كَرْنَفالات  سومَريِّة مهرجانات الفرح العراقية المنتظرة

                                    يَحْفَلُ تاريخُ وادي الرافدين وسِجلّ شعوبِهِ بتلك الاحتفالاتِ الدورية التي طالما تغنَّتْ فرحاَ َ بأيامِ العملِ والحصادِ والنجاح في مأثرة قامَ  بها أبناءُ مدنِ الحضارةِ الممتدة على ضفافِ النهرين الخالدين وبمواسمِ الخير واحتفالاَ َ بإنشاءِ مدينةِ أو بناء صرح فيها أو سور حصين لها .. وكثيرة هي مناسبات الاحتفالات المقدسة عندهم, حيث كانوا يجتمعون في الساحات العامة ليمروا بعدها في الطرقات الرئيسة حتى يصلوا مكان الاحتفال المقصود. لقد مرَّتْ على أبناء سومر كثيرا من النكبات ومسببات الألم والمعاناة, لكنهم دائما وأبدا كانوا لايتوقفون عند لحظات المآسي والكوارث, فسرعان ما يُنهون مراثيهم ليبدأ عندهم مسار العمل ومن ثمَّ الاحتفال بحصاد يومهم.. ولعل ما يسجِّلُ لنا ذلك وجود أغاني العمل وكثير من أغاني الاحتفالات وأناشيدها ووصفهم لكرنفالات الفرح الجماعية التي يشارك فيها الكبار و الصغار, النساء والرجال, الفقراء والأغنياء…

متابعة قراءة كَرْنَفالات  سومَريِّة مهرجانات الفرح العراقية المنتظرة

...

المعرض التشكيلي العراقي الثاني في هولندا

في العام 2000 أُقيم المعرض التشكيلي العراقي الأول وشارك فيه (28) فنانا .. وحينها جذب ذاك المعرض انتباها كبيرا مثيرا ردود فعل إيجابية في الوسط الفني وكذا على مستوى التنظيم وتجاوز الصعوبات التي جابهتهم.. وبإصرار كبير عمل حاملو راية الفن السومري وورثة رواد الفن العراقي المعاصر على تنظيم معرض آخر يثبت قدرات العطاء الفني ومنافسة ظروف معقدة محيطة , فجاء معرضهم مرة أخرى ليشكل محطة جديدة ليس على صعيد الاسم المحلي والخصوصية العراقية بل على صعيد مدارس الفن وإبداعه في المحيط الأوروبي الجديد .. ولقد انعكست في المعرض تجاريب واتجاهات فنية متنوعة فبين تلك الأعمال الواقعية حتى منها التي تتخذ الفوتوغرافية في معالجة موضوعها وأخرى كلاسية وبين تلك الأعمال الشعبية والفطرية والأكاديمية المتمترسة بمدارس فنية وتقعيداتها الخاصة ؛ بين كل هذه التيارات نجد بعض الأعمال التي تحمل خصوصيتها الملموسة من تصورات إبداعية مجددة تأتي من مخيلة فناننا العراقي الذي توطدت مهاراته وخبراته حتى بدأ يقدم هو تقعيداته للعمل الفني الذي يبدعه ويقدمه لمشاهده .. هنا يمكن أن نتابع بخصوصية فائقة تلك الضربات اللونية الخاصة لستار كاووش مولِّدا حركة موضوع لوحته التي يقدم فيها داخلا هو جوهر اللوحة وخارجا يعلق على المادة موضحا الدلالة المبتغاة ..وفي لوحات زياد حيدر تستبطن الأشكال الهندسية المتناظرة عالما من التموجات والتداخلات اللولبية غير المنظورة ولكنها الموحاة مما خلف عملية مزج الألوان وتدرجها أما أعمال مثل ما تقدمه فسيفساء أور البصري فنحن أمام المنمات المستوحات من الذاكرة الإسلامية بعصورها المتعاقبة ولمساته الفنية تعتمد (فرض) طبيعة تنقل معينة بين مفردات اللوحة بحيث لا تترك للعين الفاحصة فرصة الاسترخاء مع هارمونية باردة بل تستثير الوعي ليظل متنبها إلى حركة عينه داخل مادته الجمالية.. وهناك تعود إلى أحياء صائب خليل التي تزمجر سماؤها بدم لا ندري منتهاه ولحارث مثنى فكرته المخصوصة حين استخدم مدّ عمله وبسطه على أرضية المعرض وبدلا من تعلق عيون المتلقي فوق على الجدران جعلهم يبحثون بين الأقدام عن صور من عالم تمرغ طويلا وينتظر تلك العين التي تراه بمأساته فتكتشف الجماليات المطمورة في تراب تراجيدياه ! ولدى عفيفة لعيبي عالمها الذي تدعو متفرج لوحتها إلى الدخول إليه من بوابة أحلامها الواقعية الغارقة في ألوانها الرومانسية فيما حامد الصراف يغادر التقديم الكلاسي ليعالج ثيمته الأيديولوجية الثائرة المحتجة بتقاطعات اللون وتضاداته وفي تكوينات بصرية توحي بالموضوع وتلمح إليه بغير تصريح أو إشارة وألوانه ليست ثابتة فهو يستخدم ألوانا هادئة لموضوع وأخرى صارخة لموضوع مغاير … غير أننا بعيدا عن الولوج في عوالم تفصيلية نشير باختزال إلى إن خصوصية المعرض الجديد تكمن فيما يكشفه لا في التنوع ولا في الغنى الكمي والكيفي بل في المهارات والكفايات الفنية الراقية لفناني العراق التشكيليين ولنا مع كل تجربة وقفة مفصلة.

...

فرق غنائية راقية وألحان شجية ومطربات لَفَتْنَ الانتباه!

استقدمت بابل رابطة الفن والفنانين من خيرة منتجي الفن الغنائي العراقي وإنْ كان بودها الاتساع في الأمر أكثر .. فمَنْ كان حاضرا بين جمهور المهرجان من هؤلاء؟ صدحت في البدء لعشق العراق وثراه ومائه وسماه , صاحبة الصوت الشجيّ الحنون شوقية العطار فغنَّتْ لقيم الفضيلة والنضال:

كل الأغاني انتهت

إلا أغاني الناس

والصوت لو يُشترى

ما تشتريه الناس

والأمل بصبح لاسجون فيه:

اليوم بتنا هنا

والصبح في بغداد

وراحت تذكِّر الذي تهادت ذاكرته واستكانت في الغربة عبر أغنية غريب الدار:

ياغريب اذكر هَلَكْ

الأداء كان ساحرا حتى عندما نحسّ ذلك النشيج الذي يأتي من تفاعل مع دلالات الأغنية واستعادتها صورة العراق وأهله لحظات الفرقة والألم والحنين بل تزداد الأغنية طربا وجمالا بهذا الأداء المتماهي مع إحساس عميق بما ترمي إليه الأغنية ويضفي جمالا أكثر إبداع العزف على آلات يستنطوقونها التراث وروعة الفن الموسيقي المؤَلَّف من الروح العراقي الخالد من خرير أنهاره وهديل حمامه وخشخشة صفصافه وهكذا هو دأب البصري وفرقته ذات الروح الأصيل…

أما في يوم آخر فقد كانت مفاجأة مع إنعام والي وهي تقول لم ينتهي لون الحداثة في غنائنا في المنفى وليس للفن حدود يقبع خلف أسوارها مثل أسوار إذاعة الدكتاتور وأصداء ستوديوهاته , فعشنا معها ما ذكّرنا بفنانات السبعينات والثمانينات التي فتناها خلفنا منذ الرحيل الأول على عهد تسلّم الطاغية لتفاصيل الحياة حتى صارت الأغنية لا تُكتَب إلا له مثل غيرها من ممتلكاته.. وإنْ شابَ أداءها لحظة البدء عثيرة صغيرة تتعلق بتقنيات القاعة صوتيا ..

أما فرقة سومر فجمعت أغاني الريف العراقي إلى باديته إلى حاضرته وبغدادياته فدبك الجمهور في حلقة التفَّت حول القاعة , التي تتسع لمئات المتلقين , بكاملها وانتشى الجميع فغنى للبصرة ولبغداد ولكردستان للوديان والسهول والجبال وعلا الصوت مع كل أغنية عادت بهم وبنا إلى عالمنا الجميل الذي أُكرهنا على مغادرته.

ومرة أخرى يُلفت العراقيون الآخر إلى قدراتهم على تطويع ظاهرة اللقاء بين العراقي الأصيل والأوربي الجديد الذي يلتقيه فيتفاعل ويتبادل التأثير عبر فرقة من العراقي والأوروبي سويا..

وفي ختامها تجلّت الرائعة التي تتقدم خطواتها الفنية يوما بعد آخر الفنانة الأصيلة فريدة فشنَّفت الأسماع إلى الجالغي البغدادي إلى المقام العراقي وإلى أيام القبنجي والغزالي وإلى لون غنائي أطرب شباب الغربة مثلما أسكر شيبها وأعادهم إلى عهد بغداد الأزل بين جدها وهزلها .. صاحت مقاما وعلا الصوت حتى ملأ المكان وفاض عليه وعلى مَنْ فيه . . ياهل تُرى من الذي كان يريد ذلك اليوم الخروج من القاعة اللهم إلا إذا كانت وجهته العراق أو عراقي يستأنس معه بالذكريات .. الفرقة اكتملت بطبلها وسنطورها وجوزتها وطرب الجميع بصوت ساحر وموسيقا أصيلة راقية …

 

...