أوضاع طالبي اللجوء العراقيين وفكرة إعادتهم إلى كردستان العراق

 

جاءت ظاهرة الهجرة الجماعية لأبناء وادي الرافدين ولجوئهم إلى أقطار تمتد من بلدان الجوار وحتى أقاصي الأرض, جاءت انعكاسا لأسوأ ظرف تاريخي مرً به شعب السلام والحضارة الذي لم يعرف تاريخه الطويل عبر عشرة آلاف سنة من مسيرته في الصراع ضد أشكال الحروب والغزوات التي تعرض لها , لم يعرف عنه نزوعا نحو الهجرة والنزوح بل عُرِف بحب الاستقرار والتمسك بأرضه والعيش فيها تحت أقسى الظروف التي مرّ بها , مقدّما من أجل بقائه فيها أوسع التضحيات وأكبرها حجما..غيرأنً الظرف التاريخي الجديد اختلف في جوهر تأثيراته ونتائجه فكان ذلك دافعا قسريا شرسا لغربة تلك الأعداد الكبيرة من العراقيين بخاصة منهم العلماء والكتّاب والمثقفين والصحفيين والفنانين والعقول التي أدارت الحياة العامة المتنورة وأعمال التمدن والتحضر وقادت مسيرة التقدم في بلادنا...وبعد سنوات الغربة ومحاولات التأقلم مع المجتمع الجديد وخلق آفاق حياة جديدة وبعد مسيرة الآلام لتحقيق مثل هذا التأقلم نلاحظ أوضاعا مختلفة حيث يواجه عشرات الألوف من طالبي اللجوء معاناة قاسية جراء سياسة الإبعاد القسري ومحاولات إعادتهم إلى كنف النظام الذي خرجوا محتجين على جرائم الإبادة التي مارسها ضدهم مع أنً هذه السياسة تتعارض مع المادة الثالثة من اتفاقية ضد التعذيب التي تنص علىعدم جواز طرد أوإعادة أو تسليم شخص إلى دولة أخرى في ظل وجود دواعي تعرضه للتعذيب وفي حالتنا العراقية تعرضه للموت بشكل مؤكد كما هو معروف للجميع سجل نظام الموت الحاكم في بغداد.

والسؤال في إطار ما يُطرَح من مشاريع إعادة العراقيين المشار إليها , هو ما الذي تغير في النظام الديكتاتوري الدموي في العراق لكي تُعلَن سياسة الإبعاد والإعادة هذه؟ ماالذي تغير فيه سوى أنًه صار أكثر دموية وتنويعا لوسائل استباحته للحياة العامة واستهتارا أكثر في مخالفته كل الأعراف والقوانين الإنسانية في التعامل مع شعب الحضارة والحرية والسلام؟!! فلقد اتسعت قاعدة التحريم السياسي واتسعت مسؤولية الجريمة السياسية لتشمل في تبعاتها العقابية لا العائلة والعشيرة حسب بل أبناء القرية والمدينة بالكامل كما حصل في مدن لخالص,بلد,الدجيل ومدن أهوار الجنوب وغيرها كما شُمِلَتْ أقاليم العراق وأعراقه وقومياته وأديانه وطوائفه جميعا بالاضطهاد السياسي وصارت القاعدة الوحيدة للحياة هناك هي الخضوع المطلق للطاغية وأهوائه وصرنا نحيا في ظروف عصرالرقّ والعبودية بل بما هو أبعد منها وأقسى حسب قراءة ما نعيش تحته من أوضاع....

