيما العسكر يكررون عليها:”ياخاله هذه حرب…  ممنوع… حياتك مسؤوليتنا هل تريدين أن تموتي؟” إنهم يُظهرون أقوى الاعتراضات والمواقف ولكنها تواصل إصرارها متوسلة مرةً وملحةً في أخرى كي تكسب قبول أن تدفن زوجها في حوش بيته.. إنها تتمنى الموت هنا لتُدفن مع زوجها في حوش الدار. وهي ترى ذلك تحصيل حاصل؛ فتطلب أربعين يوماً لقراءة القرآن على روحه.. طبعاً هي تأمل بهذا أن تبقى معه أطول مدة ممكنة ولربما دفنوها معه. إن موقفها الصلد يتيح لها كسب موافقة الضابط بخلاف أوامر قيادته. وحين يمنحها الرخصة المؤقتة يعطيها عشرة أيام حتى ((عيد النوروز)).

وبين عيد النوروز ومرقد السيد رجب الرفاعي وهوية المرأة، من جهة ما تعتنق وتمارس من طقوس، أمورٌ تجسدها تعددية لهجية مرة ورموز في الأزياء أو العبارات وطابع الأداء.. لعلها محاولة تريد التحدث عن الوطني العراقي، بُعْداً يمنح المسرحية هوية مخصوصة تنطلق منها بطلة العمل بنموذجها الإنساني..

في المشهد الثالث هنا، سنلاحظ إدخال الأسطوري في بناء موقف المرأة التي تحمل العهد فعلا وهويةً… وتعزز فلسفة الخطاب وأسطوريته تلك الثيمة التي جسدت الحالة.. نحن نتابع ذلك في أدق التفاصيل الموظفة لاستكمال اللوحة الدرامية، على سبيل المثال هي تجسد بذاك الخطاب، عبر رمز الفأس التي يحملها أبو قاسم ويناولها إياها في أحلامها؛ إشارةً لبدء العمل والانتصار لموقفها لا بدفنه حسب بل ومتابعة عيشها هنا حيث أراد العهد الذي قطعته على نفسها أن تكون فيه، طبعاً إذا ما تذكرنا أن الفأس رفيقة الفلاح والحطّاب وما تعنيه من مباشرة العمل والعيش.. 

من ذاك الفأس وثيمته على وفق قراءة منطقٍ أسطوري بعينه، سنتجه إلى ميدان الفعل حيث جولة أم قاسم بأرجاء القرية تنظفها وتُعنى بها ولكنها أيضا جولة تستعرض بها حجم الخراب الذي تخلفه الحروب، إنها توظف عملها ليكون رفضاً لذاك المآل الهمجي وآثاره في الزرع والضرع.. وهكذا تنعكس تلك الجولة في شخصية البطلة بل هي تعبر عنها وقيمها في عشقها المكان على الرغم من الخراب… هي لا تشكي ولا تحكي لنا ولكنها تُعلي أصوات تنطلق من مصادر روحية عميقة الغور في ثقافة المكان وأهله: “يا ويلي، يا ويلي؛ لِمَ كل هذا الخراب.. هذه  السدرة أم أشجار البصرة كلها، لها مئات السنين هنا…  هذه مزرعه سيد زيد النقيب؟ هذه أم التفاح؟” إنها تعرف معالم القرية شجرة شجرة حيث وحدة وجودية مقصودة الإظهار بهذه المرحلة من مراحل حلقات الحدث ووقائعه.. وهي تخبرنا بالمجريات في إطار موقف واضح معلن:  … كلها محروقة.. لماذا؟ حرام والله حرام؛  نهر السيد رجب صار خندقاً للحرب! تريدون أن تتقاتلوا..؟  تقاتلوا… لكن ما ذنب الأرض؟ ما  ذنب الشجر؟ ما ذنب الماء؟

وحلقة الحدث الجديدة تترافق بموسيقا، كما عهدنا توظيفها بنائياً درامياً، أما لماذا تظهر الموسيقا بهذا الوضوح هنا، فلأن حلقة الحدث هنا، تشير بل تريد تطبيع الوضع، وهكذا سنرصد تفاصيل من قبيل: راديو وترتيب مكاني وتغيير ملابس وموعد تناول كسرة الخبز أو الكفاف.. ولكنها أي البطلة، جد طبيعية في مثل هذا الوضع.

