14تموز الثورة والحرية وعيدنا الوطني

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

           2004\  07 \ 14

E-MAIL:  tayseer54@maktoob.com

 

تمرّ الذكرى السادسة والأربعون لثورة الرابع عشر من تموز 1958 في ظروف عراقية معقدة متشابكة. فمن جهة تحرر العراق من نظام الطغيان الدكتاتوري, ومن جهة أخرى يفتقد العراق إلى ظروف الأمن والأمان وظروف تكامل بنية مؤسسات إعادة إعمار بنية تحتية طاولها التخريب حوالي أربعة عقود من حكم بعثفاشي ومن حروبه العبثية ضد الجيران وضد أبناء شعب الحضارة والبناء!!!

إنَّ شعبنا العراقي لم ينسَ انتماءه إلى جذور تاريخية منحت للبشرية المعرفة ووسائل البناء في شتى مناحي الحياة. وباقِ ِ في ذاكرته مجد التضحيات الجسام ومعانيها في القتدم نحو مسيرة إزالة العثرات الخطيرة التي ظهرت في تاريخه الطويل العريق.. ومن تاريخه المعاصر يستذكر دوما ثوراته التحررية مذ ثورة العشرين الوطنية التي نهض بها أبناء عراقنا من عربه وكرده ومن مسلميه ومسيحييه ومن شيعته وسنـَّته ومن كل أطيافه وتنوعاتها العريضة...

ومما يستذكره معاني ثورة الرابع عشر من تموز التي حررت البلاد من قيود تمليكها للشركات الأجنبية بخاصة إلغاء امتيازات شركات النفط التي أدارت أكثر من 99% من الأرض العراقية لمصالحها الخاصة وخرجنا من كتلة الاسترليني متحررين من ربط عملتنا بطريقة سلبية سيئة وتمَّ تحرير الفلاح من ربقة العلاقات الاقطاعية وظهرت قوانين منصفة لحقوق العراقي والعراقية ومنها قانون الأحوال الشخصية الذي حاول بعضهم إلغاؤه واستبداله بقرار يعود بالمرأة إلى زمن الحريم والعبودية...

ولا تنتهي قوائم منجزات ثورة الرابع عشر من تموز ولكن الدرس المُستفاد منها ليس في استعادة تلك القرارات والقوانين على ما هي عليه من نصوص استجابت في حينه لمصالح شعبنا ووطننا ولكن في تمثل الهدف أيّ الاستجابة لمصالح الجماهير العريضة وإشراكها في العمل لإدارة الحياة العامة وحيثما انحرف  الأمر وجدنا مصائب ومجابهات خطيرة تودي بكل منجزاتنا كما أصاب الثورة حينما ابتعدت عن قاعدتها الجماهيرية.. ولكن الأمر من جهة أخرى يكمن في درس ضرورة إلتفات الجماهير العريضة لكيفية حماية منجزاتها وتقدمها إلى أمام حيث حماية المنجز ومنع الرجوع إلى الوراء لأية أسباب من جهة تقطـّع الأوصال وتمزّقها...

إنَّ ما يمكن أنْ نفيد منه هنا هو ضرورة تلاحمنا جميعا ومنع تمزيق جهودنا وتشتتها ومنع عزل قوة وطنية ما والحرص على التنسيق بل توحيد الجهود كافة بخاصة حين يتعلق الأمر بوحدة روافد العراق الأساسية الجوهرية من كلدوآشور وأرمن وتركمان وكرد وعرب من أيزيديين وصابئة ومسيحيين ومسلمين ومن شيعة وسنة.. ذلك أنّ مسألة الوحدة الوطنية هي الزاوية الحقيقة المتينة التي نستند إليها بوصفها قارب نجاة من أزماتنا ومما يحيق بنا من تهديدات بل من حافة هاوية وكارثة لا قيام لنا بعدها ولا وجود لعراق في غد التشتت والتمزق.. حينها لا وجود لأقسامه ولا لمصالح روافده صغرت أو كبرت في الحجم والوجود...

 ولكنها تلك الروافد القومية والأثنية والدينية والمذهبية ستنال كل ما ينبغي وما تريد في ظل عراق الوحدة  التعددي التداولي.. أيّ في عراق ديموقراطي فديرالي موحد.. عراق يحترم تعدديته ويبارك تنوع أطيافه ويمنحها استقلالية الشخصية وحريات ممارساتها لكل حقوقها وحق لعب أدوارها الإيجابية البناءة في مسيرة بناء عراق جديد يستجيب لجيله الحالي وللأجيال القادمة..

نحن بحاجة لعراق يستجيب لدروس منجزات ثورة الرابع عشر من تموز من جهة ويستفيد من دروس الخسائر القاسية التي منيت بها الثورة ومن ثمَّ مُنِيَ بها شعبنا حيث لم يذبح الطغاة البعثفاشية زعيم الثورة بل ذبحوا أمانيها وتطلعات شعبنا في التحرر والديموقراطية ومنعوا على شعبنا استكمال مسيرة بناء جمهورية ديموقراطية تقوم على الانتخابات الحرة النزيهة التي يشارك فيها كل الطيف العراقي ...