لقد خدمت ظروف الحصار الاقتصادي المفروض على بلادنا سياسة النظام هذه .. ولعل من المؤسف أنْ يشير العراقيون إلى معاناة أخرى جديدةلا تتمثل في نظام الحكم الفاشي الدموي الذي يوظّف الظروف الدولية والإقليمية لخدمته في حين يجابه العراقيون في ظل استمراره موجات الأمراض والمجاعة والإعدامات بالمفرد والجملة, و حرب مطاردات قذرة وتصفيات في صفوفهم جميعا لم يمنعه من ممارستها حتى على أراضي الدول الأخرى أية مواثيق أو أعراف, بالإشارة هنا إلى عمليات الإغتيال التي حصلت للمعارضين في أراض عربية وأخرى أوروبية.. فإذا هم نجوا من كل ما جرى ويجري في الداخل فإنًهم يقفون بعد ذلك أمام أوضاع عبور الحدود ومواقف الدول ومصالحها وأحكام قوانينها وملابسات دراسة طلبات اللجوء, التي تمتد للتحقيق في هوياتهم( لسنوات طويلة) قبل أنْ يُبَتّ فيها وهو أمر مؤلم فضلا عن مخالفته المادة الثالثة عشرة من الاتفاقية التي تشير إلى ضمان دراسة( عاجلة) لأي شخص يذكر أنًه تعرض للتعذيب البدني أو النفسي ومنحه حقوقه الإنسانية ...وفوق هذا وذاك يُناقَش اليوم بعيدا عن إرادتهم ومشاركتهم في تقرير مصائرهم قوانين تتعلق بأمر إرسالهم من جديد إلى مقربة من أذرع إخطبوط صدام الموت والدمار التي تمتد في جميع أنحاء العراق ومنها ((كردستان)) حيث يستمر تهديد النظام للإقليم , ونذكّر هنا بالاجتياح الذي حصل (تحت ظروف ما يُسمى بالحماية نفسها التي تقوم الآن) وذلك في العام 1996 ولم يمنعه عن ذلك الفتك والتقتيل والتخريب لا المظلة الجوية ولا التوازنات الدولية وحسابانها....ولو كان العراقيون يعرفون بأي شكل من أشكال الحماية أو الأمان في أي بقعة من أرض العراق ما قطعوا كل هذه المسافات وتعقيدات التنقل ومخاطر الموت ( التي تعرضوا لها بالفعل في البحار المحيطة باستراليا وسواحل أوروبا جنوبا وشمالا والاختناق بالشاحنات.. وغيرها مما لم يُعلَن أو يُعرَف بعد ولم تُسَجّل أية مواقف ترتقي إلى مستوى الحدث)..إنً المخاطر التي نشير إليها هنا ماثلة للعيان والمتابع لشؤون حقوق الإنسان في العراق يعرف بحملات تنظيف السجون وغرف الغاز المجهزة للإعدامات الجماعية التي كُشِفَ عنها مؤخرا فضلا عن تلك المصادمات الدموية والاعتقالات واختطاف عوائل السياسيين ووضعهم رهائن لدى الأجهزة الأمنية وتصوير أفلام إغتصاب زوجات أو أخوات أو بنات المعارضين وإرسالها إليهم بغية الابتزاز والوصول إليهم لينتقل الصراع إلى أماكن عيشهم الجديدة التي اتجهوا إليها حيث غادروا البلاد في حالة ابعاد قسري وإكراه تحت ضغوط عنيفة متنوعة. والعراقيون إذْ يتجهون بحثا عن ملاذ آمن بعيدا عن الآلام والإستغلال البشع لسلطة الظلام والموت والدمار وبعيدا عن أسلحة الدمار الشامل المستخدمة ضدهم مرات ومرات, فإنًهم في أقل تقدير يبتعدون عن أجواء ملوثة اليوم ببقايا اليورانيم المنضّب وإشعاعات المفاعلات النووية المدمرة والأسلحة المدفونة في بقاع غير معروفة ولم يكشف عنها النظام حتى يومنا هذا ومثل هذه الحقيقة رصدتها المنظمات الدولية المختصة وسجلتها في تقاريرها المعلنة, إذْ يذهب ضحية هذه المشكلة الخطيرة عشرات الألوف سنويا بخاصة من الأطفال والشيوخ فضلا عن الولادات المشوهة طوال السنوات العشر الأخيرة ..ومن المناسب هنا التساؤل إذا كان صحيحا العودة بالناس إلى حيث مثل هذه الظروف الخطرة على حياة الإنسان وصحته؟!!...

وتأكيدا على مجريات الأوضاع في كردستان العراق بالتحديد فلابد من التذكير بما يحتاجه الإقليم من مشروع مارشال جديد لتطهير أرضه من الألغام المدفونة فيها وتحصد بشكل شبه يومي أرواح أبناء الإقليم أو في أقل تقدير تُحْدِث لهم التشوهات سواء في بتر أذرعهم أو سيقانهم أو كليهما ولابد من العودة إلى الإحصاءات الخاصة بالأمر للكشف عن حجم هذا الخطر الكبير الذي لم تستطع إمكانات حكومتي الإقليم من حلها بمفردهما ولا تتوافر كل خرائط أماكن حقول الألغام عند الحكومتين فهذه المهمة يجب أن تتضافر لها كل جهود الأطراف التي خاضت الحروب منذ الثمانينات وحتى اليوم.