هنا تبدأ جلسة حوار مع أبي قاسم. إنه حي معها لا تريد أن تتحدث عن رحيله. ووفاء الضمير الإنساني بعهد يسمو بالكلية والشمول وبفتح الجسور بين عالمي الحياة والموت، يمثل، ولو بخطاب أسطوري رمزي، يمثل دحرا لمنطق الموت ومن يقف خلفه من متسببي الحروب..

وكما رأينا البطلة وحالتها النموذج الإنساني لا تشكو أمرا لها يخصها مباشرة، سنجدها تشكو في  هذا المشهد إنما كما أوردنا للتو ليس لها بالخصوص ولكن، الشكوى لحال السبيليات.. شاهدوا ذلك حيث تؤكد حقيقة أن الإخلاء  تمّ قسرياً ورحيل إسماعيل جاء كرها وبالإجبار.. ولكنها بموقفها وبرفضها الخضوع لذاك الإخلاء وما نجم عنه وبتحديها كل العقبات في قرارها، ترى أن كل شيء عائد ما يجعلها أكثر شجاعة وجرأة على تجسيد النموذج الإنساني الذي نتحدث عنه في تلقينا معطيات العمل الدرامي، السبيليات…

وبموضع جديد من مسار الحدث سنجد أنها إذ ينكسر خاطرها على الجند وما يأكلون وأنها ستطبخ وتعد طعاما لهم في الغد فإنها تدعم حماة القرية الوطن وترفض العدوان وتجد معنى واضحا في وحدة أبناء الوطن دفاعا عن وجودهم وهويتهم وحقوقهم وحرياتهم.. لهذا السبب نعاود تلمس ثيمة (الوطني) مثلما نواصل بثبات التقدم مع ثيمة (الإنساني) مجسدا بتلك الحالة المرأة.. ألا يلاحظ المشاهد الكريم أن الانتصار للإنساني يتاتى من تلك الومضات \ اللمسات الممتلئة مسرة ورغبة في التعبير عن نشوة انتصار آتٍ وسط أكوام الخراب!؟

تقول بنشوة ما تنوي فعله وروعته بعيداً عن السوداوية والألم، حيث توظيف التفصيل في سياق بناء الحدث الدرامي: “أمرُّ على بيت عبود الأطرش آخذ طرشي أخته حميدة، طرشيها لا يوجد مثله  أبدا“. وبعد فترة من مباشرتها العمل تستعيد في الذاكرة مشهد سرير العرس بعد سنوات فتقول: “عبود هو اللي صنع لنا سرير العرس.. هل تذكر.. عندما  انكسر السرير ههههههه. والله فشلتنه تلك الليلة يبو قاسم الله يغربل بليسك يا اسماعيل… عبود صمم أن يصلحه من دون أن ياخذ فلوس.. والله لو اخذ الفلوس افضل بكثير مما فعله. فضحنا في  السبيليات كل الناس عرفت ان سريرنا انكسر.. صرت لا أستطيع الذهاب الى  السوق بعد هذه القصة يبه عبود السرير عمره عشرين سنة؟

عبود: قسما بالله  انا سويته وانا اصلحه لو بعد 50 سنه…… طاح حظه فشلنه

ساطل على بيوت الجيران وارجع لك…

ثم يُختتم المشهد هنا؛ بإخبارنا بأن جاسم الجندي ساعدها بتأهيل أحد البيوت وتنظيف شارع…

في المشهد التالي، هناك استعداد متضمن في الحوار لما سيكون من قرارات وربما لحسم ما انتهت منه نقطة التحول بضربة تكون هي الذروة وهي مدخانا باتجاه الخاتمة. لكننا لا ننسى ونحن نترسم مفردات منحنى التوتر الدرامي، أن العمل هو بنيوياً، يظل مونودراما تكويناً فنياً؛ وهو مما يمر بتسلسل حلقات حدث ربما أو في أغلب الأحيان من دون ((منحنى التوتر)) كما تقدمه الدراسات النظرية المتخصصة.. فتمضي المونودرامات عادة متهادية، تعرض الحالة الإنسانية في انفعالاتها وغليانها، من دون تحولات تعاقبية، تتصاعد [بحدة وتوتر شديدين] إنما تبحث عن مستقر ما بعد نقطة التحول بتهادٍ نكرر الإشارة إليه.

