العلاقة بين جيلين واستقامة الرؤى

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

2003\  11\ 09

E-MAIL:  TAYSEER1954@naseej.com

             

                                 يُلاحظ المتابع لأوضاعنا الاجتماعية والسياسية والثقافية ظاهرة تمرّد واحتجاج من قسم من جيل اليوم. حيث يرون في كلِّ قديم متآكل فاسد متخلف أو منتهي الصلاحية وكلّ جديد صلب أخضر ومشروع لبناء الحياة والمستقبل. وممّا نراه ظاهرة رفض فكرو الاعتراف بوجود الأَعلام وأهمية الريادة والرواد إذ يعدُّها بعضُهم وصاية وعظية سلبية وعقلية  سلفية مرفوضة. ولعلّنا نجدهم يضعون بديلهم في أنفسهم في كثير من الاعتداد بالنفس في وقت لا يهتمون لا بتثقيف الذات ولا بالتعليم .. إنَّهم يرسمون لوجودهم انطلاقا من رغباتهم وأهوائهم وكأنَّ ما بين أيديهم من منزَّل عليهم بغير جهد ولا طاقة عمل ولا معارف شقت طريقها عبر تراكم من تجربة الرائد الأول مرورا بمعرفة الرائد الوسيط وحتى الرائد الأخير الذي ينبغي أنْ يأخذوا عنه.

                                  إنَّ بديلهم هو كلّ من هبَّ ودبّ لمجرد انتمائه لتصوراتهم ورفضه جيل الريادة ومنجزاته وهوبعْدُ لم يبلغ سنّ رشد في خبرة أو معرفة وتجربة .. وشعارهم دعونا من الوصاية , دعونا نعمل ونتعلم من أخطائنا لا نريد معرفتكم إنَّها متحجرات الماضي.. وأيَّاَ َ كان منطقها وصوابها لا نريد البحث فيها.. نريد أنْ نكون بلا هذا الماضي الرقيب المتسلِّط علينا بقواعده ونماذجه.. وما ينشأ بعد ذلك هو عملية تجاوز وتخريب لما بناه هذا الماضي ووقف للتراكم المعرفي ولمسار خط التطور البشري المارّ عبر تعاقب الأجيال وتبادل الخبرات فيما بينها واتصالها وتواصلها.. 

                                   وما نراه أيضا تحقق شعار التغيير للتغيير عند هؤلاء, التغيير اللاتطوري في جوهره بل التغيير المنقطع عن مسار التطور الحضاري الإنساني! التغيير ابن لحظته ومزاج اللحظة القائمة وآنيتها ولا شأن كما يقول هؤلاء المتمردون (الهامشيون) لاشأن لهم بالأموات! والمتحجرات! وبكل نتاجاتهم من فلسفات الماضي القريب والبعيد.. فأيّ تسطيح نجابهه اليوم من هؤلاء السلبيين؟! وأيّ نفي ومصادرة وإعدام لكلِّ مسار البشرية السابق ومنجزاتها الفكرية والثقافية والفنية؟! ماذا يتبقى للحياة الإنسانية وهي تتعامل بفلسفة اقتل أباك وقمْ بأكله وألقِ بأشلائه لعالم الغاب وضواريه؟!

                                   إنَّ الهامشيين فئة متمردة تريد الوقوف على الأرصفة لتقول إنَّ الرواد والأعلام همَّشونا ولم يلتفتوا إلينا في وقت هم مجرد نكرات على هامش الإبداع الحقيقي الذي يهمّ كلّ مبدع حقيقي أنْ يدعمه ويسقيه ويرعاه ويتواصل معه بكلّ تجاريب الأمس وخبراته.. ولكن هؤلاء لا يريدون ولوج عالم المعرفة والجمال كما رأته البشرية طويلا ما لغة هؤلاء؟ ما أدواتهم؟ ما مصادرهم؟ ما تكوينهم؟ ما حاضرهم ومستقبلهم؟ لا يجوز لنا التساؤل ولا المناقشة ولا تبادل الرأي لأنَّ ذلك مرفوض مرفوض مرفوض بالثلاثة على أنَّه متأتِ ِ من مرفوضين للهؤلاء!