ومن هنا كان لتلك الثورة التي حققت النصر لشعبنا أهمية خاصة ومميزة في تاريخه المعاصر إنَّها ثورة وطنية للتحرر والديموقراطية ولتحقيق استقلالنا الناجز. إنَّ حدثا بهذا الحجم وبأغلبية حققها على صعيد قناعة الجماهير الشعبية به وبالتفافها حوله تعني أهمية استذكارها بوصفها عيدا وطنيا أساسا وثابتا يظل في ذاكرة الاستعادة السنوية على تاريخنا اللاحق القادم..

وعليه فمن الجدير بروح المسؤولية الوطنية جعل عيد جمهوريتنا الجديدة مؤسَّسا على أول جمهورية عراقية منحت لشعبنا فرصة التحرر والاستقلال وليبقَ عيد ثورة الرابع عشر من تموز عيدنا الوطني حتى مرحلة تاريخية بعيدة من حياة عراقنا حيث يمكن لكل جيل أنْ يختار محداته لرسم العيد الوطني ..

ونحن اليوم بحاجة للأخذ بعيد الرابع عشر من تموز والتفاعل معه والإفادة منه لوضوح عوامل التفاعل مع دروس الثورة المستفادة والعبر المهمة التي من دونها لا يمكننا إلا أن نقع سريعا في كبوات جديدة فيما سيكون من اللازم الإفادة من ثورتنا التحررية الوطنية لمواصلة مشوار ترسيخ الخروج من دائرة الاستعباد والطغيان وأفعاله التخريبية وما جرَّه علينا من دمار ومصائب...

وسيكون من المفيد بعد أربعة عقود من الزمن التي مرّت أنْ يراجع العراقيون معاَ َ تجاريب تلك الثورة الوطنية الكبرى وأنْ يقرأوا سويا ما جاء منها وما كان عليها وأنْ يتفاعلوا مع مع قراءة مخصوصة للأخطاء التي اُرتـُكِبت من كل جهة سياسية وألآ يكون الإرث السياسي الحزبي نصا مقدسا لا يُمَس بل أنْ نلتزم جميعا وسائل مراجعتنا الذات قبل الآخر ما سينعكس إيجابا على كل مفردات التفاعل بيننا من دون تشنجات أو توترات لها من التقادم الزمني ما ينبغي ألا نتمسك بعروة الاختلاف بقدر ما ينبغي تمسكنا بعرى الأخوّة الوطنية ..

إنَّ تقديم الانتماء للوطن على الانتماء الحزبي هو ترسيخ لروح حزبي جديد يجعل من الحزب السياسي حزبا وطنيا صائب المسيرة صحيح البرامج وإلا فإنَّ أية قوة تقدِّم الروح الحزبي الضيق سيكون على أقل تقدير في المدى المنظور خسارتها أكيدة وزوالها بقرار من الناخب العراقي الذي ماعاد يخفى عليه أمر وما عاد يقبل بخيارات تضعه في مسارات غير وطنية..

لأنَّ العراقي يعرف يقينا ما جرّه ذياك الروح الضيق من متاعب وخسائر ومصائب فالعراقي يتجه إلى تلك القوى والفعاليات التي تأخذ بيد وحدته الوطنية وببرامج تعود عليه بالوئام والتفاعل وتبادل احترام جميع أطياف العراق الوطنية الصادقة المنتمية إلى وجوده الموحد المؤمنة بالفديرالية والديموقراطية..

هنا يبرز أمام العراقي وأمام القوى السياسية ضرورة الالتفات إلى أهمية إشادة صرح منظمات المجتمع المدني الكفيلة بترسيخ تمدننا وتحضرنا وتقدمنا إلأى عراق نستظل برايته ولا يفكر عراقي بحيف أو ظلم أو اعتداء عليه من وجوده في عراق جديد هو عراق الديموقراطية الحقة ... إنَّ منظمات المجتمع المدني هي حجر زاوية ورقيب وطني على برامج الإدارة [الحكومة] التي سيظل وجودها بوصفها إدارة لخدمة تنفيذ برامج الشعب وقواه وخياراته وليس لتزعّم الطغيان من جديد..

ولعلنا بعد ذلك وقبله لا نحيد عن دروب ثورة الرابع عشر من تموز بعد أنْ كنّا ابتعدنا طويلا عن محدداتها وضوابط فسلفتها التحررية الوطنية فلنعُدْ إلى أجواء الروح الديموقراطي التحرري في ظلال فجمهورية فديرالية لعراقنا الجديد وعيدنا الوطني في الرابع عشر من تموز...