الأزمة الغذائية للنازحين تقرع ناقوس خطر انهيار شامل

أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

رئيس جامعة ابن رشد في هولندا

tayseer54@hotmail.com

 من بين أكثر من مليوني نازح في داخل البلاد، هناك ما يناهز مليون ونصف المليون يعتمدون مساعدات برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بشكل فعلي مباشر. وهؤلاء من دون تلك المساعدات سيضطرون للتسول في الشوارع؛ حيث لا مصدر آخر حقيقيا أو فعليا لهم. ولطالما كرر ممثلو المنظمة الدولية التوكيد على حال تصاعد الطلب بمقابل ظروف شحّ في الأرصدة حدّ الإعلان عن احتمال التوقف عن تزويد هذه الملايين بما يعيل حوالي خمسين ألف عائلة تتضمن ربع مليون إنسان يتوزعون بين محافظات البصرة وذي قار والقادسية وميسان وواسط والمثنى والنجف وكربلاء وبابل. دع عنك ظروف خمسة أضعافهم ممن توجهوا إلى مناطق أخرى أبرزها كوردستان.

ومع استمرار دوامة العنف ومَن يقف وراءه من انفلات أمني وقوى إرهابية تعبث بمصائر الناس، تتزايد أعداد النازحين وتتفاقم أوضاعهم..  ما يدفع إلى تكرار انذارات الطوارئ والإعراب عن بالغ القلق إزاء الأمن الغذائي والموقف الإنساني السائد.. إذ يعيش أغلب النازحين في مناطق الوسط والجنوب في مبان عامة متهالكة وغير مأهولة و\أو مساجد ومدارس وفي خيام بمناطق نائية منقطعة وفي العراء حيث الطرق الخارجية التي تصل بين بعض المحافظات كما بين النجف وكربلاء، وبأغلب الأحوال فرضت ممارسة بعض المراسيم والطقوس الدينية انعكاساتها على من لجأ هناك، والناس اليوم في حيرة من أمورهم...

فالمنظمة الأممية ينتهي رصيدها في مارس آذار القابل والنازحون عملياً أنفقوا مدخراتهم للوصول إلى تلك المناطق التي اعتقدوا أنها الأكثر استقراراً لهم مثلما الأكثر أمنا. وهم على وفق المتحدثة باسم البرنامج الأممي للمساعدات، معتمدون كلياً وتماما عليها حتى أنهم لا يستطيعون تحديد مصدر وجبات غذائهم التالية. وتخشى تلك الجهات أنّه بعد انتهاء التمويل في مارس آذار، أنْ يصبح النازحون متروكين لشأنهم في غياب أيّ شكل من أشكال المساعدة المنتظمة من طعام وغيره من الاحتياجات الإنسانية الأساس.

إنّ الصورة قاتمة أمام مشهد عوائل بلا معيل وبلا عمل وبلا مدارس وكثرما نجد نسوة بين عشرينات أعمارهنّ وأربعينات منه فقدنَ أزواجهن في الصراع الدموي الدائر. وهنّ عادة أمهات لدزينة من الأطفال.. فماذا سيحصل عند توقف مصدر الغذاء المخصص لهم من البرنامج الأممي!؟

إنّ مساعدات البرنامج الدولي لتوزيع الأطعمة الأساس، كالطحين والأرز والزيت والمعكرونة، المخصص للعائلات التي وجدت أماكن لجوء سواء شبه مؤقتة، أم مازالوا يتنقلون تتم بتوزيع قسائم الطعام في تلك المناطق لدعم الاقتصادات المحلية الهشة بالأصل وغير القادرة على تلبية احتياجات أبناء المحافظات الأصل أنفسهم. وتذكيرنا هنا بحقيقة نسب الفقر في تلك المحافظات التي تقع بين 56% و89% مع فجوة فقر خطيرة!!

ولكن بمقابل هذا الواقع الأزموي التراجيدي المرير والقراءات الأممية له، هناك حديث عن أولويات للحكومة الاتحادية والحكومات المحلية بشأن توفير الاستقرار المكاني وبشأن المساعدات الغذائية ويجري على الورق رسم أحلام \ أوهام برصد مليارات الدولارات من الموازنات وصرفها عاجلا!! لكن تلك الجعجعة بلا طحن  ولا يبدو لها أية مخرجات جدية حقة ميدانياً!!! والأخطر أنّ التصريحات تنهال علينا من المسؤولين كافة، صغاراً وكباراً، صارخة بوجوه ملايين الفقراء والنازحين، أن العراق بخير و "لا وجود لأزمة اقتصادية فيه وما يطفو هو مجرد أزمة نقدية..." على حد تعبير رئيس مجلس الوزراء!

طيب، وكيف يفسّر لنا أولئك المسؤولون تفاقم نسبتي الفقر والبطالة!؟ فأرقامهما تضيف يومياً جحافل من عشرات آلاف العاطلين عن العمل وتولد أعداد ممَّن يفقد مصدر رزقه في ظروف عدم توافر الضمان الاجتماعي الكفيل بتوفير مصدر يسد الحاجات الإنسانية الأولية!؟ ونحن ننتظر من يساعدنا على قراءة كيف نفسر ونعالج الاتساعين الأفقي والعمودي لظاهرة الفقر حيث شمول فئات جديدة بالهبوط تحت خط الفقر مع تعمّق فجوة الفقر بطريقة أزموية فجة خطيرة!؟ أليست تلك أزمة اقتصادية، أم أنها مجرد أعراض ناجمة عما تفضل علينا تصريح المسؤول الأول في الحكومة الاتحادية بأنّ الأزمة نقدية!!؟

طيب، ظاهرة التصحر والانهيار البيئي الشامل وزوال الغابات واختفاء بساتين النخيل والأشجار المثمرة مع تراجع مهول في المحاصيل الاستراتيجية سواء في الأراضي التي انهارت بها مؤسسات الدولة واستباحتها قطعان الإرهاب الداعشية أم في الأراضي المهددة التي تستفحل فيها الصراعات والأزمات بماذا نفسرها هل بأزمة نقدية!؟ وبماذا نفسر توقف العمل في مشروعات القطاع الصناعي العام والخاص.. وتبطل العاملين فيها وتهالك المكائن والبنى والهياكل والركائز الأساس بكل تلك المشروعات، هل بتأخر الرواتب والأزمة النقدية!؟

 إنَّ التصريحات التي تُطلق على عواهنِها أمرٌ غيرُ سليمٍ بل يشكل خطراً كارثياً لا لكونه تبريراً سلبياً غير صائبٍ حسب بل لأنه يتعمد إخفاء الحقيقة التي تنتظر المجتمع العراقي برمته. حيث سيكون انقطاع المساعدات الأممية لبرامج الغذاء أم لغيرها من برامج الدعم والرعاية سبباً في انكشاف الأوضاع على حقيقة إنسانية أسوأ من أن تصفها مصطلحات كارثية.. لأنَّنا حينها لا نستطيع تقدير ما ستؤول إليه الأمور عندما يكون أكثر من مليوني نازح ومهجَّر بلا مأوى ولا غذاء وعندما تكون ملايين أخرى بلا مصدر عيش كريم وهي تعاني من البطالة والفقر وتنحدر نحو فجوة فقر ضخمة مهولة!

أما تجييش مئات الآلاف في الميليشيات وأشكالها التي تريد السياسة الحكومية إضفاء الشرعية عليها فلن يكفي لتشغيل جيش العطالة والتبطل ولا لسد رمق ملايين الأفواه الفاغرة وبطونهم الخاوية المتضورة! كما أن توصيف أنّ أزمتنا محصورة بأزمة نقدية لن يجيب صرخات تلك الملايين المطالبة بالعمل ومصدر الرزق ومعالجة نتائج ظاهرتي الفقر والفقر المدقع...

إنّ أزمة النازحين وما تُنْذِر به هي بارومتر حقيقي للأزمة الشاملة في البلاد، ومنها الأزمة الاقتصادية الحادة التي طاولت مجمل المشروعات الزراعية والصناعية والتجارية وغيرها من القطاعات الاقتصادية بالشلل الكلي التام و بتوقف عجلة الاقتصاد بشكل كليّ شامل. وإلا فليُجبْني أيّ مسؤول بالحكومة الاتحادية كيف لا يعاني العراق من أزمة اقتصادية وأن أزمته حصراً هي مجرد أزمة نقدية!؟ فهل حقاً أنّ عجلة الاستثمار والتحول من الاقتصاد الريعي وإطلاق المشروعات قد رُسِم لها أية خطة وأنها شرعت بالتغيير المنتظر لتحريك مياه البركة الراكدة!؟؟؟

إنّ تصريحات مسؤولي المنظمة الدولية بشأن أرصدتهم ربما تكون مرتبطة بوجه منها بالشأن النقدي وبالمساهمات الأممية المخصوصة؛ لكن الأمر ليس كذلك بشأن تصريحات المسؤولين الاتحاديين في العراق، فالقضية ليست كامنة بالغطاء النقدي بقدر تعلقها بقدرات الاستيعاب البنيوية.

إنَّ اقتصاداً ريعياً ببغداد مع شيوع نظام كليبتوقراطي مطلق فيها إلى جانب ترسّخ وجود طبقة كربتوقراطية على رأس هرم المجتمع العراقي، لا يمكن أن تكون مخرجاته إلا مزيد انحدار بالوضع العام ومزيد شلل في عجلة الاقتصاد وانتشار لأمراض خطيرة وتفاقم للمشكلات لن يسكّنها ولن يسكتها ولا نقول لن يعالجها كل تلك التصريحات غير المسؤولة أمام حجم ما نحن باتجاهه.

إنَّ أية لحظة يمكن أن تكون لحظة إعلان الانهيار الشامل للدولة العراقية التي انهارت بالصيغة التي شهدها الجميع في محافظات تُرِكت لغربان الإرهاب وقطعانه الهمجية... وكذلك فإنّ أية قضية من جملة القضايا والمشكلات الضخمة يمكن أن تكون سبباً بأية لحظة لذاك الانهيار الذي تحذر منه المنظمات الأممية وينبغي لنا أن نتصدى للكارثة المحدقة بالمجتمع العراقي..

ودولياً يلزم أن يكون هناك تدخل حازم وحاسم عبر سلطة أممية رسمية وبمؤتمر متخصص يرسم مفردات الحل وخطاه على المستوى الوطني وبرعاية دولية تستجيب لمطالب البلاد وأهلها.

وفي هذا الخضم لا ننسى ما يجري من أعمال وأنشطة تطوعية فردية ومن بعض منظمات مجتمع مدني عراقية جد محدودة بإمكاناتها وهي أعمال إنسانية طيبة ولكنها بمحدداتها وأسقفها المتواضعة قد تخلق ردّ فعل سلبي غير مقبول.. الأمر الذي يتطلب التنادي لتجميع تلك الجهود في ممارسة وطنية شاملة تستطيع استيعاب التفاعلات والارتدادات الناجمة عن زلزال التداعيات الأزموية الجارية..

أما حراك إدارة الدولة على مستوى العراق الفديرالي وقيادة مسيرة التغيير والتصدي للمهام المركبة المعقدة فيقتضي مجابهة نوعية يمكنها أن تضغط باتجاه إخراج البلاد من عنق الزجاجة وتحرير العباد من استعباد البطالة والفقر ومتاجرة سماسرة الكربتوقراط بهم وانعتاقهم الفعلي من آليات نظام كليبتوقراطي يجري تسويقه والانحدار إليه على وفق المعطيات التي فضحتها مؤشرات أزمات النازحين.

وتنبغي الإشارة إلى أن التصدي الجدي للأزمة في كوردستان، لا يمكنه أن يواصل تحمل حجم الضغوط المتفاقمة ما لم يوجد حل بمستوى وطني للعراق الفديرالي وأكثر تعقيدا من هذا إمكانات الحل في المحافظات الهشة بنيويا!

وفي ضوء تلكم الحقائق، نقرع أجراس التنبيه على مخاطر الأزمة ونقول: إنّ الحلول المباشرة، المعنية بمعالجة فورية عاجلة لقضايا النازحين وغير المباشرة، المعنية بتحريك عجلة الاقتصاد بأسس وقوانين صحية سليمة؛ إنّ تلك الحلول يجب أن تتضمن ارتقاء الحكومة الاتحادية لمستوى مهام وطنية شاملة، بعيدا عن الجدل البيزنطي الدائر خارج نطاق الحقائق و\أو خارج ميدانه الفعلي حيث الانغماس عميقا في وحل سفسطة الاتهامات التي يطلقها بعضهم تجاه كوردستان وتجاه بعض المحافظات وهو انغماس يجسد المماطلة والتسويف الجاريين على حساب الناس وحاجاتهم وحقوقهم ومطالبهم.

إنّ القضية تكمن بنيوياً في استراتيجيات وطنية لعراق جديد، بشرعية دستورية ووجود نظام فديرالي ديموقراطي سليم يمحو زمن البنى الريعية للاقتصاد ويوقف جرائم ترسيخ هياكل نظام كليبتوقراطي يتخندق وراء متاريس الريعية المرضية من جهة وحُماتها من بلطجة ميليشياوية وبنى ما قبل الدولة المدنية المعاصرة وأدواتها بكل ما تتضمنه من أمراض مثلث الفساد والطائفية والإرهاب ومخاطرها...