رسائل  عراقية من غربات المهجر

شارع حيّنا الفقير.. شارع التنوّع والتلاقي الإنساني والمصداقية

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

           2004\  10 \ 20

E-MAIL:  t.alalousi@chello.nl

 

يزورُ العائدُ بعد 25 سنة من الغربةِ أهلَهُ ومدينتَهُ بملء الشوق.. يزورُ بلاده محمَّلا بكل ذياك الحنين ودفء الود والمحبة... يتطلع باحثا قبل أنْ يتأكد من معالم الحي الذي غادره  بالأمس قسرا ويدلفه اليوم ملتاعا, يبحث مرة أخرى ليجد بيت أهله.. وقبل أنْ يصل مبتغاه يسلِّم على تلك الوجوه التي مازالت هي هي كما تركها جمالا ووداعة وطيبة غير أنَّها خطَّ عليها الزمن من أحماله ومتاعبه وأوصابه الشئ البيِّن  الواضح..

من تلك الوجوه وجد العجوز المسنَّة اليهودية التي لم تبرح العراق على الرغم من زمن الفرهود وزمن المقاطعة والمحاصرة والمضايقات فأزمنة الدكتاتوريات التالية وضغوطها؛ أصرَّت على البقاء حيث تؤمن بأنَّ وجودها كله من تكوينات عراقية صميم.. بلى هي يهودية ولكنَّها كذلك بهوية عراقية خالصة فكل جزئيات بدنها من ترابه وكل مساماتها ملأى بهوائه وأنسامه التي تتنفسها طيبا ومحبة ووفاء..

ووجد في طريقه أصدقاء زمن الصبا والشباب جنب بيت السيد الشيعي الذي عاش عمره كله هنا في هذه المدينة ذات الأغلبية السنية من دون أنْ يرى في ذلك ما يزعجه أو ينال من حقوقه ومكانته وعلاقاته الطبيعية التي لم ينغصها أمر يعود لمذهبه أو طائفته التي ينتمي إليها.. وهو لم يفكر يوما بمغادرة مدينته هذه,  بلى مدينته هو كما هي مدينة كل أبنائها من دون تمييز...

سلَّم على رفقائه الذين سرعان ما تعرفوا إليه واحتضنوه وأتحفوه أسئلة عن كل تلك السنين التي غادرهم فيها لم يتركوا له مجال السؤال عنهم وعن أحوالهم هم, حتى صرخ أحدهم قائلا: يا جماعة لنتركه يصل الدار يسلِّم على عائلته وأهله؛ فأخذوه فيما يشبه الزفة إلى دار الأهل, بيت نشأ فيه وعاش طفولته وصباه ويسيرا من زمن شبابه.

هنا في هذا الجمع كان السني والشيعي وكان الكردي والتركماني وكان كذلك أكثر من شاب من الكلدان والسريان... يومها لم يكن لا مناسبا ولا في محله الحديث عن هذه التنوعات إلا من باب الاحترام وضرب المثل في متانة علاقات الأخوّة العراقية.. وللتباهي بعمق الشخصية العراقية القائم على بنيان من التنوع وفسيفساء الوجود الاجتماعي الإنساني...

في هذه المدينة العراقية لم يحصل يوما نزاع أو اختلاف أو احتكاك يعود لحال التنوع القومي أو الديني أو المذهبي الطائفي.. وحال تلك المدينة حال كل المدن العراقية أيا كان الأكثرية في أيّ منها؛ فالمسيحي وسط المسلمين والصابئي وسط المسيحيين والأيزيدي وسط الكلدان والآشوريين والتركماني وسط الكرد والكردي وسط العرب والعربي وسط التركمان وسلسلة الأمثلة لا تنقطع ما وُجِد عراقي من طيف وسط أطياف أخرى لا شعور بأقلية مقهورة من أغلبية ولا سطوة لأغلبية على أقلية الكل سواسية في عراق الجميع باسم العراق ... هكذا تحاورنا في كل عهود ما مضى من العمر وما سيأتي منه...

تلك هي مدينتي التي تركتها ملأى بكل الطيف العراقي. ولم أعرف يوما سؤالا يقع في خانة من أي مذهب أو من أي دين أو من أي قومية تكون يا صديقي؟ ولم أسمع السؤال يتردد على لسان أب أو أم أو جد أو جدة ولا على لسان جار أو جارة.. بل بعض أقراني لم أعرف ما مذاهبهم أو دياناتهم أو منحدراتهم التي ينتمون إليها أكثر من كونهم عراقيين من أبناء مدينتي...

لقد عشنا كأهل وعائلة واحدة وكانت أيام يحتفي بها الجميع بالمناسبات والأعياد جماعة وبشكل مشترك موحّد لا استثناء في دعوة لطرف أو عائلة أو فرد.. وكنّا نحيا الكل مسؤول عن الكل وعن حماية الحي والشارع والنظام فيهما أخلاقا وسلوكا وأمنا واستقرارا [وحلا وربطا] كما يقول ختيارية القوم وشيوخهم...

