فضائح الفساد والجريمة ومنطق التبرير الأعرج!

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

           2005  11\ \20

E-MAIL:  tayseer54@hotmail.com

 

 

يوما بعد آخر يكتشف أبناء شعبنا العراقي في ظروف عراقنا الجديد بطريقة فضائحية ما يختفي وراء أكمة الفساد والجريمة في داخل مؤسسات الدولة وخارجها.. ومن الطبيعي أن نجد أنفسنا في حال من الثغرات المتعددة المختلفة المتكاثرة. ولكن ما العمل ونحن نتحدث عن حكومة منتخبة؟! وعن نظام جديد؟ وآليات عمل مختلفة جديدة!

بالعودة إلى حقيقة مؤسسة الدولة سنجدها تعاني من فقر دم مستفحل وأوضاع سرطانية مستعصية بسبب من الخلفية التي تأسست وانبنت عليها تلك المؤسسة الحكومية.. فنحن للتو نخرج من نظام الفردنة والطغيان والاستلاب والمصادرة كما أننا لم ندخل التغيير من بوابة قوى ملائكية تهبط من الفضاء الخارجي  لتكنس كل أوساخ النظام العتيق ونفاياته العفنة...

كل ذلك يعيه المواطن العراقي ولكن ما لا يمكن أن يدخل في الاستيعاب والهضم أن يشحذ نفر من كتّاب أو أقلام كل الأزمنة لينبروا مدافعين مبررين كل خطأ وخطيئة للحكومة وليهاجموا أية محاولة تقويمية نقدية والسرّ الظاهر المعلن هو أن الحكومة منتخبة وأنها وطنية وأنها ديموقراطية وأنها قاربنا وسفينتنا إلى برِّ الأمان "المفقود حتى لتلك الأقلام التي تدبج المنافقة التقليدية المعروفة!"

كما أن الانقسام الطائفي والحزبي بدأ يطفو بوصفه أمرا واقعا يفرض ظله الثقيل على كل مساحة بلادنا وأهلنا في الوطن والمهجر.. فمن أقلام تتحدث عن وزير سابق تتهمه الحكومة وكأنه سارق البلاد الوحيد ومجرمها الذي ما بعده ولا قبله؟ وأخرى تتحدث عن الحكومة دفاعا وكأنها ملائكة الله في جنته لا يأتيهم الخطأ لا من قريب ولا من بعيد مسمية كل ما يأتيها من نقد بالهجوم على شعبنا ووطننا!!!؟

هكذا بالمطلق طرف مع وطرف ضد وكل يُشهِر سيف الجلاد التكفيري.. حتى صرنا نرى من ينبري لحملة هذا الطرف منتظرين الحملة المضادة بعد هنيهة.. ولآخذ مثلا في الاحتجاج الوطني العام الذي جرى لفضح جرائم التعذيب في معتقلات وزارة الداخلية العراقية!!

لقد بدا واضحا من الشواهد مصداقية النبأ، الواقعة باعترافات كلية أو جزئية  من المسؤولين أنفسهم بتوصيف ما جرى، وصار الأمر مؤكدا؛ الأمر الذي  يدعو لموقف بعينه من طرف المسؤولين في الحكومة وفي الداخلية وفي مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية وبالتأكيد البرلمان العراقي والسلطة الرابعة..

 

 

لماذا سيكون لزاما علينا تحديد موقف.. لأننا أيها السادة لسنا بصدد قضية عادية  بل هي قضية ما يتحدث المبررون عنه من حرص على الوطن والشعب!  حيث الحرص على الشعب والوطن لا يأتي من بوابة الحرص على الحكومة ومؤسساتها وشخوصها أيا كانت تلك الشخوص مكانة وموقعا وتاريخا وهوية بل يأتي من خلال تطمين مصالحه وحقوقه ورفض كل ما يطال الناس والوطن..

أما حكاية الشماعة فهي آلية لم تدم لأصحابها من طبالي السلاطين والطاغية المهزوم. وعراقنا الجديد هو عراق المكاشفة وعراق عمل الحكومة بآلية العمل الجمعي المؤسساتي، العمل الملتزم بالقانون وضوابطه وليس الذي يقدم مصلحة فرد أو حزب أو حركة على حساب عراقي واحد فما بالك بشعبنا بأكمله يُستباح!!  فليذهب أولئك الطبالين جميعا إلى الجحيم عندما يتحولوا إلى أدوات جلد الناس وسرقة حقوقهم واستلابها ومصادرة حرياتهم...