غير أننا في هذه المسرحية، نلحظ تشريحاً درامياً استطاع أن يعيد اشتغال السردي درامياً وإن بحذر أو بمعالم بحاجة للكشف والتبصر بتأنٍ، إلا أن هذا كان أوضح واسهل مع اختيار تلك الموسيقا التي ساعدت على منح كل حلقة هويتها وطابع اشتغالها بإطار تسلسل حلقات الحدث (درامياً)..

مازالت علاقة المدني العسكري ليست كاملة تامة ومازال الحذر قائماً كما أن العسكري يبقى على ماهو عليه من شدة حيث عركته التداريب والتجاريب.. إنه يرفض قبول بعض الأكلات والطبخات خشية الاعتياد عليها واستعدادا لظروف قاسية وما يُفرض من أوامر.. بخلاف ذلك أم قاسم المدنية وما تدير من مهام تطبيعٍ وتنظيمٍ للحياة في القرية؛ لكنها ليست خالية الوفاض من حال التعرف إلى الأسلحة والتعامل معها وكشف المخاطر منها.. إنما تعرض هذه المعلومات بطريقة السخرية من الحرب وأوزارها بعين خطاب مدني النهج.. ها هي تحكي كيف تعلمت الانبطاح السريع تجنبا للقصف وما ينجم عنه… إنها تتحدث بشجاعة إلى أبي قاسم: “لا تخف لا احد يموت قبل يومه“. غير أن شجاعتها تخفت بموضع تتذكر أن مهلة العسكر لها ستنتهي وسيجري ترحيلها!؟ تقول:”وكل يوم يمر قلبى ينقبض… لا  أريد ان أترك بيتى، لا أريد أترك السبيليات”،”آنا لن  أترك إسماعيل و حده هنا .. لقد وعدته“.

وهذا ما يجعلها تتابع أعمالها في القرية: “ذاك الجندي، كل يوم ياتي معي ننّظف البيوت من الدانات…  و نصلح حنفيات الماء و نزرع الشتلات في البيوت … يقول لي: أمي  لمن  تزرعين و البيوت مهجورة لا يسكنها أحد…  أقول له: يا بني، الله يريدنا أن نزرع  الأرض، لا أن نحرقها… الأخضر يجلب الهواء النقي الطّيب  و يجلب الطير…  يجلب البركة للمكان..“.

 الحلم والفأس والماء والحياة في القرية تلك علامات الربط بين إسماعيل وسبيلياته وأم قاسم وسبيلياتها الجديدة العطشى! عندما تصحو من الحلم نسمع وإياها صوت رعد، لذا صحوها أو استيقاظها يكون بأن تقفز أو تثب وثباً من نومها…

تردد: “حبيبى منذ أربعة أيام و أنت تحمل  فأس عبود الأطرش …  و تصرخ بي الماء الماء“. أما هي التي انساقت بفطرتها وموقفها إلى فعل بعينه من أفعال التحدي فتقع بفخ ما فعلت يوم اشتغلت على سدود الماء وقد استدعاها الضابط ليحاسبها على ما (ارتكبت) ولكنها تدير الحوار بطريقتها المعهودة التي تقدم بها مصالح السبيليات وحاجتها للماء كي تبقى نباتاتها حية وكيما تستقي منها هي..

دراميا هذا موضع تهديد لها.. وهذه المرة التهديد أكثر بروزاً، من خشية الضابط وجنوده من احتمال تسللٍ معادٍ.. ومن أن يكون عمله (أم قاسم) متسترا على شخوص من الأعداء!

