الدكتور كاظم حبيب: التمادي في نهب موارد الدولة من سلطات الدولة ذاتها

ينشر موقع إلواح سومرية معاصرة مقالا مهما للدكتور كاظم حبيب بشان بوابات نهب وإفساد يستغلها النظام هي منافذ الكوة المهولة للنهب والسرقة وارتكاب جرائم اللصوصية في النظام الحاكم بالعراق منذ 2003.. وهنا تسليط اضواء مهمة على تلك المنافذ اللصوصية، فلنقرأ ونتفكر ونتدبر ونتحرك في الميادين التغيير على وفق تلك الحقيقة وغلا فإننا لن نخرج من ذاك الفلك الذي حوَّلنا غلى غنيمة يتناهبها المفسدون المافيويون..

كاظم حبيب

التمادي في نهب موارد الدولة من سلطات الدولة ذاتها

والشعب يتضَّور جوعاً!

“كثرة في الإنتاج وسوء في التوزيع”

جورج برناردشو (1856-1950م)

حين سؤل الكاتب الساخر الإنجليزي الكبير برناردشو: لماذا لك لحية كثة ورأس بلا شعر؟ أجاب بطريقته الساخرة “شعر رأسي ولحيتي هما كالعالم الرأسمالي “كثرة في الإنتاج وسوء في التوزيع”. وإذا كان هذا القول النابت ينطبق على عملية الاستغلال البشعة التي تتعرض لها النسبة العظمى من الشعوب في النظام الرأسمالي العالمي في مقابل قلة من الرأسماليين الذين يسيطرون على الكمية الأكبر من الإنتاج العالمي. فهذا القول ينطبق على كل بلد من البلدان التي تسود فيها العلاقات الإنتاجية الرأسمالية، لاسيما في ظل سياسات النيولبرالية. وقول برناردشو ينطبق تماماً مع واقع ما يجري العراق، رغم إن العلاقات الإنتاجية الرأسمالية لم تنمو وتتطور فيه، بل ما تزال تعشش في اقتصاده العلاقات ما قبل الرأسمالية ورأسمالية طفيلية في مجالات العقار والتجارة الكومبرادورية والمقاولات بشكل خاص من جهة، وسياسات الفئات الرثة والطفيلية التي تحكم العراق والتي تنهب علناً وبلا أدنى حياء ثروة العراق المالية والنفطية من جهة ثانية. فشعب العراق يتعرض منذ سنوات كثيرة لا إلى سوء في توزيع الدخل القومي وإعادة توزيعه الأسوأ في مجال الاستهلاك الاجتماعي، ومنها الخدمات العامة كالطاقة الكهربائية والماء والتعليم والصحة النقل والمواصلات والاتصالات …الخ، فحسب، بل ويتعرض إلى سوء في استخدام الدخل القومي أيضاً من جانب الدولة بسلطاتها الثلاث وهيئاتها ومؤسساتها المستقلة والعامة، ومن جانب الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. فالعدالة الاجتماعية غائبة بالكامل عن سواد العراق!  

ويهمنا في هذه المقالة أن نعاين الفترة التي بدأت في أعقاب إسقاط الدكتاتورية البعثية-الصدامية الغاشمة في نيسان/أبريل 2003 حتى الوقت الحاضر، وإمكانية استمرار هذا الوضع على حاله ما لم يجر تغيير جذري فعلي في أوضاع العراق السياسية أولاً، وما يرتبط بها من شؤون اقتصادية واجتماعية وعسكرية وبيئية، وعلاقات إقليمية ودولية ثانياً. علماً بأن المسألتين متلازمتان.

