قلق المواطن ولقمة العيش المسمومة

أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

رئيس جامعة ابن رشد في هولندا

tayseer54@hotmail.com

 

 

المواطنُ العراقي يقعُ اليوم تحت تأثير مطاحن جهنمية مهولة. فتدني مستوى المعيشة وهزال القدرات الشرائية تجعل من لقمة العيش أبعد منالاً للفقراء! وهذه الفئة تزداد أوضاعها تدهوراً حيث تعمّق فجوة الفقر لجملة أسباب متنوعة؛ والكارثة هنا أنَّ الخزينةَ خاويةٌ على وفق المصادر الحكومية الاتحادية نفسها..! والموازنة متراجعةٌ باستمرار، على الرغم من ضغطِ النفقاتِ وتحميل المواطن المغلوب على أمرِهِ آثارَ الأزمة الشاملة.

ولعلَّ تلك الأزمة الكارثية ناجمةٌ عن جملةِ أمورٍ وظواهر ليست معقدة الرصد. فمنها استراتيجيات التخطيط الاقتصادي وتعطل مشروعات التنمية والشلل التام في القطاعات الرئيسة الصناعية والزراعية، وفشل إجراءات الإصلاح. والخلل البنيوي الذي أودى بإمكاناتِ التنفيذ للخطط، حدّ التوقف التام الذي ترك مدوَّراً مالياً (افتراضيا) على مدى السنوات العجاف ونشدِّدُ هنا على مصطلح افتراضيّ أو وهمي؛ لأنّ تلك الأموال غير موجودة ولم تعُدْ إلى الخزينة!!

إنَّ مليارات الدولارات هي قيد الصرف لمصالح الفساد والمشروعات الوهمية وصفقاتهما أو تلك التي صُرِفت على الورق. ومليارات أخرى يُفترض أنها مدوّرة ولم يتم صرفها ومع ذلك فهي فعلياً غير موجودة! ولا يوجد لها أيّ باب للصرف حتى على الورق ووهمياً!؟ ومليارات الخزين من الاحتياطي الاستراتيجي فيها كثيرٌ من الأسئلة! وفضلا عن هذا وذاك فهناك صرفٌ اكتنفه تضليل شديد تمَّ استيلاد مصطلح له بمسمى رواتب (الفضائيين)؛ ولكن في أيّ جيب ذهب فعلياً؟ وهناك من كوارث المواطن العراقي، ما يُصرف من رواتب بلا فعل إنتاجي كما بشريحة موظفي وزارة معطَّلة بالتمام والكمال (الصناعة)! وبلا تصور ملائم لمعالجة المشكلة في جوهر وجودها..

النكبة المحتمل إضافتها، تكمن في رسم الميزانية في ضوء سعر برميل النفط  المتدهور بقيمته إلى حدّ وصوله لثلث سعره المعروف. وحتى بعد مطاردة الانحدار السعري مازال الانحدار أسرع من التخطيط المتلكئ. وبالنتيجة فإن العجز مستمر بالظهور وليس من يفكر بتوظيف المدوّر المالي بمشروعاته الوهمية؛ ولا من يفكر باستعادة المنهوب بمشروعات الفساد وصفقاته؛ ولا من يضع حداً للخلل الهيكلي البنيوي للاقتصاد ولخطل السياسة العامة فيه... فالنكبة بالمحصلة واقعة على المواطن المطحون بالأزمة المستفحلة هذا مع إغماض الأعين عن الاتجاه للانهيار الشامل في ضوء التداعيات والاتجاه نحو إعلان إفلاس البلاد ومن ثمَّ الاتجاه نحو رهن أرضها ومواردها الطبيعية وقدراتها البشرية بمعنى بيع الوطن واستعباد الناس!!

ولكن، حتى عند التفكير بالزراعة علاجا بديلاً، كون العراق أرض السواد، فإنّ الأمر مستغلق بسبب الخراب الشامل في هذا الميدان؛ من قبيل تحول الأرض الزراعية إلى أراضٍ بور غير صالحة والنقص الفادح بالموارد المائية والخطل في استغلال تلك الموارد وتصحّر أراضِ أخرى وانهيار قدرات المنافسة بين المحصول الوطني وبين تلك الواردة بطريقة إغراق السوق المحلي بالمنتج الأجنبي!!