والتوتر والتقابل يتصاعد قطعا بتحولات تكسر التهادي الرومانسي الظاهر وتمنح الجوهر اتجاهه الدرامي المنشود إعداداً وإخراجاً…

وبتبادل مواقع الهجوم والهجوم المضاد أو مواضع انطلاق المؤثِّر الأقوى في سياق الفعل الدرامي، تتنامى أسباب القلق عند أم قاسم وخشيتها من ألا يسمحوا لها بالبقاء بعد انتهاء مهلة دفن الجثة التي لم تفعلها بعد كي تناور للبقاء مع جثة أبي قاسم.. يقول لها الجندي الذي يساعدها يومياً: “أعلم انك لن  تدفني أبا قاسم إلا إذا سمح لك الملازم عبد الكريم أن تبقي هنا في السبيليات“.

وفي نقطة الذروة المسرحية نلتقي موقفاً يؤكد أنهم سيرسلونها في الغد هي وحمارها إلى خارج السبيليات أو ما يعدونه منطقة عسكرية اليوم. فتتساءل: “كيف لي أن أفارقك وأنت روحي؟ كيف أتركك لوحدك هنا؟ كلمني!   ليش ساكت؟؟؟  أعلم أنك لا تريد أن تترك السبيليات. ولا أنا أريد ان أرجع. لكن، كما يقولون هذه هي الأوامر. أين أذهب؟؟؟ من لي سواك؟ كيف لي أن أعيش؟  أنا روحي مربوطة بك.. وأنت روحك مربوطة في السبيليات… اشلون؟ ما الحل؟….. 

لن أتركك مهما حصل لن أتخلى عنك أبدا يا حبيب“.

وبعبور لحظة ذروة أولى يبدأ دعاء أم قاسم أما أن تموت أو يقتنع الجند ببقائها.. فتباغتنا أصوات انفجار  لتختبئ أم قاسم تحت السرير ويبدأ دعاؤها: “اللهم إني أستعيذ بك من شر حروبهم…. اللهم نجّنا من قصفهم ومن شرّهم واحمنا من دانات مدافعهم.. اللهم أبعد قذائفهم عنّا … يا رب يا كريم.

لا تخف لا تخف بعد قليل سيبزغ ضوء الفجر ويتوقف القصف.”..

هذا المشهد بهذه المرحلة وضمن تسلسل حلقات الحدث قد لا يتلاءم ومحاولتنا البحث عن حلقات سببية وعن ظاهرة تنامي الصراع ورسم منحنى التوتر حتى وإن كان بصيغة نسبية لأن هذا المشهد جاء تفريغاً للتوتر بدل أن يكون دعماً له. وربما في معالجة على الركح ستمنحنا فرصة انتباه لأداء مختلف عما يتبدى فيه المشهد الذي رايناه بالتصوير الفلمي غير المكتمل…

غير أننا لا نتوقف عند هذا الموقف السالب للأداء الدرامي بل نجابه تفريغا لاحقا بمشهد تتحدث فيه عن موقف الملازم عبدالكريم إذ يقول على لسانها: “هذا تهويش ليست حرب.. الحرب الحقيقية لم تبدا بعد…  كل ها القصف تهويش  الله لا يوفقكم  كيف هي اذن الحرب ؟“.

هناك تطمين للبطلة من احتمال عدم الترحيل، والتطمين لا يرد كما يتطلب تسلسل الحدث من جهة التوتر ومنحناه، إذ أنَّ القصف أصاب جسور الدعم اللوجستي ما سيمنع وصول (اللوريات) الأمر الذي يعني بقاءها وربما يبرر هذا المرجعية السردية للعمل من جهة وتركيز العمل ببنيته المونودرامية المتهادية على أولوية الحالة الإنسانية من أجل تلبية العهد مع أبي قاسم أكثر منه حبث السبيليات الوطن…

إنما معاودة التفريغ للتوتر يقع بالحدث مجدداً ويتشتت الحراك باتجاه النهاية الحسم في مشهد عن الأكل المكبوس ودقوس الصبار وتقطيع البامية! إلى الألفة بينها وبين الجنود الذين باتوا ينادونها الوالدة أو أم السبيليات..

