الالتزام بدقة التعامل مع الهوية القومية والدينية أمر يمهد لأرضية العراق المنشود

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

           2004\  07 \ 20

E-MAIL:  t.alalousi@chello.nl

 

ظلت إحصاءات الأمس التي جرت في بلادنا خاضعة لرؤى الحكومات المتعاقبة وفسلفاتها وتوجهاتها التي غالبا ما كانت متحيزة بل معادية لمصالح مكونات شعبنا بهذه الطريقة أو تلك. وقد جاءت في غالب الأحوال عابثة بالحقائق مزورة إياها مشوهة توصيفات الهوية الحقيقية لتلك المكونات.

ولقد شهدنا كيف كانت تلك السلطات تتعمد تسجيل هوية قومية مخالفة لحقيقة ما عليه أبناء الرافدين كتسجيل الكلدان السريان عربا وكتسجيل تغييرات القومية من الكرد ومن التركمان ومن غيرهما إلى العربية, في نزعة شوفينية واضحة.. وفي استهداف بيِّن لتغيير التناسبات السكانية في سابقة واضحة تتجاوز فيها على حقوق القوميات والأثنيات والديانات في بلادنا..

إنَّ مثل هذه القضية يجب في عراقنا الجديد إعادة النظر فيها جذريا بما يلغي كل محاولة لتشويه الحقائق وحرفها أو تغييرها سلبيا. وينبغي قطع الطريق على محاولات تشويه النسب السكانية في بلادنا لمصالح طرف أو مكوِّن من مكونات على حساب الآخرين جميعا.. وعليه فلابد من تسجيل مفردات التشخيص وقراءة الهوية قراءة دقيقة توصِّف مرجعية أو انتماء الفرد بطريقة دقيقة..

بخاصة تدقيق تسجيل مسائل الانتماء القومي والديني والمذهبي وهذا ليس دفعا لتمكين الانقسام بل قراءة علمية ستساعد بالتأكيد على حسم المواقف التي تزعم افتراضات لتنطلق منها نحو تكوين رؤى سياسية وفكرية معينة عادة ما أدخلتنا في صراعات مفتعلة وفي احتلافات مختلقة بخصوص التناسبات وبخصوص قراءة الواقع والوقائع...

ولابد من معالجة مسائل أكثرية وأقلية في ضوء ما تقرأه الإحصائيات معالجة موضوعية علمية دقيقة وبالأرقام الصحيحة الدقيقة. كما لابد من الانتهاء من مشكلة مفتعلة لإشكالية أو قضية أكثرية وأقلية وما ينجم عنها من مثل مفهوم الأقليات القومية أو الدينية ومن ثمَّ إلحاق تلك الأقليات بالأكثرية بإكراهها على الخضوع لقوانين "الأغلبية"!؟

كما لدينا مستهدفات من وراء الإحصاء السكاني الدقيق الذي يتعامل مع قضية تسجيل القوميات تسجيلا رقميا دقيقا ستخضع لها قراءات مستقبلية مهمة من مثل مسألة إحصاء الكرد ليس بوصفهم أقلية بل بوصفهم الحليف الشريك في الوطن في فديرالية العراق الديموقراطي الجديد, ومن ثمَّ بوصفهم أصحاب حق في تقرير المصير حيثما جاءت اللحظة المناسبة لاتخاذ قرارات جذرية مستقبلية مختلفة عن الظروف التي تفترض اليوم وجودهم في مثل هذا التحالف وهو تحالف استرتيجي ولكنه قد يختلف طبيعة مغايرة مستقبليا...

وعليه فلابد من تحقيق إحصاء دقيق في تسجيل القومية الكردية لكل شخص يسجل انتماءه هذا بخاصة منهم أولئك الذين أُكرِهوا يوما على تغيير قوميتهم وانتمائهم ما يمنحهم حقهم اليوم في استعادة هويتهم الحقيقية. كما لدى كل فرد من القوميات المكوِّنة لشعبنا العراقي أنْ يسجل تاريخه الصحيح من جهة السكن والعيش حيث جرت عمليات التهجير والتغييرات الديموغرافية لمقاصد عدوانية معروفة...

وهنا سيكون من حق الإدارة البحث في تدقيق المعلومات وأشكال الدعم والتحقيق والمستندات التوكيدية آنيا ولاحقا.. ولكننا يجب أنْ نبحث في الاستجابة في زمن الحريات والحقوق لمطالب جمهور العراقيين وحسب هوياتهم وحقوقهم في توكيدها وفي الوقت نفسه ضمان تأكيد التدقيق في كل معلومة واردة ومسجلة.. ولكن الأكيد هو وجوب تسجيل الحقائق على أرضية من التفاعل مع الوقائع الجديدة المؤيدة بالوثيقة والشهادة الصادقة..

وفيما يخص الكرد بالتحديد وإقليم كردستان والانتماءات القومية الأخرى ومن دون استصغار أو تهميش أو عزل أو إقصاء واستبعاد, علينا بخصوص الإحصاء تحقيق الآتي:ـ

أولا:ـ تأكيد تسجيل كل شخص حسب انتمائه الحقيقي الذي يسجله بنفسه وبإرادته الحرة غير المضغوط فيها عليه..

ثانيا:ـ التعامل موضوعيا وجديا وإيجابيا مع حالات تغيير الهوية القومية بخاصة أولئك الذين أُكرِهوا على تغييرها في ظل نظام الطغيان والتخريب والعبث بمصائر أبناء شعبنا العراقي وقومياته المتآخية المتحالفة وممارساته في إكراه بعض الكرد على تغيير قوميتهم وما شابه من ممارسات..

ثالثا:ـ تسجيل تاريخ دقيق لأماكن السكن والإقامة والعيش السابقة بخاصة ما يتعلق بالكرد المهجرين داخليا ويشمل هذا بقية أبناء القوميات العراقية..

رابعا:ـ تسجيل معلومات في حقول إحصائية تخص التغييرات والتشويهات بالإكراه ما يساعد على قراءة دقيقة ثابتة لمجريات وقائع كل مشكلة ومنها بالتحديد التغييرات الديموغرافية المتعمدة, وتسلسل ما حصل وتاريخه ورغبة التعديل وما إلى ذلك..

خامسا:ـ وضع كل المفردات التي تمهّد لاستعادة الأوضاع الطبيعية أو إعادة تطبيع العلاقات بين مكونات شعبنا والبحث في آليات منع الافتعالات لمشاكل لا توجد بين أطياف شعبنا ولكنها كانت توجد لدى قوى النظام الدكتاتوري ولدى قوى التخريب المندسة بيننا اليوم وربما غدا..

سادسا:ـ لابد من خصوصية في التعامل مع أقاليم العراق وطبيعة الإحصاء فيها بخاصة ما يتعلق بإقليم كردستان والمقصود بهذه الخصوصية هنا كل ما يستجيب لمفردات الواقع وهويته وتفاصيله الديموغرافية وغيرها...

سابعا:ـ لابد من الإشارة هنا إلى أنَّ هذه المقالة تركز على خصوصية الكرد ولكنها لا تنسى التأكيد على التنوع العراقي القومي. ولذا فهنا يجب أنْ نشير لحق إفراد مقالة لدراسة الواقع القومي وما ينتظر من معالجات شاملة بقدر تعلق الأمر بخصوصية كل مجموعة من مجموعات أو مكونات الطيف العراقي.. بالإشارة إلى الكلدان الآشوريين والتركمان والأرمن وإلى الصابئة المندائيين والأيزيدية وإلى مفردات تعددية أخرى لا يمكن التجاوز والتغافل عنها أو عليها..

                                أما نتائج مثل هذا التفاعل الإيجابي فستأتي بمزيد من تعزيز وحدتنا الوطنية وستأتي بمزيد من تبادل الثقة والمسيرة المشتركة والتلاحم الذي يصب في إعادة إعمار عراق جديد ديموقراطي تعددي فديرالي موحد.. وسيكون من دواعي قراءة موضوعية كهذه التعبير الساطع عن استعادة قيمنا الحضارية ورفد وجودنا بما يعكس حقائق واقعنا التعددي القومي والديني الأثني العرقي المذهبي بكل تفاصيله...

                            ومن الطبيعي لن يتحقق ذلك بأية تجاوزات قد تحصل لتعمد طرف متسلل لجهاز الإحصاء الحكومي والأجهزة التنفيذية المتعلقة من بقايا النظام القديم أو لأخطاء قد تحصل لإهمال أو تقصير أو غير ذلك ولكننا بحاجة لتذكير أنفسنا باستمرار بما يستجيب لإظهار الواقع على ما هو عليه من دون قصور أو تشويه أو أخطاء لأية أسباب محتملة..

                         لذا كان من المفيد اليوم قبل الغد مناقشة مثل هذه المتعلقات والتفاعل مع وضع الأرضية المناسبة على صعيد الصياغة ومفردات الاستمارات الإحصائية المنتظرة على أنْ ينهض بالأمر متخصصون من أبناء القوميات والهويات الأثنية العراقية بكل الأطياف وتعاد دراسة مثل هذه المفردات حتى تستقر على الوضع الأنسب والأجود أو الأفضل بما يحقق المستهدفات المناسبة أو المستجيبة ليس لأقليات أو ما شابه من تسميات ماضوية سلبية بل لوجود تحالفي عراقي بين قوى متكافئة متعاضدة متعاونة متناصرة جناحاها الكرد والعرب في فديرالية العراق الديموقراطي..