بدء مسيرة العراق الجديدة ومحيطيه العربي والإسلامي؟
الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

           2005  08\ \30

E-MAIL:  tayseer54@hotmail.com

 

فلسفة القطيعة مع المختلف أو مع الآخر النقيض تظل واحدة من القراءات المقدمة لمعالجة العلاقات بين أطراف الحياة الذين يشتركون في قضية أو وجود أو إلى ما يربط تلك الأطراف بعلاقة تتطلب إجابة بعينها واستجابة تمثل التناول والمعالجة الممثلة لموقف كل طرف..

وفي العلاقة بين العراق ومحيطيه العربي والإسلامي، ظهرت منذ سنوات ثلاثة فقط معالجات همّها الأساس المغايرة والاختلاف عمّا مضى من جهة والتعبير عن نزعات دوران بوصلة إدارة الدبلوماسية العراقية الجديدة.. والتعبير عن رؤى جديدة تمثل طبيعة القوى التي تصدت للتخطيط للسياسة الدبلوماسية الراهنة...

ولأنَّ الأوضاع في عراقنا الجديد صار فيها العمل مفتوحا بطريقة "انفلاشية" وصار مركز القرار خاضعا لهذا الانفلات غير الطبيعي فإننا نجد الكتابات والقراءات من أصوات مجهولة و "بعضها" لا يحمل أكثر من خطاب الجهل والتخلف [من باب البحث عن المتخصص]  ولكن الظروف القائمة وضعته في صدارة الأوضاع حتى صار لصوته الدور المؤثر في الوضع العام بمقدار المسؤولية التي يحتلها وحجمها..

كما أن الأمر لا يقف عند الكتابات الصحفية الإعلامية ولا في دور موظف في الدبلوماسية العراقية ولكنَّه يذهب أبعد من ذلك حيث تحكم الشارع العراقي أعمال العنف الدموي التي طاولت الدبلوماسيين ومنهم بالتحديد العرب.. هذا فضلا عن مواقف مسبقة من أطراف رسمية عربية وخطابها السلبي من جملة التغيرات الجارية في العراق، بناء على قراءات مغلوطة أو تنطلق من مصالح التناقض والاحتكاك التي طالما حكمت السياسة الرسمية العربية..

من هنا ينبغي أن نراجع خطابنا الدبلوماسي المتردد الذي يراوح بين التوجه الواضح الصريح أو التراجع التام عن إشادة علاقات مع المحيطين العربي والإسلامي سواء من منطلق الشعور بالانتماء القومي أوالديني على وفق رؤية بعينها أم من منطلق الانتماء الإقليمي الذي يفرض التعاطي مع المحيطين على وفق منطق المصالح المتبادلة من جهة أو رفض التعاطي معها من جهة أخرى...

وبمراجعتنا نجد عديد أصوات ترتفع اليوم عاليا منادية بالقطيعة التامة مع المحيطين العربي والإسلامي دولا وحكومات بالمستوى الرسمي وشعوبا وقوميات بالمستوى الشعبي غير الرسمي.. وهذه الأصوات لا تكتفي بالنداء والإعلان بل تشن هجمات عنيفة متهمة [بالمطلق!؟] المحيطين العربي والإسلامي الرسمي وأحيانا حتى الشعبي بما يجري لوطننا وشعبنا!

وإذا كان التعامل مع الخطاب الدبلوماسي بحاجة لسياسة محددة ولإدارة مخصوصة فإنَّ من الصائب هنا العمل على التصدي للهجمات العبثية الاعتباطية لتلك الأصوات التخريبية التي يتحدث بعضها عن جهل وآخر عن تعمد وتقصد مستهدفا القطيعة بين المحيط العربي والعراق...

وليس بوارد الحديث عن أهداف خفية وراء أمل القطيعة الذي يحمله هذا [البعض] ولكن ما يهمنا هنا هو التعبير عن المخاطر الجدية التي يمكن أن نتعرض لها بسبب من مواصلة العزف على أوتار تخريب العلاقات مع محيطنا وحمل رايات القطيعة..

إنَّ العالم البشري العادي والعالم المؤسساتي الرسمي وغير الرسمي على جميع الصُعُد الإنسانية ينطوي على عميق التغاير والاختلاف فضلا عن التنوع والتعدد. ولكن القانون الإنساني بوجهه الحقيقي ينطوي أيضا على مزيد من الوحدة والعلاقات والقواسم المشتركة والتفاعلات التبادلية بين أطراف الحياة وهو ما يحيلنا إلى مفهوم علم الجمال عندما يطلق مصطلح "الوحدة في التنوع"..

ولا يوجد لكل المجموعات البشرية سواء مجموعات قومية أم دينية أم سياسية وسواء كانت دولا أم منظمات أو مجموعات إقليمية واتحادات دولية، لا يوجد على جميع تلك الصُعُد والمستويات مصلحة للتقاطع والتناقض الاقتتالي إلا لجهة واحدة فقط هي جهة القوى المستغِلة [بكسر الغين] ذات المصالح الضيقة القائمة على نهب الإنسان ومصالحه ومصادرة حقوقه...

وليس بوارد القول: إننا نقبل الخضوع في بناء علاقاتنا الإنسانية بناء على توجهات تلك القوى الضيقة العنفية المعادية للوجود البشري الطبيعي ولما يحكمه من علاقات إنسانية رسمية وغير رسمية..

وعليه فإن المنطق السليم يستند إلى جهة التفاعل وإشادة العلاقات الوطيدة التي تخلق التعارف وتقدم التوضيحات وتكشف مواضع الخلل وسوء الفهم ما يقطع الطريق على قوى العنف والانعزالية السلبية وأهدافها الخطيرة..

وفي منطق العلاقات الدبلوماسية ينبغي عقد مزيد من اللقاءات المباشرة وفتح منافذ الحوارات الجدية المسؤولة التي تمنح مسار العلاقات فرصا مضافة لتبني بدلا من أن تهدم.. وفي الخطاب السياسي الشعبي للحركات السياسية الوطنية ينبغي أن نرى برامج تعتمد هذا المنطق البنائي لكي نثق بأن تلك القوة أو غيرها يمكنها أن تتسلم إدارة البلاد بما يعود على شعبها بالخير والسلم والتقدم...

من هنا فإن قادة الحركات السياسية هم أيضا مسؤولون عن توجيه الخطاب العام توجيها إيجابيا بنَّاءَ َ بدلا من تشجيع لغة التخريب الملأى بالتهجمات السافرة والاتهامات الباطلة [اعتراضنا دوما على المطلق في التعبير] لهذه الدولة أو تلك ولهذه المجموعة القومية أو تلك..

ولن يكون مثل هذا التوجه بعيدا عن المكاشفة والمصارحة مع أية إدارة دبلوماسية أو سياسية فيما تراه قوى شعبنا عدوانا على مصالحنا.. بل سنمضي في التعاطي مع الوقائع من منطلق فضح كل فعل يتهددنا بخطورة ولو صغر شأنها..

ولكننا ينبغي أن نستدل على طريق معالجة الأمور بسياسة سلمية ثابتة وبطرق مسؤولة وأدوات راقية متحضرة في خطابنا مع الآخر لوقف أية تجاوزات أو أعمال عدائية يمكن رصدها ولسنا بحاجة لمزيد من الاشتباكات والحروب مع جيراننا فتلك [أي الحروب] وسائل ولَّى عهدها مع أزلامها المهزومين..

هذا كله من جهة العلاقات الدبلوماسية العادية ولكن من جهة الانتماء للإقليم ينبغي أن نراجع مسائل القراءة التاريخية والجغرافية والقواسم المشتركة اقتصادا وثقافة وفكرا لنجد أن التنكر لتاريخ يمتد لآلاف السنين والأعوام ولعوامل الوحدة أمر ينطوي على خطل تقويمي عميق الغور ويختلق أو يفتعل جروحا غير موضوعية وهي غير مفيدة بالمرة إذا لم نقل شديدة السلبية والمخاطر في استيلادها اليوم..

وعليه كان لزاما لنا أن نتحدث بوضوح في تشخيص الهوية العراقية بخصوصيتها الوطنية وامتدادها الحضاري السومري المخصوص بالتحديد ومن ثمَّ البابلي "السامي" لنسجل للكلدا آشور السريان ومن بعدهم للعرب مكونات ماضي البلاد (جذورها وأصولها) وحاضرها.. وبناء على ذياك التشخيص سيقر المنصف والمنطق العقلي الموضوعي بطبيعة الانتماء للإقليم وأهله..

غيرأن الإقرار بالانتماء لا ينبغي أن يكون على وفق مبدأ الجزء والكل ولا على وفق مبدأ الانصهار في المحيط أو القبول بأن يبتلع المحيط الأكبر حجما الوجود الأصغر وتذويب الخصوصية العراقية في المحيط لدواعي تاريخية أو غيرها بطريقة التابع والمتبوع ولا يجري هذا الانتماء على حساب أيّ مكوِّن من مكونات المجتمع العراقي والدولة العراقية الفديرالية..

ولمعالجة مسؤولة ينبغي أن التفكير بالموازنة بين خصوصية الهوية العراقية واستقلاليتها من جهة وبين طبيعة العلاقة مع المحيط الأقليمي بالاستناد لقراءة معاصرة لطبيعة العلاقات بين الدول والشعوب وتطمين مصالحها المبدئية على أسس تكفل المشترك والمتبادل من الحقوق والمصالح..

وعلينا هنا أن نجد فرصة تقوية منافذنا الصحيحة التي نمدها إلى تلك الجهات المحيطة بنا من دون التضحية لا بهويتنا الوطنية المخصوصة ولا بمصالح شعبنا ومكوناته ومؤسسات مجتمعنا الرسمية وغير الرسمية..

وسيكون لزاما علينا أن نكون مسؤولين عن طريقة صياغة دستورنا ومواثيقنا الرسمية بما يتلاءم مع أفضل صياغة تعبر عن وجودنا وهويتنا ومصالحنا وحقوقنا ومن غير أن نضع أنفسنا في حال من التقاطع والتقاطع والتعارض الاحتكاكي مع الآخر الموجود بجوارنا بحكم المكان وبحكم تاريخ العلاقات بمختلف مستوياتها وجسورها وقيمها أو قواسمها المشتركة...

وبناء على ما تقدم يمكننا أن نمضي اليوم في خطى العلاقات الإيجابية وتبادليتها المفيدة بتعميق العلاقات الإقليمية على مستويي الدولة والشعب دبلوماسيا وسياسيا واقتصاديا. وسيكون هذا مطلبا يستدعي التخطيط الموضوعي ومراجعة خطابنا مرات عدة..

وهنا أشير لوقوع وزراء عديدين ومسؤولين عراقيين مهمين في خطايا التصريحات المستعجلة وأحيانا تهور بعض القراءات الرسمية أو غير الرسمية في التعاطي مع العلاقات المحيطة بنا...

وهذه القراءة لا تقبل بتبرع حكومتنا بمئات المليارات تعويضا عن حروب الطاغية لدول الجوار ولا تقبل بالتنازل عن السيادة ووضع مرجعيتنا الوطنية تابعة ذليلة في عاصمة إقليمية لسبب ديني أو قومي.. ولكنها قراءة تؤمن بوجود منافذ العلاقات الإيجابية بغير التضحية بالشخصية الوطنية ومصالحها وهويتها وسيادتها..

إن الإقرار بانتماء العراق لمحيطه الإقليمي والدولي ليس تنازلا عن وجوده بل إقرارا بالروح الإنساني النبيل على مستوى الفكر والسياسة واستقامة الحلول السلمية على مستوى الدبلوماسية وعودة لقيم المنطق العقلي في تطمين الحقوق الوطنية والإنسانية ومنع لغة التعادي والاحتراب ومحوها من معجم عراق الحضارة والتفاعل الإيجابي البناء مع الآخر..

ونحن هنا نسجل طبيعة مختلفة في تقويم خصوصية كل بلد عربي على الرغم من الاشتراك اللغوي فكثير من الأمم والقوميات والشعوب تشترك لغة وتختلف وجودا بهويتها.. ومن غير مماثلة هنا أو مطابقة تجد هذه القراءة صحة موضوعية في االتفاعل بين بلدان "العربية" لما لها من قواسم مشتركة ماض وحاضر ومستقبل لا يمكن إلغاؤها بجرة أقلام بضع متعجلين أو بعض من ذوي مصالح بعينها..

وفي الوقت عينه لا يمكننا الادعاء بحتمية إلغاء الخصوصية الوطنية لمصلحة قومية عليا متوهمة أو دينية عليا مزعومة. إذ الدول الموجودة اليوم تقوم على وفق منطق مختلف عن العصور المنصرمة المنتهية.. وهي بهذا تتعامل بمنطق فكري يقيِّم الوجود والهوية بما يستجيب لمنطق المصالح المتبادلة وليس في القطيعة والتهور والعدائية كما يرد في لغة المتهجمين على "العربان" استخفافا بالشعوب العربية وبالأنظمة المختلفة، ليس في لغة أولئك إلا ما يضير مصلحة العراقيين والعراق..

ويمكننا التقرير هنا بوحدة المصير الإنساني في الدفاع عن السلم والحرية والديموقراطية وبوحدة المصالح في الدفاع عن حقوق الإنسان ومن ثم تقديمها على مفاهيم السيادة التقليدية لصالح قيم الإنسان ومصالحه وحقوقه ووحدة مصالح الشعوب وهمومها المشتركة في إطار التنوع والتعدد ووحدة المصير بين الدول والكيانات الدولية والإقليمية قبلها في إطار الاختلاف والخصوصية واحترام الهوية..

وهكذا نستعيد مبادئ التعايش السلمي وتبادل العلاقات والمصالح لتكون فلسفتنا بديلا عن كل ذرائع الاحتراب والتقاطع والتنازل عن روابط التآخي والوحدة الإنسانية بكل معطياتها ومستوياتها..

فهل من مراجعة جدية مسؤولة لإشكالية العلاقة بالمحيطين العربي والإسلامي بطريقة تبني ولا تهدم وتخدم مصالحنا ولا تضعنا لقمة سائغة بيد أنظمة محيطة لا علاقة لها لا بمصالح شعوب الدول العربية ولا شعوب الدول الإسلامية؟