من جرائم نظام صدام!!!!!!!

الدكتور تيسير الآلوسي  \ محلل سياسي وناشط في حقوق الإنسان

                         أكثر من ربع قرن من حكم الدكتاتورية لعراق الحضارة الإنسانية العريقة, وما يجري فيه هو سلسلة من الجرائم التي بدأت بقيام دولة العصابة المافيوية فتوالت جرائمها بوتائر تصاعدية من الاعتقالات والمطاردات والاغتيالات حتى وصلت جملة من أعمال الإبادة الجماعية التي طاولت أغلب فئات الشعب العراقي ومكوناته.. ففي أول الأمر وطَّد صدام وجوده بعدد من الاغتيالات لرفاقه في القيادة أتبعه تصفية أغلب عناصر قيادة السلطة من أجل كرسي الحكم ولم يكن ذلك بمعزل عن فقدان أبسط أشكال الحريات العامة واعتماد دولة المؤسسات السرية (الأمنية المخابراتية...) وهكذا كانت حالة سيطرة الأوضاع الشاذة حيث إثارة القلق على أوسع نطاق وإشاعة الخوف والرعب في الحياة العامة تحت سيف الإرهاب السياسي بما خلق ظواهر انعدام الثقة والرقيب الداخلي الذي منع أي نوع من النشاط الجمعي وصار لزاما على الأحزاب السياسية التزام حيطة مبالغ فيها في مسائل الكسب الحزبي وفي صيغ العمل بين الجماهير في ظل سيادة نظام المخبرين الذين وصلت نسبتهم إلى 25% من مجموع السكان حتى وصل الأمر لتدمير العائلة العراقية التي اخترقها شرخ خطير في ثقة أفرادها ببعضهم , عندما بدأ الآباء يخشون من استدراج الأبناء لكشف أسرارهم أمام الجهات التي بدأت تسخّرهم في متابعاتها الاستخبارية؟! وليس من قبيل المبالغة أن الشرخ طاول الحياة الزوجية ودخل شيطان مطاردة مثل تلك الأجهزة مخدع النوم الخاص جدا!!

                                فيما شلَّ الرعب الذي شاع في الحياة العامة القدرة العقلية وفقدت الشخصية هويتها وجرى تطويعها وإخضاعها لإرادة النظام فشاهدنا شخصية مغايرة للإنسان المتنور المتحضر في بلاد الثقافة والعلوم فظهرت الشخصية التي تتقبل المفاهيم والصيغ اللاعقلانية والغيبية بما يجعلها تقف على النقيض من أي حركة تنويرية علمانية أو ليبرالية ولا ترى فيها إلا مفسدة للمجتمع وهذا ما مهّد الأرضية لعودة نظرية العادل المستبد التي وُجِدت في الفكر العربي الإسلامي في عهده الوسيط ولعل بعضا من هذا هو أيضا أرضية خصبة للتطرف وهو كذلك أرض لمعطيات الواقع المريض ومنه ما نراه من التخاذل وإظهار الفرح للامتهان والاعتداء الذي يجري على حقوق الإنسان للشخصية العراقية فصار كل فرد يتماهل في الخضوع المطلق خصما قابلا لعقوبة الدكتاتور وهو ما أهملته قوى معينة عند دعمها للنظام بوصفه أداة لمعارضة الامبريالية الأمريكية حسب رؤيتها؟! مغفلة الاستبداد والتنكيل وكل الجرائم المرتكبة بحق (الشعب) العراقي الذي يوضع كبش فداء وأضحية لطاحونة صراع المصالح الدولية والإقليمية الضيقة بما يذكرنا بالنموذج الألماني النازي للحكم..

                                   وبقراءة أولية وبعجالة نرصد جرائم ضد الإنسانية من الحجز التعسفي وتحقير السكان والتمييز العنصري والطائفي ويمكن لأبسط متابعة أن توضّح أمثلة بلا حصر عددي لمثل هذه الجرائم فسلطة أبناء الدكتاتور تتجاوز حكم القانون لتتحول إلى طغيان فاضح وخطير ليس في المساءلة والمحاسبة وإصدار العقوبات بل تصل حد التمثيل بشرف الإنسان وحياته بالطريقة التي تستجيب لأمراضهم السادية الرخيصة وهم يمتلكون حقوقا ليس في مطالبة كل عراقي بواجبات تجاههم بل في التصرف بكل خصوصيات العراقي حتى كرامته وشرفه وعرضه وحياته!! ولم يعد من فرد في البلاد يأمن على شئ من ذلك في أية لحظة وفي أي مكان يقع تحت سلطة الدكتاتور! فهل بعد كل هذا سمة من سمات التحقير والاستهانة والاستهتار؟! أما مثال التمييز [فبسيط] إنهم لا يرون في الشيعة أكثر من أشباه الأبقار والجاموس! وذلك يذكرنا بجرائم الإبادة الجماعية التي جرت لهؤلاء بقصفهم بصواريخ أرض أرض وتجفيف الأهوار وضربهم بالسلاح الكيمياوي الذي أباد فضلا عن البشر ثروة حيوانية ونباتية لا يستهان بها في الأقليم الجنوبي.

                                 ومثل هذه الجرائم ما شهدته كردستان من ضربات السلاح الفتاك كالذي جرى في نيسان إبريل 87 في السليمانية وأربيل اللتين قصفتا بالمدفعية والطيران ((هه له وت , به ركه لو , كانيتوسيروان, أوزيه,نولجكه \ وفي وادي بيلسان: شيخ وسان(مات فيها كل سكانها البالغ عددهم حوالي 400 نسمة) بيراوه, ئالانه, دراش, دوبرا, تويوتك, قه يوان, شاخه سور, قوله بوشين, قزلر , سنكر , ميولاكه وتعرض الثوار لأطنان من هذا السلاح في خه جه له رزوك, كويرنك, مريوان, ماوه ت , قره داغ وزيوه في دهوك وفي مايس 87 تعرضت قرى أربيل لأكثر من مائة قنبلة كيمياوية ومنها كاموسه ك,اسبينداره,سماقولي,ماله كان,كوره شير وعادت السلطة للقصف في الشهور التالية وكانت قمة الحملة في منتصف الشهر الثالث من عام 88 وشمل القصف مناطق جديدة من كركوك.. لقد أوغلت القوة الغاشمة في جرائمها فكان اختفاء آلاف .. أكرر هنا عشرات الآلاف من أبناء شعبنا من دون أن يتحرك أحد بشأنهم فهناك آلاف من البارزانيين وآلاف من الكرد الفيلية وآلاف من سجناء الفكر والاعتقاد والسياسة وحوالي 182 ألف إنسان من الأكراد المؤنفلين وقد اُكتُشِفت مقابر جماعية وعُرِف عن جرائم إعدام مئات وآلاف من السجناء طوال مدة الحرب العراقية الإيرانية وما تلاها في التسعينات ..

                                      وتستمر الجريمة باستمرار مرصدنا ومن ذلك عمليات الإسكان القسري حيث الإقامة الجبرية حسب إحصاء 1957 والتهجير القسري الداخلي والخارجي ومن عمليات التهجير القسري الداخلي ما جرى ويجري في قرى الأهوار وكردستان وكركوك وديالىوخانقين وكثيرا ما يرافق ذلك عمليات الإعدام وهدم دور ذوي أولئك الذين يُحكمون بالاعدام وتجريف قرى بكاملها مع ترحيل سكانها وإسكانهم قسريا ليكونوا تحت السيطرة ؛ هذا غير جرائم من نمط التجريد من الجنسية العراقية والمنع من التشغيل أما التهجير الخارجي القسري فقد جرى بأوضح أشكاله بخصوص من أُطلِق عليهم التبعية الإيرانية بالتعارض مع المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تؤكد على منع حرمان شخص من جنسيته ويذكر في هذا الخصوص قرار الأمم المتحدة في 5\12\2000 الذي دان النظام العراقي وسجله في مجال حقوق الإنسان ولا يمر دارسو حقوق الإنسان على ماجرى العام 1979 بُعيد تسلم صدام السلطة المطلقة حيث اضطر مئات ألوف العراقيين للهجرة قسرا في ظروف سياسية خطيرة كانت الاعتقالات الكيفية وأعمال التعذيب والبطش  والإعدامات بلا محاكمة طاولت آلاف الشيوعيين وأنصارهم. وبالذكر هنا الهجرة المليونية التي اضطر إليها الأكراد بغزو صدام لإقليم كردستان منتصف التسعينات وفي إطار الجرائم اليومية التي صارت عادة للنظام جرائم القتل والاغتصاب بشكل مستهتر ومفضوح وبالجملة يمكن تسجيل جرائم نظام صدام الدموي الدكتاتوري حسب التوصيف الآتي:

   جرائم العدوان كما جرى في الحرب ضد إيران 1980 وضد الكويت  1990              فضلا عن التهديد للدول المجاورة بالحرب أو الاحتلال.

   جرائم الحرب من انتهاك الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمعاملة المدنيين أثناء الحرب واستعمال الأسلحة المحرمة ونهب الممتلكات العامة والخاصة أثناء الاحتلال (إيران والكويت) وسوء معاملة الأسرى وقتل بعضهم وتغييب الآخر.. ومهاجمة المؤسسات العلمية والثقافية والمستشفيات وتدمير الآثار مثل ما حصل في قصر شيرين..وحرق آبار النفط كما حصل في الكويت وهدم القرى وتهجير سكانها (4500 قرية كردستانية خضعت لهذه الأفعال الهمجية)...

   جرائم ضد الإنسانية من جرائم القتل الفردي والجماعي والاغتيالات والتعذيب والاضطهاد الجسدي والنفسي والاغتصاب والحجز التعسفي والتهجير وإسقاط الجنسية وتحقير السكان والتمييز العنصري والطائفي والعشائري.. (اغتيالات حردان التكريتي وعبدالرزاق النايف والسيد مهدي الحكيم ـ الخرطوم 86 ـ وطالب السهيل ـ بيروت 94 ـ وكل هذه وكثير غيرها جرت على أراضي دول غير العراق) وتعرضت على أساس اللقب العشائري لأعمال تنكيل آل الجبور وآل الفرطوسي وغيرهما ومعروف إسقاط الجنسية عن شخصيات مهمة في عصرنا مثل الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ورائد الشعر الحر عبد الوهاب البياتي وآخرين ومازال في حالة الحجز التعسفي والتغييب آلاف من شبيبة زمن صاروا اليوم من الكهول إذا كانوا على قيد الحياة حتى اليوم...

   جرائم الإبادة الجماعية

إذْ جرت إبادة كل أو جزء من مجموعات سكانية عراقية طوال مدة حكم الطاغية لأسباب انتمائهم اقومي أو الديني أو الطائفي في محاولة لتحقيق أهداف رخيصة للنظام ومن تلك الجرائم ذكرنا جرائم الأنفال وضحاياها الـ 182 ألف وجريمة قطع نسل البارزانيين للحد من تكاثرهم أو منعه وجرائم تجفيف الأهوار بما يؤثر في البيئة ويمنع العيش هناك فضلا عن جرائم استخدام أسلحة الدمار والقتل الجماعي ومن جرائم الإبادة ما يندرج في إطار إبادة الجنس البشري سواء كان ذلك ماديا بالتصفية الجسدية أم معنويا كما يحصل مع منع تسجيل الانتماء القومي تجاه الآشوريين والأكراد وعمليات محو الهوية...

  جرائم أخرى مثل عقوبات تجري في إطار المؤسسة العسكرية كما هو الحال مع إنزال الرتبة والمراقبة الدائمة لمواقع العمل والسكن وتسجيل المكالمات الهاتفية والحرب النفسية وقطع الأذن ووشم الجباه وقطع اللسان و جزّ رأس المرأة وتعليقه على باب بيتها والاضطهاد السياسي والاجتماعي بأشكاله ومعروف حجم التوسع في قاعدة التحريم السياسي في البلاد إلى حد وصل الأمر فيه إلى تجريم حالة التذمر من مصاعب اليوم العادي للفرد أو الاستماع لإذاعة أجنبية فضلا عن عدم تحديد الجريمة السياسية حيث منحت السلطات لنفسها حقوقا منفلتة في ملاحقة خصومها السياسيين إلى درجة شملت تلك الملاحقات القرابة إلى الدرجة الرابعة بل وصل الأمر إلى حد تجريم العشيرة أو المدينة بكاملها كما حصل مع الدجيل والخالص وبلد والجبور وغيرهم...ومن الجرائم ما تعلق بخرق الدستور وعدم تطبيقه إلا بشكل كيفي يخدم مصالح النظام  واختراق القضاء  وتسييسه وإخضاعه لسلطة الحاكم الدكتاتور ومصالحه الخاصة..

                                      وليس بعد هذه اللمحة السريعة في جرائم النظام نقطة يقف عندها دارس حقوق الإنسان لأن طبيعة النظام تتفق واستمرار نهجه الاستبدادي الدموي المعادي لأبسط مفاهيم تلك الحقوق حيث العراقي في ظله لا يساوي شيئا ولا نقول كائنا حيا أو بشريا ومن ينظر إلى الجريمة من زوايا أكثر عملية يجدها لفَّت وشملت مختلف قطاعات الشعب فللأطفال حصتهم ليس من الدواء والغذاء بل من القتل الجماعي حتى وصل عدد الضحايا شهريا الخمسة آلافولم يعد لهؤلاء من التعليم والصحة ما يوقف إبادتهم ماديا ومعنويا وللنساء حصة من قرارات الطغمة الحاكمة حيث بوشر بقطع رؤوسهن وتعليقها على أبواب بيوتهن في سابقة همجية لم يشهدها العصر وحصة الشيوخ مهانة ما مر بها قبلهم شيخ وظل حيا وصامتا ولم تترك الجريمة للشبيبة ما تفكر فيه أكثر من حق البقاء وهي تصارع في ظل ظروف توازن تكرهها على انحسار قاسِِ ولكنه يحمل في طياته مستقبل التفجر والتغيير.. إذن كل هذا يجري أمام الأنظار  ومازال في يومنا مَنْ يتعامل مع صدام ويلتقيه ويؤسس لمشاريع لا تمثل إلا استهجانا واستهتارا بقيم الإنسانية ومثل هؤلاء في الحقيقة يشاركون المجرم جريمته وهذا أبسط ما يمكن أن نصفهم به حتى هذه اللحظة.. إنهم يضيفون للجريمة قائمة مجرمين آخرين بحق الشعب العراقي الذي سيتخذ بشأنهم ما يستحقون من معاملة في الغد القريب  حيث سلطة القانون تلغي سلطة الطغيان والجريمة  مرة أخيرة وإلى الأبد..

 

 

www.geocities.com/Modern_Somerian_Slates Website:

TAYSEER1954@naseej.com E-Mail: 

 

 

1