كلنا يعرف بأن نية الولايات المتحدة الأمريكية حين أعلنت حرب الخليج الأخيرة عام 2003 لم تكن لتحرير العراق من فاشية نظام البعث الصدامي، ولا لإقامة حكم ديمقراطي دستوري فيه، بل كانت الإدارة الأمريكية تسعى لتأسيس دولة ريعية ضعيفة وتابعة تهيمن على مقدراتها وسياساتها واتجاه تطورها، لاسيما السيطرة التامة على سياسات العراق النفطية الخارجية وإقامة نظام سياسي طائفي وفاسد يمزق الوحدة الوطنية ويعجز المجتمع عن الخلاص منه، كما يعجز عن بناء اقتصاد وطني مزدهر ومستقل وسيادة وطنية. وكان لا بد من وضع القواعد المناسبة لما يسعى إليه البيت الأبيض. فكان الإجراء الأول المناسب والأكثر خطورة على المجتمع يتجلى في إقامة نظام محاصصي طائفي أثني في آن، يقود إلى صراع بين الأديان والطوائف وإلى صراع بين القوميات ثانياً، ويبقى العراق غير مستقر ومستهدف باسمرار. فتم لهم ذلك والذي كان قد بدأ التخطيط له أثناء وجود القوى الحاكمة الحالية في المعارضة وفي مؤتمرات بيروت وواشنطن وفيينا ولندن وصلاح الدين، والتي تبلورت في توزيع المقاعد في التحالف السياسي الذي نشأ حينذاك وعلى ما هو عليه الآن بين العرب، شيعة وسنة، والكرد. وبعد أن أدرك البيت الأبيض بأنه غير قادر لوحده على تحقيق ذلك، ساوم إيران، لإرساء ما يسعيان إليه معاً، كل من زاوية أهدافه الخاصة، فكانت الحصيلة إقامة “عراق ضعيف تابع وفاسد ومشوه، تسود فيه الصراعات الأثنية والدينية والطائفية ويعمّه الفساد ويأتيان معاً على ثروته النفطية.

أما الإجراء الثاني فقد بدأ بالإفساد الأمريكي الفعلي للنخب الحاكمة التي قادها البيت الأبيض قبل إسقاط الدكتاتورية حين منح قوى المعارضة المتحالفة معه، من خلال د. أحمد الجلبي، رئيس المؤتمر الوطني الذي كان قد تأسس لتوه بعد مؤتمر بيروت عام 1991، (98) مليون دولار أمريكي، لم يسأل المانح الأمريكي أين ذهبت هذه الأموال ولا كيف استخدمت؟ ولكن الكل يعرف كيف وزع هذا المبلغ على المشاركين في لقاءات واشنطن ولندن وصلاح الدين، أعضاء التحالف المؤيد للحرب ضد العراق حينذاك. ثم بدأ حاكم العراق پول بريمر لينجز عملية الإفساد رسمياً أثناء تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وتحديد رواتب الأعضاء والعاملين معه، ومن ثم إقرار رواتب ومخصصات وحمايات وإيجارات سكن للرئاسات الثلاث ورئاسة الإقليم والوزراء والنواب والقضاة ووكلاء الوزارات والمدراء العامون ورؤساء الهيئات المستقلة.. الخ، وبتعبير أدق جميع الموظفين من ذوي الدرجات الخاصة ابتداء من مدير عام فما فوق، بما لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع واقع العراق الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الخرب، والمهمات الكبيرة التي يفترض النهوض بها وتتحملها خزينة الدولة لتغيير الواقع القائم بعد حروب طاحنة شملت العراق كله. وبهذا الصدد نُسب إلى وزير المالية العراقي د. فؤاد حسين قوله إن “مجموع رواتب أصحاب الدرجات الخاصة (40) تريليون دينار عراقي، ورواتب 5 ملايين موظف (20) تريليون دينار عراقي! وجاء في مقال للسيد حسين الأسدي بعنوان “البطالة المقنّعة تستنزف الاقتصاد العراقي” قوله: “.. فالعراق خصص لرواتب الموظفين (43.4) ترليون دينار عراقي في موازنته العامة لعام 2019.”،(مجلة المنتدى العراق لحقوق الإنسان، العدد 89، أيار 2020). والمعلومات التي لديّ تشير إلى ارتفاع هذا المبلغ إلى 52 تريليون دينار عراقي في عام 2020. كما “كشف الخبير القانوني، جمال الاسدي، عن أعداد موظفي الرئاسات الثلاث ورواتبهم، لافتا إلى أن لدى البرلمان 1955 موظفا ورئاسة الجمهورية 1068 موظفا. فيما أشار إلى أن رئاسة مجلس الوزراء يبلغ عدد موظفيها 3587 شخصا. وقال الأسدي، عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك”، إن “عدد موظفي مجلس النواب يبلغ 1955 موظفا”، لافتا إلى أن “ميزانية المجلس (235) مليار دينار عراقي في السنة الواحدة، مما يعادل (196) مليون دولار امريكي في السنة تقريباً“. وأضاف، “أما موظفي رئاسة الجمهورية يبلغ عددهم 1068 موظفا، وميزانيتها 51 مليار دينار عراقي في السنة، اي ما يعادل (46) مليون دولار امريكي في السنة تقريباً“.. وبالنسبة لرئاسة الوزراء، قال الاسدي إن “عدد موظفيها يبلغ موظفيها 3587، وموازنتها 615 مليار دينار عراقي، وبما يعادل (513) مليون دولار تقريباً في السنة، يعني اكثر من نصف مليار دولار”، مبينا أن “ذلك يشمل الامانة العامة لمجلس الوزراء والدوائر الساندة لها ومكتب رئيس الوزراء والجهات المرتبطة به“. وأشار إلى، أن “الموازنة الكلية لمجلس الوزراء ومؤسساته بما فيها مؤسسة الحشد وجهاز المخابرات والامن الوطني وجهات اخرى 2.5 ترليون دينار عراقي في السنة، اي ما يعادل أكثر من (2) مليار دولار سنويا تقريباً منها 11 مليار دينار عراقي استثمارية“. (رواتب الرئاسات الثلاث.. اكثر من 6610 موظف يكلفون الخزينة 3 مليار دولار، موقع موازين نيوز، سياسية،  5/07/2018).