                                    في حقيقة الأمر هذه بعض من الظواهر المرضية التي أصابت فئات من مجتمعنا بالإحباط واليأس والصدمة من كلّ شئ وفي كلّ شئ.. ولذا لابد عند الحديث في هذا الإطار أنْ نتذكر لهؤلاء رفضهم الساسة التقليديين ورفضهم المفكرين والفلاسفة ورفضهم الأحزاب العريقة والمنظمات التي طالما قدّمت قرابين التضحية من أجل الخلاص من أوصاب الحياة ومصائبها ومن كلّ ما يمكن أنْ يؤذي الإنسان ويعيق تقدمه.. وأنْ نتذكر كذلك انتفاء القياس والمعايير لديهم واختيارهم كل ما يكسِّر القواعد في كلِّ شئ ففي الفن والأدب وجدنا اللارواية أو ضد الرواية واللاقصيدة  وفي المسرحية وجدنا اللامسرحية وغدا سنسمع عن اللالغة حيث يُكرِهون  البشرية على التخلي عن لسانها لتصبح خرساء أليس هذه الحصيلة الوحيدة الناجمة عن فلسفة الخراب والضياع والتوهان بعيدا عن الجذور؟! وطبعا بالمناسبة يمكن أنْ نتذكر لهؤلاء عدم اعترافهم بأية أنشطة لتكريم المبدعين بخاصة إذا كانت تتعلق بتكريم الريادة والرواد فهم لا يرون في هؤلاء إلا حيتان تبتلع وجودهم لا تسنده وتدعمه وتقويه كما يتوهمون!

                                    ولكنَّ تساؤلنا يظل هو هو عندما تشكِّلون جمعية أو منظمة أو حزبا جديدا ألا ترون أنَّكم لن تستطيعوا إلا أنْ تعودوا إلى خزين الماضي وتجاربه بوعي وبغيره؟ وعندما تنشِئون قصيدة أو رواية أو قصة أو حتى ترسمون مشروعا ألا ترون أنَّكم تعودون لمعايير سابقة وإنْ كنتم تقلبون تلك المعايير في سلوك تدميري للذات ولإنجازها؟ لا ضير من حالة التمرد ولكن الإيجابي والنافع المفيد هو في قراءة ضوابط المسار انطلاقا من التأسيس السابق.. وإذا كان صحيحا رفض السلبي والتخلص منه فإنَّه من الصحيح أيضا التمسك بكل إيجابيات الماضي وما توصلت إليه من معارف ورؤى وتصورات...

                                     وعلينا التأكّد من أنَّ تلك السياسة التنكرية للماضي بالمطلق تقع في خدمة لا ولادة الشخصية الجديدة بل محوها واستلابها وتوظيفها في خدمة مستغِل بدأ يفقد مواقعه التي طالما استغلَّ عبرها البشريةَ.. وعمل على استلابِها جماليات المعرفة وآفاق نفعها للإنسان .. وبعْدُ فليس للقطيعة بين رشد الريادة وحيوية التجديد إلا الفشل الذريع وخسارة منطق العقل القويم ومحو الشخصية باستلاب  جوهرها الإنساني وتركها نهبا لمكابرة الجهل وأمراضه..

                                     فهل  بعد أنْ نسأل كيف اكتسبوا اللغة؟ وكيف صار واحدهم يقرأ ويكتب؟ وكيف ترعرعوا لإبداع إنْ كان بعضهم مبدعا أو لفكر وسياسة أو ثقافة إنْ كان بعضهم من أهل الفكر أو السياسة أو الثقافة؟ أليس ذلك من التواصل والاتصال بين جيلين سابق وتالي؟! ورحم الله مَنْ عرف قدر موجدِهِ قبل زعم قدرِه وفضل سابقِه عليه.. لقد كان التلميذ يبدع مجتازا أستاذه مطورا عليه ويظل يلهج بفضل أستاذه فيما قدّم ويقدِّم فهل صغر عالم أجلَّ أستاذه!؟

                                      أهدي هذه الكلمات الموجزة إلى أولئك الذين يقفون بأبواب احتفالات تكريم الرواد شاتمين وإلى أولئك الذين اعتقدوا أنَّ انقطاعهم عن الزعامات السياسية والاجتماعية والثقافية ورفضهم إياها وفلسفاتها هي طريقهم إلى الحياة الصحية القويمة! عسى أنْ يعودوا إلى مجتمعهم وتقاليده المعرفية السامية...

 

1