لقد تمّ إهمال المحاصيل الاستراتيجية حتى انحدرت لمستويات متدنية، وعلى الرغم من محاولات الإصلاح والتغيير بخصوص  فرص توفير الحنطة والشعير والذرة وتحديد العام الحالي للاكتفاء منها إلا أن كارثة أخرى حلَّت لتقف عثرة عميقة الغور حين فقدت البلاد ما يربو على الـ40% من الأرض الأغزر إنتاجاً لسطوة الإرهاب الداعشي. ولكننا بحاجة للتذكير أيضاً بأن ثلث الشعب العراقي أو ما يعادل 11 مليون يتبعون القطاع الزراعي قد تحولت نسبة كبيرة منهم بسبب الخراب بهذا القطاع وهجر الريف إلى المدينة. الأمر الذي يعني نضوب في المنتجين العاملين وبقاء الفئات الأفقر معرفياً وقدرات على الإنتاج، فضلا عن إضافة عبء ثقيل على المدينة وعلى أكداس العاطلين عن العمل فيها بسبب هجرتهم...

إنَّنا بمجابهة احتدام مقلق للمواطن وأزمة تقض مضاجع الناس في عيشها. فلقمة العيش التي بالكاد تتوافر اليوم وبضغوط ومنغصات بلا أول ولا آخر، تتفاقم فرص الحصول عليها بل تتهدد بتأخر رواتب ملايين المواطنين من الشرائح الفقيرة وينضاف إليها اليوم مجموعات أخرى! ولعل أبسط علامة وإنْ كانت مكشوفة السبب هي تلك التي تتحدث عن احتمال عدم تمكن الحكومة من سداد رواتب الوزراء والنواب للشهر الجاري. إنّ تفاقم مسببات القلق قد تتحول إلى ما أشرنا إليه من ظرف أردأ مما جرى لليونان عند إعلان الإفلاس فيها... فما التوقعات المنتظرة؟ وما البدائل المفترض العمل بوساطتها؟

لقد توافرت فرص تغطية الحاجات من المحاصيل الاستراتيجية مثل الذرة والقمح والشعير، بمستوى بلغ نسبة 80% من الحاجة الفعلية، فيما بلغت وفرة الإنتاج الحيواني إلى نسبة 52% من الحاجات الفعلية، وبشكل ما حقق العراق نسبة مقبولة من الاكتفاء الذاتي في إنتاج الخضر، ونسبة 60% من الفواكه.

ولكن مجدداً ودائما نحن إزاء سياسة غير موضوعية  تدفعنا للإشارة إلى استمرار ظاهرة إغراق السوق المحلي بسياسة تجارية سلبية تتضمن على سبيل المثال تأخر إصدار قانون التعرفة الجمركية وكذلك التلكؤ في تطبيقها، وأيضا التلكؤ بموضوع قانون حماية الإنتاج ومكافحة الإغراق ووضع استراتيجيات مناسبة مخصوصة بهذا الإطار بكل ما فيه من تداعيات وتفاعلات!

وعلينا اليوم في أيّ رسم للخطط التي يمكنها مجابهة الحاجة المحلية أنْ نفكر بوسائل علاجية جوهرية. لاستعادة بساتين النخيل وموقع العراق بمجالها ولاستعادة تداول الحلول المناسبة للـ12 مليون دونم زراعية التي تعطلت فرص استثمارها بتدمير البنى التحتية للقطاع الزراعي في المناطق المستباحة بقوى الإرهاب الداعشي. ومع أن الاتجاه نحو الشركات الأجنبية استثماريا هو مفردة للحل بسبب الوضع الآني المباشر إلا أنّ الحل لا يكنمل ولا ينضج ويكون موضوعيا سليما إلا عبر ربط هذا بشروط الاستصلاح والتشغيل الذي يبقى أمراً ضرورياً وواجباً له الأولوية.

ولابد هنا من التفكير بتلك الشروط تأسيساً للتفكير بكيفية استغلال المتاح من المساحات الصالحة للزراعة في العراق البالغة بالمجمل حوالي 24 مليون دونم لا يُستثمر منها إلا نصفها سنوياً، علما أنّ ثلثي الإنتاج الزراعي يتركز بالحبوب تحديداً، فيما الثلث الآخر هو بمجال الإنتاج الحيواني، ولهذا التوزيع من النسب دلالاته وآثاره على التخطيط المنتظر بشأن التوجه نحو الاتساع بميادين الاستثمار الزراعي بخاصة تجاه إحياء البساتين وما فيها من عناية رئيسة بالمشروع الوطني للنخلة العراقية الذي يتضمن التوسع بزراعة الفواكه بطريقة تترابط وذاك التخطيط مع الانتباه على استيلاد أحزمة المدن والتصدي لظواهر التصحر وما إليها.

ولأننا ركزنا على بديل من البدائل التي يمكنها توفير لقمة العيش للمواطن المبتلى تحديدا على الزراعة حقلا مهماً لتوفير الموارد التي باتت شحيحة منهارة مثلما حدث مع النفط واسعاره وتداعيات الأمر وسط اقتصادنا الريعي؛ لأننا ركزنا على النفط الدائم ممثلا بالزراعة فإننا استكمالا للمعالجة نتابع الإشارة إلى تلك التصريحات التي أعلنت أنّ  قيمة القروض الزراعية التي وزعتها الحكومة على المنتجين الزراعيين كانت قد فاقت الملياري دولار! وأنّ الحكومة تعِدُ بعدم المساس بتلك القروض على الرغم من ضغوط هبوط أسعار البترول وتقليص الموازنة الفيديرالية لنؤكد في ضوء تلك التصريحات أنّ القضية تبقى تكاملياً معرضة لمخاطر التهديد الأمني من جهة في ضوء الصراع مع قوى الإرهاب وسطو تلك الجهات الظلامية الإجرامية على مساحات واسعة بخاصة في ضوء كون المنتج الرئيس للمحاصيل الاستراتيجية هو في محافظات الموصل وكركوك وديالى حيث بؤرة الصراع وانهيار مؤسسات الدولة وسلطتها هناك وهي معرضة لمخاطر أخرى في ضوء الخلل البنيوي في الموازنة وأمور أخرى تتعلق بالخطط التنفيذية.

إنّ الكارثة تتسع في تبادل تجاري معرَّض لضغوط دولية حيث أزمات الاقتصاد العالمي وصراع تنافسي بين المناطق الاقتصادية ما يفاقم طابع الفاتورة المدفوعة لاستيراد المواد الغذائية التي بلغت حوالي خمس مليارات دولار سنويا.  وعدا عن الهدر بتلك المليارات التي تذهب إلى جيوب الجهات الأجنبية وخزائنها فإنه أدى وسيؤدي إلى مزيد إضعاف لقدرات المنافسة بين المنتجات المحلية والأجنبية على حساب المحلي ما سيدفع منتجين كثر إلى ترك العمل بميدان الزراعة، بخاصة بعد الارتفاع المتوحش في تكاليف الإنتاج الزراعي وعلينا هنا تدبر معالجة الواقع المعيشي للريف وللوضع المعيشي المتدهور فيه بالإشارة إلى نسب فقر واسعة أفقيا تصل حوالي الـ90% كما بريف السماوة وبفجوة فقر تشير عمودياً لمآس في الفروق بين شريحتي الأغنياء والفقراء وما يعني ذلك فعليا!

إنّ لقمة العيش باتت مع رداءتها وهزالها تصل مسمومة إلى فم الفقير المُصادَر.. وعلينا تدبر تنقيتها من تلك السموم وعلى المواطن نفسه أن يعي تداعيات الأزمة الكارثية وما تتجه إليه من مصائب ليكون مستعدا للدفاع عن وجوده وحقوقه ويوقف خطل إدارة الأزمة على حسابه وعلى حساب مستقبله ووجوده بوطن يضمن له العيش بكرامة وبلقمة نظيفة...