وثالثة الأثافي تتجلى في تعليم الحاكم المستبد بأمره پول بريمر، من هم كانوا بالأساس على استعداد نفسي وأخلاقي، على ممارسة الفساد الوظيفي والمالي على نطاق واسع، لا بسرقة المال العام من خزينة الدولة وبمختلف السبل، بل وبسرقة النفط الخام عبر الشاحنات وعبر الأنابيب غير المراقبة وسرقة الخزينة والبطاقة التموينية عبر تسجيل الآلاف من “الفضائيين!”. ثم زاد عليها نهابة حكام العراق بما أطلق عليه بتعيين الفضائيين بأعداد غفيرة، إضافة إلى حصول أعداد كبيرة من الموظفين ومن الحشديين على أكثر من راتب ومخصصات وجماعة رفح، ثم منح الوزراء امتيازات إضافية، كما أعلن عنها عادل عبد المهدي حين قال بأنه ووزراء غيره يتسلمون شهرياً مليون دولار يوزعونها على حسب رأيهم والولاءات حولهم كما يشاؤون ولا شك في أن كثيراً منها يدخل في حساباتهم المصرفية. وجدير بالإشارة إن وزارة المالية تقتطع من رواتب الموظفين نسبة قدرها 3.5% لصالح “الحشد الشعبي!”، كما ورد في ميزانية عام 2018، إضافة إلى ما تمنحه الدولة لهم من رواتب ومخصصات.

والإجراء الرابع في أسلوب الإفساد ونشر الفساد في الدولة ما حصل مع القوات المسلحة العراقية عموماً وتلك التي كانت معسكرة ومسؤولة عن محافظة نينوى والميليشيات الطائفية المسلحة التي عاثت في محافظة نينوى كلها فساداً وتخريباً وإساءَة للمجتمع في نينوى، مما أدى إلى جزع المجتمع الموصلي منهم، فلم يدافعوا عن محافظتهم أمام غزو واجتياح عصابات داعش المجرمة للموصل وبقية مدن وقرى وأرياف محافظة نينوى، دون أن يقوم الضباط الفاسدون، وبقرار من رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي، بالانسحاب من محافظة نينوى، حيث تسلمت تلك العصابات بارتياح كبير، كميات هائلة من أحدث الأسلحة الأمريكية والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات الأمريكية، وكذلك ما وجد في خزينة المحافظة من مئات الملايين من الدولارات الدنانير العراقية، إضافة إلى نهب النفط وتدمير التراث الحضاري العراقي ونهب السكان دون استثناء، وممارسة عمليات السبي والاغتصاب والقتل وبيع أخواتنا الإيزيديات بالمزاد العلني في “سوق النخاسة الإسلامي!” والنزوح والتهجير القسري وفرض الإسلام على من تبقى منهم من المسيحيين أو غيرهم من أتباع ديانات أو مذاهب أخرى.