ولا شيء يبقى للحظة التي باتت هي النهاية سوى حيرة وضغط نفسي يدفع أم قاسم لحركةٍ وعبارات غير متسقة وخوف حد الرعب من لحظة فراق إجبارية، لكنها حين تستعد لمواجهة أخيرة، تفتح الباب لتعود إلى بروسينيوم الركح بحالة من الانتشاء والانتصار.. فلقد منحوها حق البقاء على مسؤوليتها وهي طبعا بنفسها من اختارت ذلك..

وقد أحسن الإخراج فعلا بجمع الموسيقا مع الحركة بين التوهان والحيرة والسباحة في عالم تعصف به الكربات حتى تنقلب الوضعية بقرار البقاء لا الرحيل..

أظن أن اشتغال المخرج سنتعرف إليه أكثر يوم نشاهد المسرحية على الركح لا تسجيلا بالفيديو ويوم تجري مراجعة تشريحية تتناسب ومنطق الدراما تفعيلا أكثر لمعطى تقديم مسرحية (الحالة الإنسانية) تلك التي تتجسد في سيدة عراقية بسيطة لكنها تغتني بالتجربة وبالتحدي من أجل الثيمة التي آمنت بها لتبقى حرةً، ابنة وجودها وبيئتها…

ما ينبغي مجدداً هو إشادة واجبة بمؤسسة البصري ورئيسها الموسيقار الدكتور حميد البصري ورفيقته بقيادة المؤسسة فنانة الشعب السيدة شوقية العطار لهذا الجهد الإنتاجي الذي نادرا ما نلتقي محاولات مؤسساتنا الثقافية الفنية على ركوب صعابه.. لعل باقات الورد التي قدِّمت تكريما قليلة بحق تلك المحاولة على أن تليها جهود بهية مخصوصة فيما نتطلع إلى أن تحط الطائرة برحلات العمل الدرامي في أرضه في البصرة وفي السبيليات ورسول الصغير ليس مجتهداً لأول وهلة بل صاحب باع وخبرة يكتنز بتجاريب صارت تليق برائع إبداعاته وتحايا لجميع أعضاء ذاك الفريق الذي تمنينا لقاءه عسى أن ستجدد اللقاء على الركح قريباً لا بعيداً ولنا لقاء يتلمس الخطى مع العمل في جوانب تتعلق بالأداء اللغوي وتدقيقه وبالإلقاء والدرس الصوتي مما يشاد للفنانة شيرين به بانتظار قراءة لسينوغرافيا أيضا تحمل مفرداتها مع تلوينات الأزياء ومعانيها بطريقة تكاملية تصل في العرض أكثر من الفيديو…

على هامش هذي القراءة الأولية، أؤكد أن تلك الاحتفالية الأمسية قدمت في نهاية العرض مؤسسة البصري هديتها للمخرج الفنان رسول الصغير وهدايا منها أيضا لفريق العمل الذي تعثر حضور بعض الأعضاء فيه.. فيما قدم الدكتور تيسير الآلوسي باقات ورد لمؤسسة البصري لرعايتها الأنشطة الإبداعية من خارج المؤسسة وقد تسلم باقات الزهور التكريمية الرمزية الموسيقار الدكتور حميد البصري وفنانة الشعب السيدة شوقية العطار وكانت باقة الورد التي تسلمها الفنان المبدع المتألق رسول الصغير قد رافقتها كلمة قصيرة بحق العمل الإبداعي الذي تمّ عرضه ومسيرة الفنان الإخراجية والتجسيدية ممثلا بارعا أنجز حقلا من الأعمال الزاهية المميزة وبيادر حب مسرحية منذ عقود…

واحتفى عدد من الحضور بالمخرج وممثلي المؤسسة الراعية للعرض بالكلمات والتقاط الصور التذكارية، متشوقين للعرض مجددا ولعروض مميزة بمواسم جديدة أخرى..  