لقد كنّا نبيت عند الجيران أيام الدراسة وعند الضرورات وعند احتفالاتنا سويا ولم يكن ما يجعلنا نتحرج من ذاك المبيت فابننا أو ابنتنا في أمان وهم هناك بين أهلهم أخوة وأخوات وأعمام وخالات.. بلى لقد كان احتفالنا يزهو بالدبكة العربية إلى جانب الدبكة الكردية والأغنية السريانية والنغمة التركمانية.

ولم يكن من مشكلة لدينا في أنْ نأكل من صحن واحد من دون تردد أو تفكّر وتأمل أو سؤال.. كان أهالينا يتركوننا أمانة عند السفر ولو امتد الأمر لأيام ولم يعد هذا السلوك لعشائرية أو قرابة فحسب بل لوجودنا المشترك في حي أو [طرف] أو ضاحية أو شارع هكذا كان شارعنا في حينا الفقير ولكنه الغني روحا ومكارم أخلاق وعلاقات إنسانية صادقة وفية...

ما زال طريا في الذاكرة ولم يمَّحي مشهد العلاقات الوطيدة للأخوّة وللصداقة وللجيرة ولكل سمة توحّد لا تفرّق ولكل قيم التآخي قيم التقارب والعيش المشترك.. فحتى الأبناء من جيل الستينات وشطرا من السبعينات المنصرمة يشمون رائحة عبق السلام الاجتماعي الذي عشناه... وتأثيرات ذلك في البناء النفسي والعقلي لأبناء ثمانينات القرن الماضي ما زال حيا في الجيل..

ولكن , وهذه الـــ  ولكن الكبيرة ملأى بتساؤلات صارخة صراخا تراجيديا نازفا: ما مصيبة يومنا وأفراد من أجيال عدة يظهرون علينا في كتاباتهم وكأنَّهم لم يحيوا بيننا كل تلك العقود؟ وكأنَّهم لم يعيشوا كل تلك الجهود التي بنت حيَّنا ومدينتنا وعراقنا على ما وحَّدَه وأعلا من صرح مجده وحضارته الإنسانية المتفتحة...

ما الذي يجري وبعض أصوات سلبية مرضية  [وإنْ كانت ما زالت فردية محدودة]  تعلو اليوم؛ بخلاف أمسنا الرائع المشرق حيث عزلة كل طائفي وكل متطرف وكل متشدد مثير للمشكلات مثير للنزاعات والفرقة والتشتت؟! ما بال تلك الأصابع الأجنبية تمرق بيننا مثيرة زوابع الألم محاولة شق الصفِّ بحجج وذرائع لا أرضية لها؟

هل بيننا نحن الذين عشنا سويا أهلا أوعائلة واحدة موحدة نتزاوج ونلتقي ونتآخى مَنْ يفكر كما تدعي مخيلات مرضية مغرضة بتفرقنا وتحاربنا وتناحرنا؟ فإذا كنّا عشنا سويا بلا حتى أبسط احتكاك يعود لمذهب أو طائفة أو دين أو قومية فما بال تلك الأصوات النشاز تخترقنا هنا وهناك؟ ما بال تلك الأصوات المعزولة لمرضها وخطرها تجد لها موطئ قدم بيننا؟!

ها هي عودتي إلى شارعي الفقير تثير أسئلة غريبة على مسامعي, غريبة على منشئي, غريبة على تكويني, غريبة على ما غادرت مدينتي تاركا إياه فيها من أخلاقيات الأخوة والتلاقي والتسامح وكرم المحتد ووسطية الفكر والاعتقاد واعتداله بما يخلق أرضية السلام الاجتماعي الإنساني الذي أوجَدَنا من أساتذة وعلماء ومفكرين وساسة واقتصاديين ومن كل مثقفي شعبنا العالم العارف الواعي المتحضر...

إنَّني أخوض جدلا في أجواء جديدة من واقع مدينتي وأشهد في بلادنا العراق الكبير حاضن الثقافات والتعددية بكل ألوانها وأطيافها عبر تاريخه؛ أخوض في تيار عنيف ولكنني أعوِّل كما كل أهلنا على متانة التأسيس وقوة التكوين في الشخصية العراقية لكي تتصدى لكل الأصوات النشاز التي اخترقت مواضع وإنْ كانت محدودة لكنها موجودة في بلادنا اليوم تدنّس التراب المقدس.. إ،َّ تلك الأصوات النشاز هي القادمة من وراء حدود الشر والجريمة محاولة تمزيقنا على ما تراه موطن ضعف فينا..

لكنَّ تنوعنا وتعدديتنا هي موطن قوتنا وتماسكنا ومزيد احترامنا لبعضنا بعضا؛ ولن تكون مدخلا ينفذون منه لزعزعة استقرارنا ووحدتنا المتينة.. فإذا وقف أبناء الشارع والحي والضاحية والمدينة وقفة واحدة وعادوا إلى رفض كل ما يمزق ويشتت, ورجعوا إلى أسس ما تربوا عليه, وجدوا لحيواتهم عهدا آخر من نعيم إنسانية العراقي وشخصيته الوطنية الواحدة..

لم يستطع الطغاة تمزيق البلاد ووحدة النسيج الاجتماعي للشعب ولكنهم تركوا بُعيضا من المشوهين الذين نشير إليهم هنا, وسيظل هؤلاء معزولين حتى ينتهوا قبل أن يتحقق لهم من أحلامهم وأوهامهم شيئا يضر ببلادنا ووحدتها وبشعبنا وبحريته في تحديد أو تقرير مصيره..

لقد اخترنا سويا لزمن طويل تعايشنا وتحالفنا وتضامننا وها نحن بصدد مواصلة مشوار الوحدة والتقدم سويا مدافعين عن حقوق جميع الأطياف .. من يزور الوطن والأهل لا يعدم أن يكتشف المعدن الأصيل الذي ما زال يحيا في الأنفس الحرة الأبية..

وكل من يقرأ غير ذلك لا يقرأ بعينه الفاحصة وببصيرته الثاقبة ولكنه يتوهم بما تفرض عليه أصوات متفجرات الشر والجريمة على أذنه هذه الأيام ولكنه سرعان ما سيصحو من تأثيرات حمم الاختطافات والاغتيالات وأمواج العصف الأسود التي تحاول القبض على إرادة مدن بأكملها وأقاليم من جهة اِتباعها وإلحاقها بجهات أجنبية "إقليمية قريبة أو دولية بعيدة"..

فيا أهلي الطيبون, هل بعد قراءتي غير آلام تصيبكم اليوم؟ بلى, ولكن محن الزمن, ليست هي التي تغتال إرادة شعب؛ وليست هي التي تمحو شخصية عمقها آلاف السنين.. أثق فيكم وفي العقل الجمعي والفردي لأبناء الرافدين وأنتم أكبر من تصوراتي الفردية بحجم من المعارف والوجود لست أمامه إلا قطرة في محيطات من التنوعات العظيمة التي تلتقي وتتوحد في نهر العراق الحضارة..

أيا أهلي الطيبون نحيا ونتكلم وننطق بوحي من وجود اسمنا, العراق العالي الحضارة المشعّة؛ فلا تتركوا لتراخي لحظة أن يفسح لفيروسات الزمن الردئ ولوج بيتنا وحيّنا وشارعنا.. أنتم الأصل في مكارم الصفات وتساميها فلا تكونوا التابعين لصوت يخترقكم بلوي الذراع أو بشراء ذمة أو بضغط من أي نوع وأنتم الذين عبرتم محن يوميات حيواتكم الصعبة في ظل أعتى الطغاة...

ويا أهلي الطيبون سنصلي سويا في محراب العراق الحضارة, العراق الوطن بيت العراقيين ودارهم العامرة بالمحبة والتآخي والوئام.. ويا أهلي الطيبون, لا تسمحوا للغربة بمطاردة أبناء بلاد ما بين النهرين حتى وهم يقررون العودة إلى أهلهم ووطنهم بيتهم بيت نهرين...

لا نريد العودة إلى حيث غريب الدار يحيا.. أي حيث ابن العراق لا يحيا في بيته أليفا وليفا بل غريبا حيث يسرق الغرباء بيته ويحاولون تغيير كل شئ فيه حتى معالم خريطة الذاكرة العراقية فينا..

الشئ الوحيد النقي الصافي ما يبقى عصيا هو نقاء الذاكرة فينا. فلتكن تلك الذاكرة رائقة باسم العراق والعراقيين تأتلف وتتآلف بوجود الشخصية العراقية النقية الصافية وهويتها الراسخة الجذور فينا سويا, جناحا الوطن من أبناء الوطن الداخل وأبناء الوطن العائدين إليه بعد آلام الغربة ومحنها ومطاردات الزمن الصعب وقروحه...

لنعد حيث تنتهي الغربة, وينتهي الاغتراب.. لنعدْ حيث نبدأ تحريك ما أوقفه زمن الطغاة الذين استلبوا منا أغلى سنوات العمر... ولكننا نعود إلى حيث الوطن الصافي غير المسروق منّا, حيث الوطن الذي نجد فيه أهلنا لم يسرقهم زمن التشتيت والتمزيق والتفرقة..

نعود إلى عراق أُكرِهنا على مغادرته وكلنا ثقة بأنَّنا عائدون إليه برونقه ونبنيه بأعمارنا التي قاومت الريح الصفراء وها هي تقاوم من أجل البناء وإعادة الإعمار ليكون لأبنائنا من العراقيين المتمسكين أزلا وأبدا بهويتهم العراق الحضارة .. العراق التعددية والتنوع.. العراق الديموقراطي التعددي التداولي الفديرالي .. عراق كل العراقيين العراق الهوية النقية بعراقيتها الصادقة بعراقيتها التي تستعصي على أمواج تتخفى تارة بالمذهبية وحماية هذه الطائفة أو تلك وتارة بحماية هذه الجهة الدينية أو تلك القومية , بلى عراق كل العراقيين واحدا كما كان دوما عراق الحضارة لا غير ... أليس كذلك يا كل أصدقائي وأخوتي وأحبتي الذين عشنا وأكلنا من رغيف واحد؟                          خاص بجريدة [الأخبار] العراقية