 العالم يعرف بأن العراق يمتلك ثروة نفطية هائلة تدر عليه سنوياً وفي الحالات الاعتيادية مبالغ طائلة تكفي لتحويل العراق خلال سنوات إلى جنة مزدهرة على الأرض وشعب سعيد ومرفه وليس في “السماء!) وفي (الآخرة!)، كما يروج لها المخرفون بين فقراء الناس والبسطاء منهم لتخديرهم. وقد بلغ إجمالي إيرادات العراق من صادرات النفط الخام فقط للفترة بين 2003-2019 أكثر من 1011 مليار دولار أمريكي، أي بمعدل سنوي قدره 59،5 مليار أمريكي. (د. عصام الجلبي، ملف ندوة تداعيات هبوط أسعار النفط على البلدان المصدرة، الدوحة في 7 تشرين الثاني /نوفمبر 2015، للفترة بين 2003-2015، أما الباقي فجمعته من مواقع أخرى حول إيرادات العراق النفطية).  ولكن حكام النظام الطائفي الفاسد الحالي “سرطوا”، أي ابتلعوا هذه المبالغ ولم يختنقوا بها، ومنحوا جزءاً مهماً منها لأسيادهم في إيران، وجزءاً أخر لأتباع إيران حكام سوريا وحزب الله بلبنان، بعد أن سرقوا وملأوا جيوبهم وأرقام حساباتهم، ويسألهم الشعب هل امتلأت جيوبكم، “فيقولون هل مزيد!”، كما فرطوا بالكثير جداً من الأموال بصيغ خيالية لا يستطيع هضمها أو القبول بها عقل أي إنسان سوي شرف النفس طاهر الطوية! ولكن هل لسراق لقمة عيش الفقراء والشعب شرف ونفس طيبة؟ وكان قادة هؤلاء الفاسدين هم بالأساس رؤساء الوزارات التي تحملت المسؤولية خلال الفترة 2004-2020 لاسيما كبيرهم الذي علمهم السحر والفساد وتربع على رأس الحكومة لدورتين بين 2006-2014. فحولوا الكثير من المدن العراقية في الوسط والجنوب وبغداد إلى رثاثة ومكب نفايات بدلاً من تعميرها.

ورغم هذه المبالغ الكبيرة لم يوظفوا جزءاً منها للتنمية الصناعية والزراعية ومراكز البحث العلمي والتعليم المهني أو للخدمات وإعادة البناء، ولم يخلقوا فرص عمل للقوى الجديدة القادرة على العمل والمتزايدة سنوياً، مما دفع بهم إلى التوظيف في أجهزة الدولة وأصبح العراق كله، بما فيه إقليم كردستان، يرزح تحت ثقل دفع نسبة عالية من خزينة الدولة والإقليم كرواتب ومعاشات تقاعد، في حين اتسعت البطالة أولاً، والبطالة المقنعة ثانياً، مما أدى إلى تفاقم شديد للأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية التي يعيشها العراق حالياً.

إن الخلاص من هذه الأزمة لا يتم بسياسات ترقيعية من جانب الحكومة الجديدة التي جاءت على وفق محاصصة مهلهلة، بل تستوجب حلاً جذرياً يتم فيه التخلص من هذه القوى التي دمرت العراق ووجهت نيرانها وأجهزتها القمعية العلنية ومؤسسات الدولة العميقة ضد انتفاضة الشعب الباسلة والتي يعرف الجميع حجم الضحايا البشرية نتيجة هذه السياسة التي مارسها سفاح الشعب وممثل الطغمة الحاكم عادل عبد المهدي. إن مطالبة الشعب بتقديم سراق ثروة الشعب ولقمة عيش الكادحين والفقراء إلى القضاء العراقي للتحقيق والمحاسبة، لم يأت عبثاً وعفو الخاطر، بل إنه مطلب ملح وآني. فهل سيجرأ رئيس الحكومة على ذلك، وهو من مدح بالأمس من لا يستحقون المدح وساهم قادة الميلشيات الأعضاء في الحشد الشعبي بالكثير من الجرائم والنهب وقتل المتظاهرين التي ارتكبت بحق قوى الانتفاضة والشعب؟ لنرى ما يجري، رغم علمنا بما سيجري! 

 

كل مقالة تؤشر في مقالات الضيوف هي مسؤولية كاتبها

******************************************************

اضغط على الصورة للانتقال إلى الموقع ومعالجاته

********************يمكنكم التسجيل للحصول على ما يُنشر أولا بأول***********************

تيسير عبدالجبار الآلوسي
https://www.facebook.com/alalousiarchive/

للوصول إلى كتابات تيسير الآلوسي في مواقع التواصل الاجتماعي
http://www.somerian-slates.com/2016/10/19/3752/

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *