ا لبنية الدرامية في المسرحية العراقية

مكوناتها , مصادرها , ا تجاهاتها , و تطورها

************************************

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

 

بدءََا لابدّ مِنْ إحاطة ِ ِ سريعة ِ ِ بوجودِ المسرحِ في العراقِ .. وهو وجود ٌ يرتبطُ بالعمقِ الحضاري لبلادنا, فالمسرحيةُ فنٌ ارتبطتْ ولادتُهُ بإشكاليةِ التعبيرِ عن ظهورِ مجتمعِ المدينةِ والانقسامِ فيه

ومن ثمً بروز ظاهرةِ الصراعِ الاجتماعي.وبما أنً أولَ مدينة ِِ بالمعطى الحضاري وُلِدَتْ هنا في أرض سومر

" نذكِّر بأنً مدينة أريدو قد وُجِدت في بداية الألف الخامس قبل الميلاد ومدينة أوروك في النصف الأول للألف الرابع قبل الميلاد وكان عدد سكان أريدو 4 آلاف نسمة وعدد نفوس أوروك 10 آلاف نسمة وهو أمر غاية في الأهمية بحسابات ذلك الزمن ومقياس التطورفيه"

فإنًُه من الطبيعي أنْ تكون أول دراما قد وُلِدَتْ في سومر, ولقد أثبتت الكشوفُ هذه الحقيقةَ. لنلاحظ هنا مقومات المسرح والمسرحية التي يمكنُ رصدُها عبر هذه الكشوفِ ومن ذلك وجود البناء الخاص بالمسرح ( بيت أكيتو )

أو دار التمثيل في الألف الرابع ق.م."" نذكِّر هنا بتوصيف المسرح السومري فهو بشكل الكمثرى حيث نلاحظ مساحة مستطيلة تحفها من جانبين مدرجات المتفرجين تنتهي بنصف دائرة تحيطها ثلاثة مستويات من مدرجات بعرض (60سم.) ومساحة البناء هي حسب الآثار المكتشفة مساوية ل(46 50 9 متر) ..."" ووجود الآلات الموسيقية التي استخدمت فيه مثل الناي الذي يعود تاريخه عندنا إلى الألف الخامس ق.م. , والعود الذي يعود إلى الألف الثالث ( ق.م). ثم تطور صناعة الأقنعة والمكياج حيث وجدت آثار منها بحدود الألف الرابع ق.م مثل خمبابا, المرأة, الرجل السمكة الذي يعني أو يمثل تعامة, والرجل الأسد الذي يمثل جلجامش . وفضلا َ َ عن ذلك نلاحظ وجود مصطلحات الفن المسرحي التراجيدي والكوميدي مثال ذلك:- موباييلو = مهرج \\ إيبش نوموتي = كوميديان \\ فو يو = راقص ديني \\ كو لوبو = راقص شعبي إيثتالو = مغني شعبي \\ كابيشو = ممثل \\ كابيشتو= ممثلة. ونجد أيضا َ َالاحتفالات الطقسية الموسمية مثل احتفالات رأس السنة والزواج المقدس وعزاء ديموزي ورثاء أور , نفر , سومر , أكد .. ولأنً مثل هذه المدن قد تمً ترميمها فإنً مثل تلك الاحتفالات هي ليست رثاء َ َ بقدر ماهي أعمال مسرحية ؛ ومن النصوص التي وصلتنا جلجامش الملحمة التي حصلنا منها على النصوص السومرية والبابلية والآشورية .. وكذلك نصوص الرثاء ونص ديموزي \ إينانا أو تموز \ عشتار .....

إنً مثل َ هذهِ الإلمامات السريعة هي مجرد إشارة ِ ِ تمهّد لفهم ِ هذا الفن وقراءة مصدر ِ ِ من مصادر وجوده الأساسية... لقد جرت تطورات وتغيرات عميقة على صعيد هندسة البنية الدرامية عكست حركة التاريخ ومتغيراته الحضارية. وهذا ما نلاحظه في قراءة مسرحيتنا القديمة ومثلها سليلتها الإغريقية فالرومانية ومسرحيات عصر النهضة حتى نصل َ المسرحيةَ الحديثة َ حيث ركزت الأخيرة على تحقيق التعقيدات التي حصلت في الحياة الإنسانية . ويمكن الإشارة هنا إلى الفروق البنيوية بين النهاية المغلقة للمسرحية التقليدية والنهاية المفتوحة للمسرحية الحديثة حيث يعود هذا في بعض ما يعود إليه ( يعود) إلى متغيرات الحياة واهتمامات المتلقي, ويمكن أنْ نلاحظ ذلك بالعودة إلى التخطيطات التي تمثل بنية مختلف أنماط المسرحية ومراحلها :-




 

 

 

 

 

 

 

 

-->  

 

 

 

 

 

 

 


ـ أ ـ ـ ب ـ ـ ج ـ ـ د ـ

المسرحية الإغريقية مسرحية عصر النهضة المسرحية المعاصرة المسرحية الحديثة

 

A = الفعل الصاعد B = نقطة التحول C = الفعل الهابط D = النهاية المغلقة d = نهاية مفتوحة

 

{( إنً هذا التحليل النظري في الدراما العالمية ينطبق أيضا َ َ على الدراما العراقية من حيث المبدأ. )}

وهكذا فتحديدُ العواملِ المؤثرةِ في طبيعةِ نشأة ِ المسرحية ِ العراقية تتطلبُ دراسة َ َ معمقة َ َ

تشمل الظواهر والبنى التكوينية للمجتمع العراقي الذي عبرت ْ عنهُ و وُلِدَتْ في كنفِ متغيراتِهِ السياسيةِ والاجتماعيةِ. لقد كانت الدراما أكثر الأشكال الأدبية والفنية غرابة َ َ من بين جميع ألوان التعبير الجمالي التي

تزامنت نشأتها مع بوادر النهضة الحديثة عندنا , فهي لا ترتبط بأي شكل من الأشكال بتلك الظواهر التي وُجِدَتْ في مجتمعنا العراقي قبل القرن التاسع عشر كخيال الظل وشاعر الربابة وأشكال التعزية وما إلى ذلك...

إنً مقالتنا هذه تحاول إضاءةَ خطوطِِ عريضةِِ في مجال الدراما العراقية, إذْ تناقشُ مكوناتِ البنية ومصادرِها وتأثيرِ الاتجاهاتِ الفنيةِ فيها... ومسوٍغُ هذا الاتساع في اهتمام مقالتنا يكمن في العملِ من أجلِ الاقتراب من أوسع جمهور ولفْتِ انتباهه إلى أحدِ مصادرِ تكوينِ العقلِ عنده. وإثارة تساؤلاتِِ عميقةِِ وضروريةِِ

لخلقِ أجواءِ التفاعلِ بين المبدعِ والمتلقي, بين الثقافةِ وصنّاعِها...

وبغاية الاقتراب من مسرحيتنا العراقية في عصرها الحديث نقرأُ ثلاث مراحل رئيسة فيها حتى تسعينات القرن الماضي وأنوّه إلى أنً الجديد في حياة المجتمع العراقي ومأساته القائمة قادرة على اجتراح مرحلة رابعة تتشكل ملامحها الآن شيئا َ َ فشيئا َ َ ...

و على أية حال

فإنً استرجاع المرحلة الأولى يستند إلى بداية يجزم التوثيق العلمي في أنً انطلاقها قد جاء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر حيث تشير الفهارس لوجود خمسين نصا َ َ مسرحيا َ َ قُدّم في هذه المرحلة منها ستة عشرنصاََ

مسرحياَ َ ذات موضوع تاريخي مثل:- نبوخذنصر للمارديني( 1889) , خراب بابل لأنطون زيوني( 1908 ),

النعمان بن المنذر لمحمد مهدي البصير (1919 ) , الزباء لسليمان الصائغ (1933) , في حين برًزتْ المسرحية

الاجتماعية موضوعين أولهما يتعلق بالقضية السياسية المباشرة المتعلقة بالثورة الوطنية ضد الأتراك والاستعمار

وثانيهما يتعلق بهموم الشباب وطموحاتهم والمشكلات العائلية التي غالبا َ َ ما نوقشت في إطار المعالجات الرومانسية المتأثرة بمصادر القراءة الأدبية العربية والأجنبية. ومن هذه المسرحيات:-

لطيف وخوشابا نعوم فتح الله السحًار 1891 وهي أول نصّ عراقي يصل إلى أيدي الباحثين.

البرئ المقتول حنًا رسًام 1911

الإخلاص والخيانة سليمان يعقوب 1927

الفتاة العراقية نديم الإطرقجي 1925

وحيدة علوان أبو شرارة 1930 وهي المسرحية التي حظيت باهتمام النقاد.

ضحية العفاف جميل القطان 1934

آباء السوء نعيم إلياهو 1934

طعنة في القلب سليم بطي 1936

ضحايا اليوم سليم بطي 1939

 

إنً النظرَ في جملةِ مسرحياتِ المرحلةِ يكشفُ تباينَ المستوياتِ البنائيةِ الدراميةِ والفكريةِ, كما يكشفُ المسوغاتِ وراءَ توظيفِ هذا الموضوعِ أو ذاك وطريقةَ معالجتِهِ كما هو الحال أمامَ الموضوعةِ التاريخيةِ

وأمام المعالجاتِ الرومانسيةِ في عامةِ إنتاجِ المرحلةِ. وأبرزُ مكوّناتِ البنيةِ ( فنيا ََ) آنذاك هي الشخصيةُ إذْ كان تعقيدُ مفهومِها وتقاطعاتِ وجودِها الإنساني منعكسا ََ بصورةِِ واضحةِِ في الوسائلِ التي استخْدَمَتْها الدراما الحديثةُ

- ومنها العراقيةُ الناشئةُ آنذاك - للكشفِ عنْ دواخِلِها.. من ذلك استخدامُ الوسائلِ الغنائيةِ والملحميةِ وتوظيفُهما

في تركيبةِ البنيةِ الدراميةِ.

ويمكنُ الإشارة سريعاََ لسمةِِ بنائيةِِ تتعلقُ بتوظيفِ عنصرِ الشخصية درامياََ, فعند قراءةِ أغلبِ أعمالِ المرحلةِ نجدُ عددا ََ كبيرا ََ من الشخصيات في المسرحية الواحدة قد يفوقُ العشرين شخصية لا يكون من بينها أساسيا ََ سوى

إثنتين أوثلاث مما يدعونا لاقتراح حذف بعضِها وتقليصِ حجمِ بعضِها الآخر طبعا ََمن دون تأثير سلبي علىمسارِ

الحدث , بمعنى آخر إمكان تسليطِ الضوء على نمو الشخصياتِ المحوريةِ ... على أنً هذه الملاحظةَ لا تلغي إيجابياتِ معالجةِ هذا العنصرِ البنائي آنذاك , غير أنًنا نركزُ هنا على الخطوطِ العريضةِ العامةِ حيث كانت مسرحيةُ النشأةِ في بنيتِها خطوةََ نوعيةََ متقدمةََ على مرحلتِها سواء في اختيارِها الأسلوب الدرامي في المعالجةِ وهو أسلوبُ المأساةِ الاجتماعية - في العادة - أم في رومانسيةِ الاتجاهِ من حيث الجوّ العام مع ملاحظةِ كيفية التناول الرومانسي وانعكاساتِهِ ..

لقد صبً النقادُ جام غضبهم على تلك المسرحية بوصفها أعمالاََ فنيةََ ساذجةََ تمتلئُ (بالروح الخطابي الفجّ) و(المعالجات المباشرةِ) وحشو المساجلاتِ الأخلاقيةِ والاجتماعيةِ من دون مسوغاتِِ فنيةِِ

غير أنً اكتشافَ نصوص ِ المرحلةِ وإعادةَ دراستِها بالاستنادِ إلى الظروف المحيطةِ بها وبالابتعادِ عن النقدِ المحصور بالمضمونِ أي بالانفتاحِ على آلياتِِ نقديةِِ محدثة كشفَ عن تصوراتِِ مُعَدّلة ِِ لا تتجنّى على تلك المسرحية التي تكمنُ أهميتُها الأساسية في وضعِها في سلسلةِ التطورِ العام إذْ لا جدوى من نصوص ِِ تُعَدّ في حكم المفقودةِ ولا توجد إلاّ في أيدي الباحثين.

(( كانت هناك دعوة من كاتب هذه الكلمات لإعادة طبع النصوص المسرحية طبعة وثائقية خاضعة للدراسة والتعليق)).......

ولإجمال خصائص مسرحية النشأة نقول :- إنًها تميزت بعدد من السمات هي: أولاََ:- تركيزها على المشهدِ أو المنظرِ من حيث الشكل الخارجي , وذلك عائدٌ إلى تأثرِ ِ بالطريقة الفرنسية في بناء المشاهِدِ ( أي دخول شخص أو خروجه هو ما يكون علامة لبداية المشهد أو نهايته...). لقد أدى التزام هذه الطريقة إلى حالة من الاضطراب الذي دفع بعض النقاد للقول بضرورة الحذف والتقديم والتأخير لإعادة تشكيل البنية ...

ثانيا َ:- واتسمتْ هذهِ المسرحيةُ بظهورِ السردِ القصصي والحبكةِ الروائيةِ على حسابِ البناءِ الدرامي وإنْ نجحَ أحياناََ في توظيفِ هذهِ السمةِ بنائياََ. لاحظْ أهميةَ الوصفِ أو السردِ في مشهدِِ حُلُمي رومانسي يستبدلُ التكثيفَ الغنائي بالتكثيفِ الدرامي..أي يأخذُ الأولَ ويتركُ الثاني.

ثالثا:- سادتْ مسرحيةَُ النشأةِ الرومانسيةُ سواء من حيث المنطلقاتِ الفكريةِ أمْ من حيث طبيعةِ البنيةِ الدرامية. وإنْ اختلطت ْ باتجاهاتِِ أخرى , فإنً أبرزَهَا هو الواقعيةُ الساذجةُ . وينسجمُ هذا مع القيمِ الفكريةِ والجماليةِ للمرحلةِ...

رابعا:- وفي ضوءِ هذهِ المعالجةِ - الرومانسيةِ - تأكّدَ دورُ الشخصيةِ المتميز في بنيةِ المسرحية وتمَّ تأكيدُ صورةِ الفردِ وليس الفئة أو الطبقة ولهذا لم نعثرْعلىالشخصيةِ الرمزية إلاّ في إطارِ الصورةِ الفرديةِ , ولنلاحظ مثالا على ذلك مسرحية"وحيدة" التي عُولِجَتْ من دون الحاجةِ إلى رموزِِ تشيرُ إلى الفئاتِ والاتجاهاتِ ولا إلى تركيبةِِ معقدةِِ في خطتِها الشخصية.. فظلتْ في إطارِ حركةِ الأفرادِ وما يجابهونَهُ في شكلِ مأساةِِ اجتماعية.

خامساََ:- أبرَزَتْ مسرحيةُ النشأةِ شخصيتين ,الأولى هي البطل القومي التاريخي ومثل هذا الاختيار يتطابق مع

التفكيرِ الرومانسي المعروفِ بعودتِهِ إلى الماضي على أنً التصويرَ الدرامي هنا أصابَهُ شئ من الفتورِ أو الخللِ

والجمودِ في نقلِ الواقعِ كما حصلَ بالفعلِ. وكانت الشخصيةُ الأخرى هي شخصيةُ المثقفِ المتنورِ ابنِ الطبقةِ

المتوسطةِ , ولعلّ مسوٍغَ هذا الاختيارِ يعودُ إلى وظيفةِ المسرحيةِ من جهة وإلى خلفيةِ القراءاتِ عند كتّابِ

المرحلةِ - طبعا ََ المقصود هنا هو القراءات في الأعمال الأجنبية.

سادساََ:- وبالعودة ِ إلى تعدّد ِ شخوصِ المسرحية ِ يمكن ُ ملاحظة:

تساوي أهمية عددِِ كبيرِِ من الشخصياتِ بما يُذكّرُ ببنيةِ الشخصيةِ عند تشيخوف الذي كانت تهمه الأجواء أكثر من أي عنصر آخر..

والملاحظة الأخرى تتمثلُ في كونِ الطبيعةِ الرومانسية للشخصيةِ خالقة ََ للجوّ العام في المسرحيةِ ومؤثرةََ في البنية من جهة فرضِ النهاياتِ القاتمةِ والمأساويةِ...

سابعاََ:- استُخْدِم عنصرُ المفاجأةِ في مسرحيةِ المرحلةِ ولكن العملَ الدراميَ الواحدَ لَمْ يُسْرِفْ في توظيفِهِ وجاء منطقياََ في كثير من الأحوالِ....

ثامناََ:- النهاياتُ الدرامية ُ كشفَتْ عن تحطيم ِِ ظاهري للوضعيةِ الأساسيةِ لأنًها تنصبٌ أو تقع ُعلى وضعية الشخصيةِ ولا تمسٌ البيئةَ المحيطةَ بها بمعنى بقاءِ توازنِ القوى على ما هو عليه مثلما كان طوالَ العملِ الدرامي؛ نستنتجُ من ذلك ما يأتي:-

إنً هذهِ النهاياتِ مغلقةُُ أي لاتترك المسرحيةَ من دون حسمِِ نهائي للحدثِ.

 

البنيةُ الدراميةُ دائرية من جهةِ الخطةِ العامةِ أو الخلفيةِ الفكريةِ والاجتماعيةِ لأنًها تعودُ إلىما بدأتْ بِه.ِ

وهي بنية هرمية أرسطية من جهة الخطة الشخصية لأنًها تنهي مجريات وقائع الحدث الدرامي. ( هنا ينبغي التذكير بالروح الإصلاحي في التحليل للأبعاد الفكرية للمسرحية حيث البنية قائمة على علاقة ودية بين الحل والوضعية الأساسية).

 

حافظتْ مسرحية النشأةِ على تناسقِ وحداتها على وفقِ مفاهيمِِ دراميةِِ جديدةِِ متجاوزةََ مفهومَ الوحداتِ

الكلاسيةِ المعروفة فالزمن يمتد فيها إلى سنواتِِ طويلةِِ من دون أنْ تتفككَ فيها وحدةُ الحدثِ وإنْ جَرَتْ

في أزمنةِِ متباعدةِِ أو في أماكن مختلفةِِ من بيوتِِ ومحلاتِِ وضواحي وشوارع ومؤسساتِِ وأندية. ( هنا

نذكّر بتقسيم المسرحية إلى القسم الأول والقسم الثاني وليس كما هو الحال المعتاد إلى الفصل 3,2,1 )

 

وجملة القول:- إنً مسرحيةَ النشأة كانت مسرحية رومانسية هجينة استوعبت ظروف مرحلتها وعبرت عن شخوصها بصياغةِِ فنيةِِ اعتمدتْ نمطَ المأساةِ الاجتماعيةِ التي شابَها بعض الأحيان اختلاط بالميلودراما تأثراََ بالمسرحيتين العربية والأجنبية الغربية .. وإذا كان صحيحا أنْ كثيرا من هذه الأعمال قد كان ساذجا أو بسيطا في بنيتهِ أو فكرتِهِ أو كليهما , فإنً من الصحيح أيضاََ أنً هذه الأعمالَ امتلكت ( بعامة) فضلاََ عن أهميتها التاريخية بقدر تعلق الأمر بالتوثيق للمسرحية العراقية أهميةََ فنيةََ جماليةََ انطلاقا ََ من كونِها مرحلةَ التأسيسِ والتجربةَ الإبيتدائيةَ لمراحلِ المسرحيةِ العراقية اللاحقة. * * *

أما في المرحلة الثانية التي نسجل لها بداية مع انتهاء الحرب العالمية الثانية

وما خلّفته من متغيرات شاملة حيث وقع جمهور المرحلة في كماشة من الاتجاهات المتناقضة تحت تأثير ازدياد حدة الصراعات الاجتماعية والفكرية في مجتمع تجاذبته ظروف الفقر والجهل والمرض...

فلم يعدْ عالم الأحلام الرومانسية الشكل المعبر عن وعي ابن المرحلة الذي سحقته آلة تجار زمن الحرب فظهرت الواقعية عبر المسرحيات الوعظية تلك المسرحية التي تخضع بنيتها لسياق الفكرة بخلاف بنية المسرحية الرمزية التي تخضع بنائيا لشروط الاختباء خلف الرمز والإبهام بوصفهما وسيلة للهروب من جور المصادرة والاستلاب.

( كلنا يعرف تاريخ الحريات العامة وحرية الكلمة في بلادنا ومن ذلك حرية الفن والمسرح وعمق استلابهاجميعا)

وهذا يؤشرُ اختلافَ أسبابِ ظهورِالمذاهبِ الأدبيةِ وشروطَ مكوناتِها ومؤثراتِها البنائيةِ..وبعامةِِ فمسرحية المرحلة

ركّزتْ على موضوعتين سياسيةِِ واجتماعيةِِ وابتعدتْ نسبياََ عن الموضوعةِ التاريخيةِ واستعادةِ الأمجادِ القوميةِ,

ذلك أنً الحياةَ فرضتْ شروطَها واتجاهاتِها فلمْ تعُدْ الشخصية ُ الدراميةُ ممثّلةََ للفرديةِ الغنائيةِ الحالمةِ الهاربةِ من واقعِها سواء باتجاهِِ رومانسي محافظِِ ملتفتِِ إلى الوراءِ أم متفتحِِ متطلعِِ إلى البعيدِ الآتي مع الحلمِ :-

(( جسًدَ عبود الكرخي هذا الحلم في غنائياته كما في قوله:- ساعة واكسر المجرشة وانعل أبو راعيها هذه النعلة ظلّتْ

ملازمة لتذمرنا وتمردنا على مرارة الواقع)).

أما الشخصية الجديدة التي نحن بصددها فهي شخصية متمردة على وفق رؤاها. ويمكن أنْ نستذكرَ هنا:- ملائكة الرحمة في مسرحية "رسل الإنسانية" 1947 لعبدالملك نوري , والكسبة

والعاطلين عن العمل في "الأشقياء" 1948 للعزاوي , والمثقفين من أدباء وفنانين كما في " خاتمة موسيقار" 45 لعبدالمجيد لطفي وغيرها... (( ... هذه الشخصيات بدأت تظهر منذ تلك اللحظة فصاعداََ... )).

و جميعُ هذهِ الشخصيات سعَتْ لتقديمِ البديلِ عن أوضاعها المترديةِ وهو الأمر الذي حَمَلَنا على تشخيصِ اتجاهِها

الواقعي بوصفِهِ محدّداََ للبنيةِ الدراميةِ التي شابتْهَا مسحةُُ رومانسيةُُ بهذا القدر أو ذاك...

وستتحولُ هذهِ الواقعيةُ المختلطة أو الساذجةُ إلى واقعيةِِ انتقاديةِِ تحملُ عمقا ََ بنائيا ََ واضحا ََ كما نقرأ ُ ذلك في مسرحية " تؤمر بيك" ليوسف العاني مثلاََ , على أنً ملاحظةَ نمطيةِ وجاهزيةِ الشخصية فيها كما هو حال البيك

والخادم أمر ممكن في بنيةِ المسرحيةِ وتفسير ذلك ممكن بالاستناد إلى تمثيل كل ِِ منهما لرموزِِ محددةِِ تخدمُ الفكرةَ

أو الغايةَ من العملِ .. لكن ذلك لايتعارضُ مع شعورِنا بمصداقيةِ شخصياتِ المسرحية وحيويتِها. ومثل ذلك نجدُ استخدامَ شخصيةِ المرأةِ ممثّلةََ للاستلاب والضيمِ مرةََ وللأرستقراطيةِ المهزومةِ مرةََ أخرى .. إنًها لمْ تعدْ كما في المسرحيةِ الرومانسيةِ لمطلعِ القرنِ العشرين خادمةََ فاتنةََ أو راقصة ََ في ملهى أو زوجةََ خائنةَ َ .. إنًها هنا مركّب نفسي ذهني اجتماعي معقد.. وسأكتفي بأمثلةِِ لهذا الأمر من دون الخوض في تفاصيل كثيرة:-

فتحية بطلة مسرحية أحدهم 1954 للتكرلي وهي تتطلع لعالم جديد بالتمرد على واقع سلبي تعيشه...

الأم بطلة مسرحية إ نًه سيعيش 1957 للعبيدي وهي هنا تعلن تأييدها للفن وإنْ كان ذلك بعفوية.... الأم بطلة مسرحية أنا أمك يا شاكر1955 للعاني وهي هنا تجسد لنا تطورا في بناء الشخصية ... الأم بطلة مسرحية الست حسيبة 1959 لأدمون صبري في توظيفها الرمزي مثال الأرستقراطية المهزومة..

 

وإذا تابعْنا مكوناتِ البنيةِ الدراميةِ في هذهِ المرحلةِ من زاويةِ عنصرِ الشخصيةِ فإنًنا سنُجابَه أيضاََ بالشخصيةِ السياسية التي تكتسبُ حيويتَها من خلالِ أفكارِها لامن منطقِ وجودِها الإنساني الفردي المجرد .. إنًها مجرّد رموز للصراعِ المحتدمِ , لنلاحظ بهذا الصدد مسرحيةَ "الشئ" لشاكر خصباك 1966 حيث المعتقل بيئة للمساءلة السياسية ومع ذلك هناك فرص لقراءة الشخصية إنسانياََ و بالتأكيد دراميا َ َ أيضاَ َ ...

و قدمتْ مسرحيةُ المرحلة الشخصيةَ النمطيةَ كما نموذج (البخيل) في مسرحية "حسن أفندي" لطه سالم 1962 الذي سيقدم لنا كذلك شخصية الأديب في مسرحيته "فوانيس" مذكّراََ إيانا بأعمال بيرانديللو.... وهذا ما يؤشرمرة أخرى أثر المسرح الأجنبي مصدرا لبنية مسرحيتنا......

 

أما خلاصتنا التقويمية لهذا المؤشر البنائي فتتمثل في :-

 

تباينِ ِ واضح ِ ِ في مستوياتِ بنيةِ الشخصيةِ لعوامل تراكم الخبرات من جهة ولاختلاف طبيعة الموضوع من جهة أخرى , إذْ شهدت سنوات 40-60 تسارعا في اكتساب الخبرة والمهارة لدواعي كثيرة ومتنوعة.

 

راوحت الشخصية في المسرحية السياسية من جهة بنيتها وتطورها لكنها اغتنت في المسرحية الاجتماعية من هذه الناحية.

 

خلق اغتناء البنية الدرامية باتجاهات جديدة شخصيات تخضع للرمزية وأخرى للطيعيةوغيرها للعبثية وللتعبيرية.

 

اغتنت العلاقات الجديدة المتشابكة بين الشخصية الدرامية وبنية مسرحية المرحلة , فلم تعدْ المسألة متعلقة بقرارات الشخصية وانعكاس تكوينها بهذه القرارات , وإنًما امتدت متشعبة إلى أبعاد تحليلية - الاتجاه النفسي

وأبعاد فنية - المسرحية داخل مسرحية مثال الأولى "أحدهم" للتكرلي ومثال الثانية "فوانيس" لطه سالم..........

 

اتساع الانتاج المسرحي أتاح فرصا جديدة لظهور شخصيات جديدة مثل :- النماذج الإنسانية , النماذج الدينية والأسطورية: كالشياطين والجان والغول وغيرها , والنماذج الاجتماعية الجديدة الممثلة للأرستقراطية , والفئات

الطفيلية وفئات العاطلين عن العمل , وفئات الطلبة والفلاحين وغيرهم...

 

وبالاتساع في قراءة البنية من زاوية ثانية نتلمس تأثير الاتجاهات الفنية كما هو حال اختلاط الواقعي بالرومانسي الذي يحكم الحدث الدرامي ببنية بسيطة غير مركبة إلا أنًها تظل تحولا من المفاهيم (المطلقة) الرومانسية الحالمة إلى (نسبية) القيم والحقائق حسب الرؤية الواقية التي سرعان ما تتعمق ليظهر اتجاه الواقعية الانتقادية بما فيه من اعتماد الشرح والتعليق وتفسير الأشياء والاتساع بتقنيات الوصف والسرد , و نقرأ في هذا الإطار تحولات مفهوم المشهد و الفصل حيث نغادر الطريقة الفرنسية لفهم هذا العنصر البنائي ونتقدم لفهم المشهد وحجمه وأهميته ودوره البنائي اعتمادا على توزيع عناصر الحدث فيه من أزمة وهجوم وهجوم مضاد وتعقيد ونقطة تحول وذروة

ونهاية. و قد يكون مثالنا على هذه المتغيرات مسرحية " أشجار الطاعون" لنور الدين فارس إذْ تتألف من ستة مشاهد في الفصل الأول, وخمسة مشاهد في الفصل الثاني , وستة مشاهد في الفصل الثالث وللإيجاز نركز على قراءة المشهد الأول من الفصل الأول وفيه تحذر ( الأمُ: نجية) زوجةَ ابنها(رسمية) من بقاء زوجها يتردد عليها لأن أعداءه كُثُر وتعلن تذمرها من هذا الزواج ؛ على أنً ( رسمية) ترد مدافعة عن نفسها وعن زواجها وفي هذا بعض ما يشير إلى مستويات عدة من الصراع ...

وفي المشهد الثاني يصل الزوج سراََ ثم يصل زائر بعده فيختبئ في إشارة إلى أنًه ما زال مطارداََ وبعد تعرفه إلى الزائر يجتمع به ليعلن بعد انتهاء الزيارة أنًه بانتظار ضيوفِِ مهمين , ونحن نلاحظ أنً المشهد قد قدًم الشخصيات وعلاقاتها وأثارَ منذ اللحظة الأولى شرارة الترقب والتساؤل , وهي جميعها مهمات فنية مطلوبة من هذه الجزئية البنائية في المسرحية...

وبعامة فلقد صادفت البنية الدرامية في هذه المرحلة تطوراََ ملحوظا ََ في خطابِها وأدواتِهِ ويمكنُ القول: إنً هذا التطور _ الذي لم يكنْ بمستوى واحدِِ في الامتداد التاريخي والفني _ قد بُني على أساسِ الخبرةِ المتحصلةِ

من دراما المرحلةِ السابقةِ , ومن نضجِ التجربةِ عند كتّابِ المرحلةِ الجديدةِ . وإجمالاََ تميزت المرحلةُ بسيادةِ الواقعيةِ سواء منها الواقعية الساذجة في المسرحية السياسيةِ بما فرضته من حدث درامي بسيط و خطوط بنائية ساذجة أم الواقعية الانتقادية في المسرحيةِ الاجتماعية .

وكتحصيل حاصل لسيادة الواقعيةِ شاعَ في الحبكة ِ شئُ من الأحداثِ التفصيليةِ التي تبطئُ من سرعة التطور والانتقال بين وقائعِ الحدثِ الدرامي وهو ما يثيرُ تصوراََ بتفككِ بعضِ أجزائِه ,ِ بخاصة تلك الإطالة في العرضِ

أي في تقديمِ الشخصياتِ والمعلوماتِ الأوليةِ الضروريةِ لسيرِ الحدثِ.

كذلك لمْ يكنْ تقدم الحدثِ الدرامي تصاعدياََ وإنًما وُجِدَتْ حالة من التطور الأفقي في الخطة الشخصيةِ الأمر الذي كان يُخْفي تطوراََ رأسياََ عمودياََ يُشكلُ الخطةَ العامةَ داخل البنية الدرامية .

إنً جملةَ هذهِ المتغيرات تجعلنا نطلق على هذه المرحلة مرحلةَ التأسيس الثانية وهي مرحلة ريادة المسرح العراقي الذي تنتمي إليه إبداعات الزمن اللاحق... فحتى هذه اللحظة دارت المسرحية العراقيةُ ( في الغالب) في إطار من عمليةِ استدعاءِ القوانين البنائية التقليدية وأخضعَتْها لشروط العملِ الفني الملموسِ والمحدد الذي أرادَ له روادُ المرحلةِ أنْ يكونَ مؤسٍساََ للاحق .. وهكذا فإنًنا سنلتقي مع أعمالِِ من نمطِِ جديد ِِ تماماَ َ بعد العام ( 1967) حيث ظهرتْ محفزات إبداعية جديدة , ودعتِ الحاجةُ إلى نصوصِِ مختلفةِِ تستندُ إلى خبراتِ الماضي ولكنها تختلفُ عنه , فلمْ يقف الإختلافُ عند شروط البحثِ عن بنيةِِ جديدةِِ بل جاء الإختلاف بوصفِه ِ ردً فعلِِ عميقِِ لأجواءِ الستينات... (( وعلينا هنا أنْ نصفَ هذه المرحلة بالغليانِ على جميع الصُعُدِ السياسية والاجتماعية ومن ثم على صعيد الإبداع الفني والأدبي ومنه المسرحي)) حيث جرى البحثُ عن الشخصية الوطنية وهويتها والحاجة إلى تأكيدها ودعمِ استقلاليتِها

في مجابهةِ الهجمات العاضفةِ التي تعرضتْ لها الشخصية العراقية بين العامين ( 1963-1968) ؛ ولقد كان الردّ معتمداََ على التراث الوطني , فاستخدمَ إمكانات التناصّ مع الموروث الأدبي مع توفير عناصرِ التجديدِ ؛ وسنشاهدُ مثل ذلك في أعمال قاسم محمد (لاحقاََ) .. ففي تراثياتِهِ تميزتْ البنيةُ بقيامِها على سلسلةِِ من المصادفات المسوغةِ بقوى خارجية ولكنها المبررة بمنطق درامي محسوب . ونشاهدها في أعمال ( عادل كاظم ) كما في:- تموز يقرع الناقوس,الموت والقضية,الطوفان حيث أجواء كلكامش سومرونمرود بابل وشهرزاد ألف ليلة وليلة؛

ومع يوسف العاني ومفتاحهِ وخرابتهِ , في (المفتاح) يدخلنا عالمَ الحكايةِ الشعبيةِ , ولكن ذلك يتمّ بالتأكيد بوسائل درامية مميزة حيث البنية تتعدد فيها الحوادث سيما منها الغريبة المدهشة.. وفي (الخرابة) يسافر الجميعُ في رحلة ملحمية جديدة , تتفتح فيها معالمُ بنية درامية جديدة ودلالات فكرية لم يكن سهلاََ ولوجها من قبل .. وفنياََ سيكون التغريب أو الملحمية أو العبثية وسائل بنيوية عميقة الغور في تأثيرها على مسارِ المسرحية العراقية. ومما يمكن

التذكير به هنا ظهور المسرح التسجيلي, ومثالنا "الخان وأحوال ذلك الزمان" وفيها تُقَيًد الشخصية بمرجعيتها الواقعية وهو ما يفتحُ الطريق لتفعيلِ طاقات الواقع الدرامية على صعيد البنية في العمل المسرحي طبعاََ على وفق علاقات منسقةِِ بانسجامِِ فني بدونهِ لايمكنُ الحديثُ عن بنية درامية , ذلك أنًها في النهاية وجود هندسي أو تنظيم للعلاقات السببية بشكل مترابط على وفق البناء الأرسطي أو الملحمي الواقعي أو اللامعقول \ العبثي الذي قد يُفضي إلى جمع آلياتِِ مختلفةِِ لكن بالاستناد إلى منطقِِ غايتُهُ الإبداع الجمالي الممتع والمفيد في الآن الواحد.

وبقراءةِ نماذج من مسرحية المرحلة الثالثة مرحلة التجريب والتأصيل نطّلع على اتساع الأفق الفكري والفلسفي

بوصفِهِ رؤيةََ أو خلفيةََ خطيرةَ الشأنِ لأعمال درامية عميقةِِ ... فمثلاََ شخصية شهرزاد في الموت والقضية تتعدد مستويات قراءتها فبعض هذه المستويات مستمدة من الكينونة التراثية للشخصية , وبعضها الآخر مستمد من التحميل الفكري المعاصر .. وإلى هنا فالأمر بسيطُ القراءة , لكن عند الانتقال للتحليل النقدي نشير إلى أنً المستوى التراثي هو الذي يُقدٍم لنا الواقعَ المفترضَ أو الصورةَ المباشرةَ التي يجابهنا بها الحدث الدرامي بينما المستوى المعاصر يُقدّمُ لنا بشكل ِِ رمزيّ خفي لا نراهُ إلاّ من خلال استيعابِِ تامِِ لهذهِ الرموزِ و دلالاتها الفكريةِ الفلسفيةِ ... وتصبحُ شهرزادُ (التراث) هي الحقيقةُ , وشهرزادُ (المسرحية) هي الرمزُ المفسًر في ضوء تحليلِِ سياقي جديد , بخاصة عندما نلتقي بعلاقاتِ شهرزاد المسرحية بهاملت وعطيل يمثلان دَوْرَي درويشين يرمزان أيضاََ لمعطيات تطرقها المسرحية...

لقد خلطتْ هذه المسرحيةُ الأرسطي بالملحمي وهذا ما ستفعلُهُ مسرحيةُ (الخرابة) على أنًها تقدٍم الملحمي وتجعلُه

سائداََ بشكلِِ كبيرِِ جداََ...فلقد تعاملت (الخرابة) مع الشخصيةِ من منطقِ بنيتِها الدرامية الملحمية "التغريبية" ولهذا

فإنً علاقةَ بعض الشخصياتِ بالمتابعِ "الجمهور" تكاد تكون مباشرة ومثل هذهِ العلاقة تُفتٍحُ البنيةَ على آفاق جديدة

لا تقف عند حدود كسرِ الإبهامِ أو التغريب , وإنًما تقدّم شخصيةََ من نمطِِ جديدِِ وينسجمُ هذا التوجهُ نحو توظيفِ هذه الشخصية مع ما يجابه الدراما في عصرنا من مهماتِ تصويرِ جوهرِ التصادمِ القائم ِ لا من خلال المظاهر الخارجيةِ للشخصيةِ بل من خلال استقصاءاتِها الداخلية. وهكذا يحكمُ الرمزُ الفكري للشخصية والبنية الملحمية للمسرحية مستوياتِ كلِ شخصيةِِ ودلالاتِها.((هنا يمكن إحالة قارئ هذا المقال إلى مسرحية الخرابة وشخصياتها مثل نجم البقال ولعيبي الفلاح وسكينة وحساني"خبالو المجنون" وغنية...إلخ)).

 

 

أما بصدد أشكال البنية الجديدة فلنلاحظ هنا تخطيط بنية مسرحية الخرابة كما في الآتي:

 

 



 

 

 

 

ولنقرأ لمسألة البنية الدرامية وتوضيحها شرحا, على سبيل المثال :- مسرحية " الْمِفْتَاح "

 

:

إنً أولَ ما ينبغي تأكيده هو أنً بنيةَ المسرحية لا تتطابق بشكل تامِِ أو آلي مع الحكاية كما هي في الأغنية الشعبية فعلى الرغم من توظيف جميع فقرات الأغنيةِ ومراحلِ الحركةِ فيها إلاّ أنً الحدثَ الدرامي في المسرحيةِ يبدأُ بكسرِ هذه المراحل ابتداءََ من لحظةِ نزولِ المطرِ والحصولِ على الزرع(الغذاء المنشود للحيوان)

حيث رحلة العودة . وهذا شئ طبيعي ينسجمُ مع الاختلاف بين غاية الدراما وغايةِ الحكايةِ الشعبيةِ , فغاية المفتاح

المسرحية تكمنُ في إثبات أهمية الحركةِ والعملِ للحصولِ على ضماناتِ الحياةِ السعيدةِ..يُثْبِتُ هذا قولُ (نوار) في

نهايةِ المسرحية:- (( اتركوا الحكايةَ, انسوا الصندوقَ, اركضوا .. لتحصلوا على المفتاحِ الحقيقي.))

إنً تخطيط بنية الحكاية والمسرحية يساعدنا على اكتشاف دائرية بنية الأولى وعودتها إلى حيث بدأت والإيمان

 

 

 

القدري وماإلى ذلك مما يتطلب توضيحه بتفاصيل أخرى حيث يعكس هذا طبيعة المسلًمات في ذهنية العامة وهي مسَلًمات أسطورية تحيل كل ما يجري إلى القدر المكتوب من دون المرور على تفسيره بالأسباب الموضوعية المحركة له ؛ أليس القدر أساس المسرحية القديمة والنص التراثي القديم؟؟. فإذا كان هذا هو أساس بنية الحكاية- الأغنية فإنً بنية المسرحية بخاصة في الجزء الثاني هي بنية درامية واضحة المعالم , يتقدم فيها الفعل إلى الأمام وإلى أعلى في مشاهد نذكرها هنا باختزال:-

اـ مشهد الراعي وأزمته ممثلا لنقطة التحول حسب معطيات البنية الدرامية واصطلاحها. ب ـ مشهد البئر وفيه نتابع مايجره طلب العمل من تعقيدات بنائية درامية. ج ـ مشهد صراع نوار الوصيفة حيث نتلمس فيه الذروة في بنية المسرحية. د ـ مشهد مشاركة الحداد في توفير المفتاح ونتلمس هنا (الحل) حيث النهاية المفتوحة بخصوصية ما تشير إليه مثل هذه النهاية من دلالات فكرية مقصودة....

و خلاصة القول في المرحلة الثالثة لتطور البنية الدرامية في مسرحيتنا إنًها تكثيف إبداعي لمناهج واتجاهات فنية متعددة إلاّ أنًها ليست هجينةََ.. إنًها حالة مزجِِ يُبتكرُ من عناصره المكونة نتاجاََ متميزاََ . ولعلً هذه الخاصية هي التي منحت تسميةَ المرحلة بمرحلةِ التجريب والتأصيل والتي اتسمت ( في هذه المرحلة) بالتطور والنضج البنائي وهو أمر يضعها في مصاف الأعمال الدرامية المعاصرة في بلدان نضجت فيها التجربة المسرحية. واتسمت المرحلة بروح التجريب القائمة على أسس موضوعية ومنطق درامي مسوًغ.. وعملت بعض المسرحيات على ( تأصيل) هويةِِ خاصة بالمسرحية العراقية بالاستناد إلى توظيف أشكال تراثية وأسطورية على وفق منهج خاصِِ بها. ولم تلتزمْ المسرحيةُ المتطورةُ مذهباََ أدبياََ أو إتجاهاََ أو مدرسةََ بعينها بل حاولت تقديم إضافاتها الخاصة أو تعاملها الخاص مع هذه المذاهب والاتجاهات. وفي الوقت ذاته لم تتعامل المسرحية الجديدة مع البنية الدرامية كونها ( وصفة جاهزة) مما خلق فرصة ظهور نماذج تستفيد من مزج الأرسطية بالملحمية أو الشكل المغلق مع الشكل المفتوح...

و برؤية عامة نجد أنً مسرحية النشأة اتسمت بسيادة الرومانسية من دون إلغاء المسحة الواقعية وينقلب الأمر بعد الحرب العالمية الثانية حيث تسود الواقعية مع آثار مسحة رومانسية ؛ وبتقدم الوقت تتعدد الاتجاهات التي تصير في المرحلة الثالثة مجرد أدوات تجريبيةِِ , الغايةُ الأخيرةُ منها الوصول إلى تحقيق منجز محلي على الصعيد الدرامي . ولهذا ظهرت محاولات من نمط توظيف الأغنية الشعبية كما عند العاني ,والأسطورة كما عند عادل كاظم, والمقامة والمجالس كما عند قاسم محمد, وأعمال مسرحة القصيدة كما عند عقيل مهدي.... وغيرها.

وبنائيا كان هناك عدة دوافع أوقعت في مطبّ التفكك مسرحيتَنا . ففي مرحلة النشأة كان الأمر متعلقا بالاستطرادات السردية وفي مرحلة تعدد الاتجاهات كان تعدد الأزمات وتداخلها عاملا خالقا للتشويش أحيانا ,

وعندما وظفت المسرحية الصاع النفسي الداخلي بوصفه وسيلة رئيسة لحركة الفعل وقعت في مطبّ سكون الصراع ومن ثمً سكونية الفعل بما يتعارض مع الطبيعة الدرامية .. وفيما يتعلق بذروة الحدث كانت في كثير من حالاتها في مرحلة النشأة مجرد ذروة عاطفية أو فرط انفعال محض.. وقد ينسجم هذا مع المعالجات الرومانسية للمرحلة ؛ على أنً هذه السمة تغيرت مع تغير المعالجة الدرامية وطبيعتها واتجاهاتها لاحقاََ.

ولعلنا هنا نودّ الإشارة إلى أنً مسرحيتنا لم تكن عبوسة حتى في قيمها التراجيدية ولنتذكر سلسلة مسرحياتنا الجادة عامة فسنجد أنًها تمثل دراما معاصرة تعكس الحياة بأحزانها وأفراحها وأن لا وجود للسوداوية فيها وأذكر هذا لكي أشير إلى نمط من الأعمال التمثيلية الساخرة التي ظهرت في ظروف الحروب التي فُرِضَت على مجتمعنا وصار الإعلام يقدم لها على أنًها المسرحية الكوميدية الشعبية وهي ليست مسرحية إلاّ من باب المشترك شكليا في صورة الأداء التمثيلي أمام ( جمهور) من نمط خاص وهي ليست كوميديا لأنًها بمكونها الحقيقي مجرد ضحك على الذقون وسخرية واستهانة سمجة بالإنسان وقيمه وهي فوق ذلك ليست شعبية بهذا المعنى الذي ننتهي إليه.. إنً مثل تلك العروض تفتقر للنص الجمالي والعبارات ذات القيمة الدالة الممتعة ولايعلق منها في الذاكرة إلا ما يشير إلى إلغاء معطى الذهن الإنساني المستنير. وهي عروض تفتقر لبنية قابلة للدرس والتحليل أو التذوق الذهني , إنها لوحات أدائية سمجة ليس إلا, في مقابل ذلك جرى ويجري تشويه فكرة المسرح الجاد على أنه مسرح التجهم والاكتئاب وإرهاق النفس وليس الأمر كذلك ؛ فبمراجعة سريعة لمئات المسرحيات العراقية التي احترمت ذائقة المتلقي وقيمه تذكرنا بأن صلتنا بالمسرح الجاد ليست عابرة , إنه التجسيد الحي لتجاربنا الشعورية الجمعية وذائقتنا الجمالية العراقية.

وفي تلخيص يظهر مصادر مفردات البنية الدرامية ويسلط الضوء عليها نشير إلى عودة المسرحية العراقية إلى الخبرات المحلية وهي في الغالب تعود إلى السرديات الأدبية التي ستتغير مع تقدم المراحل.يلي ذلك الدراسة النظرية مع افتتاح المعاهد والكليات المتخصصة ثم البعثات والقراءة في النصوص والأعمال العربية والأجنبية. وغير هذا وذاك هناك العودة إلى التراث الوسيط والبعيد.. أي المجالس والمناظرات والمقامة في استدعاء التراث والأسطورة والملحمة القديمتين عند استدعاء التاريخ القديم للبلاد...هذا فضلا عن متابعة متغيرات المجتمع العراقي وتاريخه المعاصر وما حصل في بنيته من تطورات اجتماعية وسياسية, بمعنى ملخص للنقاط الأخيرة الانعكاسات الجمالية بمعنى انعكاس البنية الاجتماعية البنية الدرامية..

لقد عملت هذه المقالة على اختزال القراءة ولعل إثارة التساؤلات والحوار يمكن أنْ يضئ ما فرضه هذا الاختزال من تجاوز على تجربة ثرّة فنية تستحق الدراسات الأكاديمية والنقدية المتخصصة والصحفية .

 

 

 

 

 

المصدر والمراجع :

تطور البنية الدرامية في المسرحية العراقية د. تيسير الآلوسي.

تشريح المسرحية ترجمة دريني خشبة. مارجوري بولتن.

نظرية الأدب ترجمة د. جميل نصيف م. كوركينيان

علم المسرحية ترجمة دريني خشبة ألارديس نيكول

فن المسرحية ترجمة صدقي حطاب ف. ميلليت

تشريح الدراما ترجمة عبدالمسيح ثروت مارتن أسلن

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1