التحالفات الإقليمية والدولية  وآثارها في القضية العراقية

أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

رئيس جامعة ابن رشد في هولندا

tayseer54@hotmail.com

 

ليس خافياً على أحدٍ، لا في المستوى الرسمي ولا في المستوى الشعبي، حالُ الانعكاسِ المباشر وغير المباشر لأدوار القوى الخارجية في الوضع العراقي. فهناك منها ما يقع في التدخلات غير المنضبطة وهي تابعةٌ لأجنداتٍ لا يمكن أنْ تكون إلا تخريبية؛ وهناك حالٌ من العلاقات والتحالفات التي تستثمر الوضع العراقي لتجدَ لها مكاناً يشرعن وجودَها هنا؛ مع أنّ الحالَ الثانية هي حالُ علاقاتٍ رسمية معتمدة!!

وإذا كان سليماً أنْ تعقدَ دول العالم علاقاتها البينية انطلاقاً من فروض الواقع الدولي والحاجة لتكامليةٍ في تلك العلاقات وتبادل المصالح المشتركة، فإنّه من السليم أيضاً أنْ توضع المحدّدات التي تضبط تلك العلاقات بإطارٍ قانوني يحسمُ ما قد يتبدى من طابع المسار ومنحاه الذي قد يخرج عن إطار المصالح المتبادلة المشتركة.

وعليه فإنَّ وجود تلك القوانين الناظمة جرى تأطيره في المنظمة الدولية (الأمم المتحدة) وكذلك في منظمات وتحالفات وبإطار معاهدات ثنائية ومتعددة الأطراف بحسب المهمة المناط بها معالجتها. وفي القضية العراقية ومنذ تشكيل التحالف الدولي في العام 2003 جرت متغيرات جوهرية في السياسية العراقية في ضوء التغير بنظام الحكم وفي ضوء المتغيرات المؤسسية في الدولة العراقية وقوانينها وما جرى (ميدانياً فعلياً) بعد ذلك التاريخ.

وبعيداً عمّا كان يُفترض بالسياسة الخارجية أن تكون فإنّ (الواقع العملي) ربط البلاد بأجنداتٍ متناقضة في ضوء قوة تأثير هذا الطرف أو ذاك في إدارة شؤون البلاد. لقد شمل التغيير النوعي الجوهري مختلف مفاصل الدولة العراقية وكان منها مؤسسة إدارة السياسة الخارجية. لكنَّ هذه المؤسسة، أسوة بكل المؤسسات الأخرى، لم تجد الفرصة متاحةً بموضوعية وبأرضية سهلة لتشكيل السلك الدبلوماسي وتوجيهه ببرنامج عملٍ وطني يمتلك رؤيتيه التكتيكية والاستراتيجية.

وجاء التخبط في الأداء العام للحكومات المتعاقبة ليكون صاحب الأثر الأبرز، فأوجد ثغرات خطيرة كما جرى في ظل الحكومتين السابقتين؛ بفلسفة المركزية المقيتة التي مورست فيهما وبوساطتهما وبسحب الصلاحيات من الوزراء والكتل المتعددة، الأمر الذي أختلق مطبات في التعاطي مع ملف العلاقات الخارجية لأسباب مختلفة. وهكذا توجهت الأمور باتجاه ما يشبه القطيعة مع العمق الاستراتيجي للأمن الوطني العراقي..

فــ بدل خلق التوازن في العلاقات مع المحيط، انفلتت الأمور باتجاه انحياز غير مبرر تجاه دولة جوار على حساب العلاقة مع دول جوار أخرى، ما وفَّر لتلك الدولة فرص اختراقٍ في العمق بخاصة في استغلال الوضع العام. وكانت عملية الزحف على السيادة العراقية في ترابها الوطني في حدودها الشرقية: جنوبا شمالا، براً وبحراً واضحة؛ من دون أيّ شكل للتصدي (الرسمي) للأمر! وتصريحات قادة تلك الدولة المجاورة التي تتحدث عن تحكّمهم بالمشهد العراقي عبر جيوش على الأرض (العراقية)، بالإشارة إلى الميليشيات الطائفية، كانت ومازالت تنطلق بلا ردّ رسمي جديّ!؟

وعندما تشكَّل التحالف الدولي لدعم العراق لمعالجة حال انهيار الدولة ببعض محافظاته واستباحتها واغتصابها من قوى الإرهاب، رفض العراق الرسمي علناً السماح لأية دولة عربية من ممارسة المهام التي سمح بها للدول الغربية إلى جانب إيران التي دفعت بقيادات عسكرية للعمل الميداني...

ومن الطبيعي أنْ يكون العراق الرسمي والشعبي، ممتناً لجميع الأطراف التي دخلت التحالف الدولي والإقليمي، وضمناً المساعدات من الجارتين الشرقية والشمالية، لمساعدته في ظروفه المعقدة أصلاً. وأنْ يحترم تلك التضحيات المقدمة بإطار التحالف الدولي وخارجه مساعدةً للبلاد وإنقاذاً لها من السقوط ببراثن هاوية الإرهاب المتمدد يومياً بخاصة منذ العاشر من حزيران يونيو2014 باستباحته عدد من المحافظات.

لكن من الطبيعي، بكفالة حق السيادة وحماية الاستقلال ومصالح الشعب العراقي وما تكفله القوانين والأعراف الدولية أنْ تتصدى الحكومة العراقية لمسؤولياتها في منع التدخلات التي تخترق السيادة وتهدد مصالح الشعب والوطن سواء كانت متعمدة أم عن خطأ في الأداء. والضابط الوحيد للعلاقات مع التحالفات الدولية والإقليمية هو المصالح المتبادلة المشتركة والقوانين الدولية الضامنة للسيادة ولمهام تحقيق السلام والأمن. وليس في هذا اعتداء على حق أحدٍ ولكنه ليس أكثر من ضبط الانعكاسات والآثار الناجمة عن وجود هذا الثقل الخارجي..

على أنَّ التعامل مع التحالفين الدولي والإقليمي وتحديداً منع بعض قوى التحالف الدولي بغشارة إلى منع قوات الدول العربية من أداء المهام الميدانية سيعني:

 أولا الإخلال بالتوازن في العلاقات الإقليمية لمصلحة إطلاق يد دولة على حساب ما هو أبعد من السيادة العراقية التي ستتحول بهذه اللعبة إلى ممر لتدخلات قوةولة باتجاه أراضي دول أخرى، مثلما حصل مع قوات مازالت تتدفق لمصلحة النظام السوري وعلى حساب ثورة الشعب السوري!

 ثانيا سيخلق عقبة بوجه الجهد الميداني لقوى التحالف في محاولتها مساعدة الدولة العراقية على استعادة الأراضي المستباحة المغتصبة وإعادة مؤسساتها للعمل هناك خدمة لمواطنيها..

لقد تشكَّل التحالف الدولي في ضوء رؤية المجتمع الأممي للمجريات وإدراكه حجم الشرخ الموجود في قدرات الحكومة العراقية التي انشغلت بأمور صراع لاقتسام غنائم المحاصصة تاركة المواطن لاستباحة مافيات الفساد وعصابات وشراذم الإرهاب المنظم. ولهذا فإن برامجه جاءت على وفق أجندة دولية تتخلص من أية فرصة لجهاز منخور أو مخترق للسلطات المحلية.

وإذا كان هذا التحالف الدولي قد ضمّ تحالفا إقليميا من دول الخليج العربي وغيرها فإنّه بهذا قد تعمّد وتسلَّح بخلفية فلسفية لتركيبته كونها توكيداً لكون الصراع بين قوى الخير والسلام أممياً عالمياً وقوى الشر والضلال والجريمة وليس كما يجري في العتمة تمريره من ادعاءات رخيصة تعزف على خطاب إسلاموي لا علاقة له بالإسلام ديناً ولا بولادة دولةٍ وتخليقها من استباحة أرض دول أخرى واغتصابها ومن اعتقال أو أسْر قطاعات من شعوب المنطقة...

إنَّ نتائج وجود التحالف الدولي والإقليمي تظل مكينة قوية ومؤثرة إيجابياً إذا ما توافرت معها أجندة وطنية سليمة وجهود تتأسس على العمق الوطني الذي يحترم بنية العراق الفديرالي وكينونته المركبة اتحادياً وعلى منع تهميش مكون أو آخر على وفق ما جرى بالأمس في الحكومتين السابقتين من تمييز طائفي..

كما أنّ وضوح الصورة وطنيا عراقيا وفرز الأمور بأداء ناجع سليم يقوم على إنهاء السبب الرئيس في الانهيار بإزالة التمييز الطائفي والتقسيم المحاصصاتي سيمنح قوات التحالف فرص عمل ميداني أوضح لا يقع بتكرار أخطاء عدم التمييز التي تحصل على الأرض بسبب من عدم التنسيق بين القوات الحكومية ورديفها (الحشد الشعبي) وبين قوات العشائر والقوات المحلية.

وحتى الآن استطاع التحالف الدولي أن ينقل ثقلا جدياً لصالح القوات الحكومية العراقية بإنزاله الضربات الفاعلة المؤثرة ميدانيا حيث تم تصفية قوى إرهابية عديدة. إلا أنَّ التحول النوعي الحاسم يكمن في الخطط الموحدة المنسقة التي لا تنشغل بدفع بعض عناصر رديفة لقوات الجيش كما يحصل بسجالات تخص دخول قوات الحشد لكركوك ولغيرها. لأن هذا الانشغال مرضيٌّ والصحيح وقف عبثية المواقف تجاه فديرالية كوردستان من جهة وقوى العشائر والتوجه بروح وطني وأداء وطني سليم يستثمر آثار وجود التحالف الدولي.

والشعوب ودولها لن تستمر إلى الأبد في تلك المساهمات وهي بحاجة لموقف حازم وحاسم بالمستوى الرسمي كيما يكون هناك تفعيل للدور بلا خسائر تقع قربانا لسياسات الممالأة لجهة إقليمية على حساب جهات أخرى ولسياسات التمييز الطائفي والتربح على أكتاف التهجم على البنية الفديرالية والاعتياش على تخليق صراعات هامشية، فيما الضباع تنهش بالبلاد وتستذل العباد. فهذا الانشغال ومشاغلة الناس والمجتمع الدولي أمر مرضي خطير النتائج!

وعلى أبواب معركة استعادة الأرض وتحرير المواطنين من عبودية للإرهاب، فإنَّ منجز التحالف الدولي لن يكون فاعلا مؤثراً ما لم تخضع الأمور للأجندة الوطنية في عراق فديرالي يحتفظ بعميق التمسك والالتزام بهذا الوجود الاتحادي ويرسم استراتيجياته بموضوعية تخضع لمصالحه العليا وللمشتركات يتبادلها مع الآخر بكامل احتفاظه بسيادته. وإلا فإنّ دخول المعركة ليس المقصود منه ما يمتلك طرف من عدة وعديد ولا من درجة المران التقني بل أيضا من بوابة وضع الإيمان بالقضية موضعها السليم لاستقطاب منجز التحالف الدولي بتوازنات ملائمة مناسبة تصب في مصلحة حسم المعركة والانتصار فيها.

وبخلافه لات ساعة مندم! حيث لا انتصار في معركة تكون إدارة سمائها لجهة وإدارات ميادينها مخترقة من أكثر من جهة أغلبها لا علاقة له بمصالح العراق والعراقيين.. فهلا تداركنا الموقف وارتقينا في تعاملنا مع ملف التحالفات الدولية والإقليمية بصواب وموضوعية؟؟