وإلى الذي يريد إعادة العراقيين بقرار وأوراق رسمية سجلت لنفسها كل ما يمكن أنْ يكون (مبررا إنسانيا) نسجل له هنا مقدار آثار الدمار الشامل الذي فرضته ظروف كل الحروب التي دارت سواء الحرب العراقية الإيرانية أم الحرب بين النظام وقواته الخاصة من جهة وقوات التحالف الدولي من جهة أخرى هذا غير حالة الإحتراب الكردي الكردي الداخلي الذي لم ينتهِ ولم تنته آثاره حتى يومنا, فضلا عن التدخلات الأجنبية التي صارت أرض كردستان العراق مسرحا د وريا ومستمرا لها من دون رادع سواء من ذلك قوات إيرانية أم تركية تتذرع بمطاردة قوات تهدد أمنها انطلاقا من أرض كردستان العراق؟ وكذلك مخاطر قوات حزبية أجنبية معروفة كان أخطرها وآخرها دخول قوات ما يُسمى جند الإسلام وهي من بقايا فلول العرب الإفغان الذين عادوا من أفغانستان بعد الحرب الأخيرة فعاثوا في أرض كردستان تقتيلا وذبحا بالأهالي ومنهم النساء والأطفال ثم ذهبوا في مغالاتهم وتطرفهم إلى تكفير بقية الفرق الإسلامية وهدموا في الأيام الأخيرة مراقد الشيوخ النقشبندية واصطدموا بفرق قريبة إليهم وهي فرق انشطرت وتعددت و هي في جميع الأحوال تمارس التقتيل وتثير مشكلات خطيرة في حياة الناس الذين يسعون إلى السلام والأمان والاستقرار ولكن بغير جدوى في ظل تصرفات هذه الجماعات؛ وهذه المشكلة ما زالت ذيولها وآثارها موجودة بأشكال مختلفة يمكن الجزم بأن ذبح النساء بذريعة موضوع (الشرف) الذي طاول حوالي عشرة آلاف إمرأة خلال العقد الأخير في كردستان هو واحد من أشكال تلك التصرفات المنافية لأية قيم إنسانية إيجابية سامية...وعلينا بعد ذلك تسجيل المشكلات الاجتماعية والصحية الخطيرة ومشكلات الإسكان التي لاتستوعبها طاقة إدارة الإقليم في الظرف الحالي القائم على مفردات محدودة بما يُسمى خطة النفط مقابل الغذاء إذْ يُصرَف للإقليم مقدار خاص بسجلات أبنائه وهنا لابد من الإشارة إلى عدم وجود أي سجلات للعرب والتركمان والكلدان والآشوريين والصابئة وغيرهم من أبناء الوسط والجنوب العراقي حيث نصل هنا إلى التساؤل الآخر المطروح تحت هذا الإطار هو ماذا سيحصل لو أرسلنا أفواجا من عشرات ألوف طالبي اللجوء إلى منطقة بكل هذه التوصيفات من الأجواء السلبية والمخاطر والتهديدات ؟؟

إنً أكثر من علامة تعجب توضع أمام أي قرار يغفل هذه الأوضاع مرتكبا أو مساهما في إضافة ورقة عذابات أخرى للاجئ العراقي المعرّض أصلا لعذابات القلق وعدم الاستقرار والأزمات النفسية والاجتماعية للغربة ونتائجها السلبية الخطيرة..لذا فإنً هذه الورقة تعوّل على تعاضد كل قوى الخير والسلام والديموقراطية وإلى عدالة القضاء ونزاهته في جهود وقف أية إجراءات مضرة بمصالح اللاجئ العراقي, ففي الوقت الذي ينتظر طالبو اللجوء إنصافهم وإجابة طلباتهم على وفق القوانين المقرّة دوليا .. يسمعون بأنباء قرارات سياسية أو إدارية تقرأ الأوضاع المأساوية المعقدة قراءة ذرائعية باتجاه غلق ملفاتهم وإعادتهم إلى حيث يقعون من جديد تحت وطأة مطاردات النظام وأنشطته في البطش والتنكيل بهم,إذْ نعرف أنشطة من مثل التفجيرات التي يقوم بها عملاء مأجورون للنظام في الإقليم ووكلاء المخابرات التابعة له الذين ينتشرون بكثافة واضحة اليوم هناك ويمارسون عمليات الاختطاف والتفجيرات والتقتيل والارهاب!! ثم هل ينبغي أنْ ننسى انتشار قواته حول الإقليم في جاهزية للهجوم في أول فرصة سانحة عُرِف عنه استغلالها في ظل أجواء ترشح باحتمالات الاشتعال من جديد والوضع الخاص بالإقليم لاهو بمحمية دولية توفر أمنا ولاهو بممتلك لشروط الدفاع عن وجوده وأمن ساكنيه.

وجملة القول فإنً اللاجئ العراقي الذي ينتظر دعمه في تقديم رأس المظالم والاضطهاد ومشعل الحروب ومسبب الدمار إلى المحاكمة الدولية, لايجد في اقتلاع بعض أبنائه ممن ولدوا هنا في المجتمع الجديد وإرسالهم إلى أجواء لم يعهدونها وتحتوي في طياتها أبشع المخاطر التي تهدد حياتهم وحياة آبائهم في حال إعادتهم لمنطقة كردستان , لايجد في مثل هذه القرارات عملا ينسجم مع القوانين ولامع الشروط الإنسانية وأعرافها في التعامل مع هذه القضية.. ولعل إعادة دراسة القرار ومناقشة العارفين بأجواء الإقليم مهمة ملحة ومباشرة وضرورة فورية لوقف مزيد من الآلام التي يتعرض لها الإنسان العراقي في منفاه وغربته فيه بكل ما يقسوا عليه هذا المنفى من آلام...

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

website:www.geocities.com/Modern_Somerian_Slates 

Email:TAYSEER1954@naseej.com

1