شروع بجريمة قتل  "العراقي"؟!!

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

           2004\  03 \ 08

E-MAIL:  TAYSEER1954@naseej.com

 

القتل قد يكون تصفية جسدية وإنهاء لحياة الإنسان ووجوده المادي المحسوس. وقد يكون من القتل أنْ تتمَّ تصفية إنسان من جهة وجوده الفكري السياسي وحركته وتأثيرات تصوراته فيُحجب عن الفعل والحركة ويمتنع المحيط عن التفاعل مع وجود إنساني لسبب ما مفتعل, ما يدخل في نطاق التصفية وجريمة القتل السياسي والفكري والنفسي...

ومن هذه الناحية عانى العراقيون من هجمات واسعة عرضتهم لمحاولات شروع بالقتل والتصفية وقطع معنى وجودهم النفسي والفكري وتلك جريمة خطرة تجابهنا اليوم أكثر من أيّ يوم مضى في تاريخنا القديم والمعاصر...

ولنلاحظ عل سبيل المثال ما يجري للعراقي في الداخل والخارج.. ففي الدول التي تستضيف العراقيين تتواصل تهديدات ضاغطة على العراقي من جهة قطع الطريق على استقراره ومنعه من إيجاد أرضية مناسبة لتفاعله مع الواقع  وتأثيره فيه.. حيث نتابع اليوم تهديد بالترحيل وإنهاء إقامته المؤقتة أو غيرها؛ وهو ما يعرِّضه لشتى ضغوط التعذيب النفسي والاجتماعي ومثلهما السياسي والمادي الاقتصادي...

فشخص استقر في بلد عدة سنوات وتأقلم مع أجواء معينة على حساب صحته النفسية؛ شخص دفع من حياته ضريبة التغرّب وقسوة المنفى والتهجير الاضطراري؛ مثل هذا الشخص يُراد منه أنْ يُقتـَلـَع من جديد ليُعاد إلى أجواء من الصراع وإنتفاء الاستقرار بل أجواء الاحتراب والمصادرة واختلاف الرؤى بما يستلبه قيمه وتصوراته التي بناها في ظروفه القسرية بكل تلك الضرائب الباهضة التي اُقتـُطِعت من حياته ووجوده الإنساني ...

فمَن المسؤول عن تلك الضغوط الجديدة القديمة؟ وكيف يقيِّمها القانون الدولي؟ وشرائع الإنسانية المتحضرة؟ وفي أيّ الأبواب يضعون تلك التهديدات التي يُخضِعون مصير العراقي وحياته ووجوده لها؟ وهل يجدون الأمر عاديا طبيعيا أم يرى على الأقل بعضهم حقيقته بوصفه جريمة أو شروعا بجريمة قتل وتصفية؟!

إنَّ تلك التهديدات تطال العراقي في مصيره ومصير أبنائه وتتقصَّد مصادرة مساهماته في بناء حياته وخياراته, ولا يعني ذلك إلا  كونها جريمة واضحة الأركان حسب كل الأعراف والقواعد والقراءات القانونية وغير القانونية.. وهي من جهة بعضهم ممَّن يراقب الوضع تظل مجرد جريمة من جرائم العصر التي لا تعنيه كونه لا يود ممارسة السياسة وبالتحديد فعلها المحتدم الذي يغلي ويمور بصراعات لا تعنيه كونها لا تمسه مباشرة؛ وهذا ما يشكِّل [سلبية] في مراقبة الوضع ووقائع الجريمة وممارستها من جهة على جهة بل هي مشاركة في الجريمة!

أمّا من جهة الفاعل الجاني فهي حركة مناورة وإنْ جاءت على حساب حياة مجموعة بشرية أو إنسان بعينه.. وهي ليست بعرفه لا جريمة ولا حتى جنحة كونها تأتي بوصفها جزءا من آليات ضمان عيشه على حساب حيوات الناس من جنسه وأهله أو من قوميات وأعراق أخرى. ومما يسهِّل عليه الجريمة كونها مُرَحَّلة إلى هويات أخرى لا توجع رأسه؛ فهي ليست من نسيج دولته ومجتمعه الذي يتجنب خوض الصراع فيه حيث يرحِّل المعركة إلى ميدان أسهل عليه فيه إدارتها بطريقة لا تخلق له الصداع والخسائر في الوضع الراهن!!

وعبر هذا التصور والفعل يضع مناورته بغطاء بُعد المعركة عن استهداف أبناء وطنه [من أبناء الدول الأوروبية] ومن ثمَّ كونها لا تطال حقوقهم من جهة ولا تنال من وجودهم ومن قيمهم ومصالحهم المباشرة حسب دعوى الجاني! والصورة هنا فيها من استغلال سلبية مواطن الدول المضيِّفة بما فيه كثير من الإجحاف الذي سيلحق بهذا المواطن. فبعد أنْ يتم ترحيل [الأجنبي] وتتقلص فرص المناورة لا يكون التالي في مصادرة الحقوق واستلابها إلا أبناء الوطن الأوروبي المسترخي من غير التفات لما يجري من اختراق للقانون ومن جريمة تـُرتكب باسمه وأمام ناظريه؟!

وسلبية أبناء الجيل الحالي على اختراق حقوق الإنسان تجاه الآخر ستأتي على أصحاب السلبية بمخاطر استلابهم كل ما تركه له نضال آبائهم وأجدادهم من أجل مكاسب الديموقراطية والنظام الليبرالي الحر.. وسينقلب المجن عليهم. وحينها سيضطر أحدهم إلى البدء من جديد لخوض رحلةِ ِ ما كان ينبغي العودة إليها لو أنَّه وقف بخلاف سلبيته اليوم...

ما يهمنا هنا تسجيل جريمة واضحة الأركان حيث يجري لا تهديد العراقي حسب بل ممارسة جريمة استلاب حقوقه الإنسانية من جهة ومصادرة قوى العقل في حياته, إرادته في الحركة والتفاعل وطاقته النفسية وشلّ إمكاناته على الاختيار وليس التأثير بمحيطه. وتكبيل عقله ووجوده بقيود مثيرة للإحباط مثيرة للشلل مثيرة لفقدان الأمل مثيرة لخسائر وجودية لا تـُبقي له من حياته شيئا بما يجعله مقتولا بالفعل...

إنَّ العيش بلا حرية قرار واختيار أمر مؤداه قتل النفس البشرية ومصادرة حيويتها وليس شلّها فقط. وتلك هي حقيقة الحالة الممارسة ضد مئات ألوف العراقيين الموجودين في المهاجر والمنافي.. وما يزيد الطين بلة تلك السخرية القاسية من قيمهم وحقوقهم حدّا لم يعد الأمر فيه مما يمكن التغاضي عنه. فدولة تـُصدِر قرارا بترحيل إجباري للمنفيين من العراقيين على أراضيها باتجاه تنزانيا الإفريقية؟؟!!! وأخرى تضعهم أمام واقع قبول الابتزاز لكل معنى لوجودهم الإنساني  وبممارسة أشكال الاستعباد والإذلال والمهانة أو الترحيل بلا حقوق وعليهم أنْ يقبلوا راضين صاغرين؟؟!!!

والجريمة ليست خاصة بعراقيي الخارج والمنافي ولكنها متصلة مستمرة بشأن عراقيي الداخل؟! فجريمة الشروع بالقتل والتصفية من جهة الداخل هي الأخرى واضحة بيِّنة. ففي متابعة أولية نجد مقدار العبث الذي يلحق بالعراقيين ومصالحهم وحقوقهم.

ففي بلد النفط والغاز أزمات في الحصول على هاتين المفردتين بلا عناء المهانة وذلّ الحاجة. وفي بلد الخيرات ومصدر الرز والقمح والتمر لا يحصل الفرد على حصة تساوي أدنى حصص الفرد عالميا في دول الفقر والمجاعة. وفي دولة الوفرة والذهب والدينار الأقوى يُذلّ الإنسان ويحيا بلا مأوى ويُطرد من دارِ ِ يعيش فيها...

والعراقي يُحجز في بلد الجوار [المسلم] ليُرسَل بدله (ابن تلك الدولة) محمَّلا بالأموال والوسائل ليشتري بها الفنادق والبيوت والمكاتب والأبنية تحضيرا لسطوة على موارد لا السياحة حسب بل مصادر حياتنا المقبلة!!  والعراقي يُستهان به حيث إدارته الحكومية [مجلس الحكم] يذهب أعضاؤه أو على الأقل بعضهم وهم رمز السيادة ليراجعوا القرارات مع مرجعيات أفراد من أبناء الوطن والأصعب عندما يكونوا من الأجانب!! ولكن لماذا يشكلون مرجعية ومفاتيح الحل لممثلي السيادة؟؟؟! ليس من داعِ ِ الآن للبحث في الإجابة,

حيث العراقي ما زال أمام إهانات أخرى فهو قاصر عند زعران السياسة الجدد ممَّن يعلن بعضهم الوصاية عليه اليوم! وهو بلا إرادة لأنَّ الإرادة الوحيدة المسموح لها بالتفكير والفعل هي إرادة المجرمين والسفلة والخارجين عن القانون والعصابات المنظمة بعد أنْ كان العراق يوما ينام بأبواب مفتوحة وعيون مغمضة مطمئنة!! هكذا ترك الطاغية البلاد خراب وآلام وجرائم بلا حدود...

والعراقي لا يصل أبناؤه إلى مدارسهم وجامعاتهم بأمان أو بلا مذلة ومضايقات زمن الظلمة والبؤس... ولا يصل هو إلى معمله أو حقله بلا زراية ومهانة وإذلال تطارده ألغام الموت المزروعة في طريقه بين الشجيرات والمكائن؛ حتى صار لا يأمن على شئ...

إذلال متصل مستمر ومهانة ومطاردة ومصادرة.. وماذا بعد.. يريدون أنْ يأتوا بعمال من الخارج في حين البطالة تتجاوز الخمسين بالمائة! ويؤتى بالخبراء من كل جهة ويكرَّمون ويضعون تحت أفضل حماية في وقت علماء العراق يهانون في أصقاع الأرض يوميا في غربتهم واغترابهم.. ولكنَّ العراقي واحد في الداخل والخارج وهو كذلك في عيون أعدائه وإنْ كان هذا من جهة الاستلاب والاستغلال والاستعباد ومحاولة الإذلال ...

والعراقي مشروع أضحية للذبح من أجل العيون الملونة وتلك الأسود وأبيض. وهو تحت رحمة معاول الغريب  [الأعجمي] و العجيب [مدعي الجنسية أو الهوية العراقية؟] ...  وهو تحت رحمة الشروع بالقتل جسدا فإنْ لم يفعلوا معه ذلك كان مشروعا للتصفية فكرا ونفسا وروحا وعقلا ووجودا معنويا...

إنَّ جريمة القتل في تصفية جسد عراقي صارت حالة وظاهرة وما عاد ما يمنعها بعد أوبئة جرائم القتل الجماعي والدفن الجماعي والحرق الجماعي وكل أشكال الإعدام الجماعي! وإذ انتهت بانتهاء المجرم السفاح الدموي جريمة التصفية الجسدية والقتل وإشاعة الموت بمئات الألوف لم تنتهِ جريمة التصفية نفسها وشروع بالقتل المعنوي النفسي بل ابتدأت وتتصاعد الوتيرة بطعنات نبال ورماح وخناجر للغدر...

ومرة أخرى لابد من التأكيد على أركان جريمة كهذه وتشخيصها بوصفها جريمة قتل. ومرة أخرى سيكون الانتصار للعراقي الذي يلتصق باسمه وهويته الحضارية وبمعنوياته العظيمة المبدعة الخلاقة التي ما أنْ تتضاءل حتى تنطلق من جديد فاعلة متمردة حاملة كبرياء التحدي والعودة للحياة رافضة الاستسلام للمصادرة وللتحول إلى مشاريع أضاحي لجرائم القتل النفسي..

إنَّ النفس العراقية المعجونة من طين الفراتين ومعدنه الصلب تظل شامخة راسخة الجذور في تقديم هوية التحدي والانتصار.. ومهما كان هول الجريمة يعود العراقي أعلى باعا وأعمق نفسا وأرسخها في الحيوية والحياة وما جاء بعدُ الزمن الذي يُذلّ فيه العراقي وتـُقتـَل فيه روحه الحرة ونفسه الأبية وستقف الجريمة عند حدود الشروع بها ليخرج من محاولات الاغتيال النفسية والسياسية والفكرية أكثر عطاء وقوة وحيوية...

ولكنَّ الوعي بشروع المجرمين في محاولات اغتيال النفس وإحباط الفعل العراقي البنَّاء لإعادة إعمار البلد والأنفس المخربة, هو ما سيكون كفيلا بوقف الجريمة في موطنها بعيدا عن النيل من النفس العراقية..

فلا جزع ولا اكتئاب ولا احباط ولا تخاذل ولا تراجع عن مسيرة دفن الطغاة وجرائمهم وإزالة آخر آثارهم وعودة الرافدين إلى مجاري الحضارة ونورها البناء وعمار الأنفس والأرواح... وتلك مسيرتنا مع بعضنا بعضا وإنْ أخطأ أحدنا وشط فكما يقول مثلنا الشعبي[مرقتنا على ازياكنا] نحن الأولى والأجدر بالمعالجة...

فلا دخلاء بيننا فلن نقتتل ولن تحبط أعمالنا الخالدة إبداعا وبناء.. وليس منا من يفرِّق بين داخل وخارج وليس منا من يفرق بين جنوبي وغربي وشمالي وشرقي بين كردي وتركماني وكلدوآشوري وعربي,  ومنا فقط ذياك العراقي صاحب النفس الحية التي تأبى على جرائم الاغتيال فتتجدد مثلما ديموزي أو تموز الذي ما زال يحيا فينا عصيا على اغتياله قبل آلاف عشرة من السنين.. وما زالت شمس سومر وبابل وأكد وآشور باقية فينا ...

نفس عراقية أبية عصية على القتل وشروعهم بمحاولة إفنائها ومحوها.. وأول الرد تشخيص الجريمة والمجرمين ودأبنا وإصرارنا على مسيرة الحياة حرة فاعلة ناشطة لا تخضع للقتلة كيفما تلونوا وتخفوا وموَّهوا... وإنَّ غدا لناظره قريب حيث حكومتنا اليوم تتقدم بوطيد الخطى نحو مؤسسات دولتنا في الغد القريب التي تتقمص أرواح (وأنفس) عراق المجد , عراق الحياة....

خاص بالحوار المتمدن      www.rezgar.com

1