 

 المسرح  عين المدنية  على   وجودها الإنساني

 

 

 

الدكتور حميد البصري يقدم هدايا مؤسسة البصري للفنان رسول الصغير

مخرج المسرحية الفنان رسول الصغير يتلقى باقة ورود باسم منظمات الثقافة

الموسيقار الدكتور حميد البصري يتلقى باقة ورود باسم منظمات الثقافة

فنانة الشعب السيدة شوقية العطار تتلقى باقة ورود باسم منظمات الثقافة

د. الآلوسي يمثل جامعة ابن رشد ومؤسسة سومر للعلوم والآداب والفنون

 

هذا الجمع من المبدعين كان من بين الحضور والمحتفين بالمخرج المتألق رسول الصغير

بانتظار صور إرشيفية من المؤسسة

 

ملاحظة جد مهمة

 سبيلياتُ البصرة مسرحيةِ الحالة الإنسانية بعمقٍ فلسفيّ تستحق قراءات نقدية أوسع سواء ما يشمل (الإخراج) واشتغال الرائع رسول الصغير لوجود لمسات مميزة فيه أم ما يتعلق بالتمثيل والفنانة الكويتية المتألقة شيرين حجي وجماليات الأداء الباهر مع تلك الملاحظات الضرورية في شأن اللغة والإلقاء ببعض المواضع لكن طبعا مع رائع الاشتغال هنا وتميّزه وتفاصيل بشؤون العرض واستكمالاته الموسيقية والتشكيلية لكن كل ذلك سيكون أكثر دقة وموضوعية وسلامة مع لقاء العرض المسرحي بظروف أخرى غير تلك التي صادفها في لاهاي.. فتحية إلى فريق العمل تبقى متجددة حتى لقاء غير بعيد

 

مشاهد مصنوعة جماليا برائع التمسك بالتفاصيل

 عندما تتجه إلى مؤثرات صوتية وصوت الغناء ومن ينهض بالمهمة تعجب مما ذهب إليه المخرج في أدواته واشتغاله فلقد وظّف صوتاً ربما ليس له احتراف في الغناسيقا لكنه جاء توليفة دقيقة الاختيار لتطبيع المشهد ووضعه بتوليفة مقصودة الاختيار وصوت أبناء (الجنوب) والسبيليات وكان الصوت لوالدة المخرج بما لها من انتماء وهوية وبما للمخرج عليها من قدرة إقناع لأخذ ذاك التسجيل ووضعه بمخابر الاشتغال المحترف لإلحاقه بالمسرحية.. وطثير مما يتعلق بموضوعة الأزياء والتلوينات اللهجية وموسيقا العمل يمكن الوقوف عنده لكننا نبقى بحاجة للقاء مسرحي مختلف كيما يمكن تشغيل الأدوات النقدية فإلى لقاء

 

بعض مواد ذات صلة؛ فرقة البصري ومنجزها

 

الموسيقار الدكتور حميد البصري استذكار الجواهري … تباهٍ بالوطن والابداع والتنوير

أمسية استماع وجلسة نقدية وحوار احتفاءً بألبوم ترحال للموسيقار الدكتور حميد البصري

الموسيقار الدكتور حميد البصري يقدم ألواناً من منجزه الغناسيقي في سي دي يمثل هديته للعام2017

أغنية بلون (يا مال) بلحن وصوت الفنان الدكتور حميد البصري

فرقة البصري بجولة جديدة لهوية جماليات الإبداع العراقي الأصيل

منجز غناسيقي استثنائي بنكهة عراقية لعائلة البصري يتألق في سماء أمستردام

ًفرقةُ البصري تقدمُ عملاً فنياً مميزاً ستخلدُهُ الذاكرةُ الموسيقيةُ طويلا

قامات فنية من فناني الشعب بين من يحاول طمس منجزاتهم ومن يوصلها إلى جمهورها! فنانة الشعب شوقية العطار إنموذجاً

 

*******************************************

اضغط على الصورة للانتقال إلى الموقع ومعالجاته

********************يمكنكم التسجيل للحصول على ما يُنشر أولا بأول***********************

تيسير عبدالجبار الآلوسي
https://www.facebook.com/alalousiarchive/

للوصول إلى كتابات تيسير الآلوسي في مواقع التواصل الاجتماعي
http://www.somerian-slates.com/2016/10/19/3752/

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *