اللاجئ العراقي:قراءة في مؤثرات العيش في ( المخيمات) لمدد طويلة

 

تعرض العراقي لصنوف القهر والحرمان والتعذيب واستلاب جميع حقوقه المدنية والسياسية في ظل نظام ديكتاتوري دموي عدواني .. لم يتوانَ عن ارتكاب أشكال الجرائم المحددة في القوانين الإنسانية والدولية... لقد خلق وجود مثل هكذا نظام أوضاعا إنسانية شاذة , فأوجدت في بلاد الحضارة والسلام ظواهر مرضية غطت المجتمع العراقي برمته. فوقفت ظاهرة الإرهاب على رأس سياسات سلطة العصابات الحاكمة في بغداد ما كان من نتائجه أمراض القلق والخوف وسيادة انعدام الثقة والتقوقع على الذات بعيداََ عن أي عمل جماعي مع خلق الرقيب الداخلي خشية الوقوع في مصيدة جيش المخبرين الذي تغلغل حتى دَخَلَ في بنية العائلة العراقية..

إن جرائم من نوع الإبادة البدنية تجاه فئات وقوميات وإثنيات المجتمع العراقي وكذلك الإبادة المعنوية قد جرت بشكل لم يحصل في تاريخ الشعوب .. لقد وضع النظام العدواني الديكتاتوري شعب العراق في محرقة حروب عدوانية ضد جيرانه عدة مرات ولسنوات طويلة ؛ وغير ضحاياها من مئات ألوف الشباب هناك نتائج تلك الحروب إقتصاديا وإجتماعيا .. كما ارتكب جرائم أباد فيها مئات ألوف أخرى من مختلف الفئات والقوميات في ضربات عسكرية استخدم فيها الأسلحة المحرمة ضد شعبه ( السلاح الكيمياوي) وهو يستخدم ( أحواض الأسيد) في جرائم ضد السجناء والمعتقلين لأسباب سياسية .. مثلما يستخدم الإعدام الجماعي ودفن الأحياء في مقابر جماعية... وسلسلة ما يتعرض له العراقي لا يمكن اختزالها في مقالة صحفية .. فلدى المنظمات الدولية أطنان من الوثائق الصريحة والدقيقة بهذا الصدد.

غير أنً معاناة العراقي لا تنتهي مع مغادرته سجن الطاغية الذي جعل حدوده بحدود وادي الرافدين, وإنًما تمتد لتشمله حتى وهو على بعد آلاف الأميال عن يد النظام وجلاديه.فإذا تجاوزنا الاستغلال البشع الذي يتعرض له الهارب من عذابات بلاده في طريقه إلى بلدان اللجوء , وهي مليئة بصور الرعب والموت (مثال ذلك غرق العبًارات والسفن : آخرها أمام سواحل أستراليا...) ؛ إذا تجاوزنا ذلك فإننا أمام حالة غريبة من المماطلة والتسويف أو من امتداد مدة دراسة طلب اللجوء حيث أصبح اليوم في بعض بلدان أوروبا يقبع ملف طلب اللجوء للدراسة لمدة تقاس بالسنوات في حين أشارت المادة (13) من اتفاقية ضد التعذيب واتفاقية منع ومعاقبة إبادة الجنس البشري إلى:- " ضمان دراسة عاجلة لأي شخص يذكر أنه تعرض للتعذيب البدني أو النفسي ومنحه حقوق …" إنً مثل هذا التحديد لمدة دراسة طلب اللجوء لم يأتِ من عبث بل استند إلى حاجة طالب اللجوء إلى توافر شروط إنسانية تحفظ له وجوده وتوفر له حقوقه التي كفلها القانون الدولي… لقد تحدث روزفلت عن الحريات الأربعة في إطار حقوق الإنسان وهي :- الكلام والتعبير , الدين , الحرية من الخوف , الحرية من العوز كما ذكّر آخر (سايروس) بحقه ضد انتهاكات الحكومة , اشباع الحاجات الأساسية من سكن وغذاء وصحة وتعليم وحريات مدنية وسياسية ؛ و ذكر (لوك) الحق في الحياة والحرية من نظم الطغيان والحق في الملكية.. فإذا أخذنا حق السكن والحاجات الحياتية اليومية فإننا نجابَه بالإسكان القسري لمدد طويلة في مخيمات أو معسكرات معزولة في الغالب عن الحياة المدنية المحيطة بأشكال مختلفة حيث توجد تلك ( المعسكرات) في أماكن يعاني سكانها من مسألة المواصلات لمجرد توفير الغذاء بخاصة في الظروف الجوية الشتوية العاصفة الممطرة القارصة كذلك في وصول (بعض) الأطفال إلى مدارسهم ناهيك عن انقطاع هؤلاء عن أي نمط من الأنشطة الحياتية الثقافية أو الاجتماعية أو المدنية بكل تفاصيلها بسبب هذه العزلة والإمكانات المادية المكلفة حيث طالب اللجوء ممنوع من العمل ومن أي مورد مادي غير (مصروف الجيب) الذي يخصصه بالكاد لغذائه وغذاء عائلته.

إنً مثل هذه الحالة : حالة الانتظار في معسكرات اللجوء لمدد طويلة تمثل إسكانا تعسفيا أو حجرا يُشعر لسكان بالمهانة والتحقير والتمييز وهو ما عُدً من الجرائم ضد الإنسانية ومن ثم فهو محرًم في القوانين الدولية الراعية لحقوق الإنسان .. إنً مثل هذا الاحتجاز يمثل اعتداءََ نفسيا صارخا مؤداه أو من نتائجه خلق تشنجات نفسية بل أمراضا نفسية علاوة على تلك التي خلًفها النظام القمعي الذي غادره طالب اللجوء ومثل هذه التشنجات لاتقف عند حدود ما تخلقه من مؤثرات سلبية خطيرة في حياة طالب اللجوء بل تتعداه نحو خلق صدامات (معنوية) فكرية وسياسية تتعارض مع أهداف خلق الاندماج الإيجابي بين طالب اللجوء والمجتمع الجديد الذي يحلّ ضيفا عليه أو عضوا فيه.

إن التعامل مع ملفات اللجوء بشكل فردي لا يتعارض مع حسمها بدراسات عاجلة أو بزمن لا يكون مدة حاضنة لتفريخ المشكلات النفسية والاجتماعية ومن ثم خلق التشنجات في المواقف السياسية والفكرية بين طرفي القضية.. كما أن الحالة العراقية واضحة في بنود القوانين الدولية إذ تشير المادة (3) إلى أنه " لا يجو زلدولة طرد أوإعادة أو تسليم شخص إلى دولة أخرى في وجود دواعي تعرضه للتعذيب{ومن الدواعي وجود خروقات منهجية واسعة وصارخة لحقوق الإنسان". وبمراجعة عشرات القرارات الصادرة من منظمات حقوق الإنسان والعفو الدولية والأمم المتحدة ومنها بالذات قرار688 نتأكد من طبيعة النظام العراقي ومن ظروف العراقي المعقدة حيث تُستلب أبسط الحقوق الإنسانية حتى يتحول المواطن العراقي إلى أسوأ من ظروف زمن (العبيد) و (العبودية) إذْ لا يملك حتى حق الحياة حيث حياته ملكا مشاعا مطلقا للحاكم الطاغية.. وفي المادة العاشرة من اتفاقية ضد التعذيب نقرأ فيها الآتي :- " موظفو الدولة الموقعة لديهم معلومات عن التعذيب البدني والنفسي ويمتنعون عنه بأي شكل..." وعليه فإن مسألة إطالة حالة الانتظار في ظروف إسكان المنعزلات أمر غير محمود العواقب من جهة المؤثرات السلبية النفسية والاجتماعية أولا حيث يشعر طالب اللجوء بالحيف والظلم تجاه حقه في الحياة الحرة الكريمة بعيدا عن أية محددات وشروط تسلبه وجوده الإنساني مثل بقية البشر ويشعر بعزلة مقصودة مفروضة عليه بشكل قسري غير قادر على ردِّه أو ردِّ آثاره المرضية ؛ فليس كل طالب لجوء عالم نفس كي يعالج مصادر التأثير على أوضاعه النفسية وأوضاع أفراد عائلته من الأطفال والنساء وغيرهم … تعكس حياة الغرف الصغيرة الحجم لمدة طويلة استعادة في مخيلة الساكن فيها (استعادة) لحياة السجن والزنازين الإنفرادية وهي في الآلية النفسية تطارد وعي الفرد في أحلامه مشكِّلة ( رُهاباََ) نفسيا و(كوابيس) تخلق هذه بدورها ضغوطا وتوترات نفسية واجتماعية أيضا لا تُحَلّ في الغالب إلاّ بتفجرات لمشاكل واصطدامات مع الذات ومع الآخر - الزميل أو أفراد العائلة - فضلا عن الجيران وطاقم الخدمة في المخيمات أو المعسكرات.

ومما يعقِّد المسألة انعكاس كل هذه الأشياء بشكل مباشر أو غير مباشر على تكوين وعي الأطفال ومن ثم على أوضاعهم النفسية وعلى مستقبل شخصيات هؤلاء وطاقات تفاعلهم إيجابيا أو سلبيا مع الآخر داخل العائلة وخارجها بحسب المدة التي يقضونها في مثل هكذا أقفاص أو صناديق قد تنفع في ظروف استخدام إيجابية غير هذه التي نراها الآن.. ألا يمكن لمثل هذا الوضع أنْ يثير الاحباط وخيبة الأمل بالمجتمع الإنساني ؟!! ألا يمكن لمثل هذا الوضع أنْ يزيد ويعمق ظواهر الكبت والضغط النفسي الداخلي؟ ثم ألا تولِّد مثل هذه الضغوط بآليات نفسية ( لا يتعمدها ولا يقصدها طالب اللجوء) إلى الإنفجار بتصرفات وردود فعل اجتماعية وسياسية غير طيبة وغير مفيدة لكل الأطراف؟

إنً أي ظرف أوجد حالة تراكم طلبات اللجوء بمثل هذا العدد الهائل بخاصة ما يتعلق بالحالة العراقية ( حيث لم يشهد العراق عبر تاريخ حضارته الممتد إلى عشرة آلاف عام مثل هذه الظاهرة من الهجرة أو اللجوء الجماعي)ينبغي أنْ تُدرس الوسائل الكفيلة لتجاوزه وحلّه بطريقة تكفل احترام القوانين من جهة وحقوق الإنسان من جهة أخرى وتمنع خلق مزيد من الصعوبات والاشكالات لطالب اللجوء العراقي بل خلق مزيد من مصادرة حقوقه الأساسية بسبب ذلك ... وعلى أقل تقدير ينبغي تخفيف آلام فترة الانتظار بتوفير شروط إسكان ومعيشة خلال هذه المدة لا يشعر معها طالب اللجوء بمساس بكرامته وحقوقه التي جاء من أجلها إلى هذه البلاد متغربا عن بيئته ومجتمعه الأصلي قسرا وإكراها....

وإذا كان من ملاحظة تذكر هنا فإن هذه القراءة هي مساهمة أولية القصد من ورائها تبادل الرأي والوصول إلى حلول موضوعية ملائمة يكون مردودها إيجابيا و بنًاءََ لجميع الأطراف....

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

website:www.geocities.com/Modern_Somerian_Slates 

Email:TAYSEER1954@naseej.com

1