لا يوجد مقدس في القائمة السياسية الجديدة لشعبنا سوى حقوق الإنسان الثابتة الراسخة ولننتهِ من عهود المصادرة بذرائع هذا خائن وذاك مجرم والثالث مرتد وغيرهم كيت وبعدهم كذا من سلسلة لا تنتهي من الحجج والمبررات والذرائع..

فكل شخص له مسؤولية محاسب على أدائها على وفق اللوائح والقوانين وعلى وفق الأمور الإجرائية التي لا تسمح بالتفرد والشخصنة ولا تقبل بالتجيير لصالح هذا ومنع الأمر عن ذاك.. من هنا كان علينا في جريمة كبرى كتعذيب الإنسان لأية ذريعة كانت أن نقف لا عند حدود الفضح والتعرية بل لابد من الذهاب أبعد من ذلك ليس بالمطالبة باستقالة وإزالة حصانة بل باتجاه أشد محاسبة قانونية لمقترفي تلك الجريمة ومن يقف وراءها ومن له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بإخفائها طوال المدة المنصرمة..

ولم يعد من المجدي الاكتفاء بالبيانات ولا من الصحيح القبول بتمييع الجريمة مهما كانت الأعذار المقدمة.. ومن السخرية أن من يعترف بالجريمة يقلل من شأنها لأنها أصابت عددا غير المعلن عنه وكأن البشر وحقوقهم يُحصَون بالــكم وقد قيل "لو أن شاة في أقصى دولتي تظلمت فأنا مسؤول عن رد المظلمة" فأين هذا من ذاك؟! وكيف يجري تقييم حق إنسان مظلوم؟ وكيف ينظر مسؤول خطير كوزير للداخلية في عراقنا الجديد عندما يتحدث تقليلا لشأن الجريمة باستهانة رخيصة سمجة بالإنسان حيث يحسب الرؤوس كحساب شياه أو أشياء!!!!؟

كان على أصدقاء الحكومة والسيد وزير الداخلية أن يسرّوه نصيحة بالاستقالة الفورية عقب كلماته [...] تلك فيما العجب العجاب أنهم يبررون له ويوافقونه أن العدد 172 وليس ألفا وهو يختزل فيقول العدد سبعة وليس 170!!! هكذا الإنسان العراقي ما زال رخيصا على وزير داخليته الذي يُفترض أنه المسؤول عن توفير الحماية لذياك العراقي..

وليس بوارد القول أن نتحدث باستفاضة عن دفاع رئيس الحكومة ووزير داخليته عن ملالي إيران واطلاعات وعن عدم تدخلهما في الشأن العراقي ولا ندري في أي مدرسة دبلوماسية تعلموا الدفاع عن أفعال دولة أخرى وهم في سدة سيادة دولة ثانية؟؟؟ ولماذا لا يدافع أحدهما عن حق العراقي وحقوق الإنسان ويقسم أغلظ الأيمان كما يفعل عندما يدافع عن تدخلات إقليمية همجية دموية بأن يعيد الحق لأهله  لماذا يصعب عليهم الحديث عن هذا بوضوح ودقة؟؟؟ أم أن ألسنتهم عقدتها مفاجأة الفضيحة وذهول اللحظة حتى راحوا يرمون الكلمات جزافا يمنة ويسرة؟؟؟؟؟؟

إن كل من يقدم جهة ما على عراقنا وعراقيينا يقع تحت طائلة الحساب ويجب إزاحته فورا من موقع المسؤولية التي خانها.. فلا مجاملة في مصالح الناس ولا وجه حق في الاعتداء على الناس الأبرياء المسالمين.. ولا مجال للتراخي في زمن عاث بالبلاد والعباد المجرمون واستشرت جرائمهم.. وإلا ليقل أحدكم: هل الحزم في محاولة، مجرد محاولة إعادة حقوق الناس أمر يمكن أن يعلقه بعضكم على شماعة البعث؟

وهل كل من ينتقد حكومة الانفلات الأمني واستشراء الفساد والجريمة هو من ذيول الصداميين؟ وهل تمرير جريمة دولة ومؤسساتها أمر صحيح لأن الدولة يرأسها حزبا "الدعوة والمجلس الأعلى" وكانت تلك الجريمة بالأمس القريب غير صحيحة لأن الحاكم طاغية آخر من غير الحزبين الطائفيين المذكورين؟

هل يحلّ للإسلامويين الطائفيين من أتباع الجارة المقدسة أن يرتكبوا بحق العراقي ما يشاؤون مما كانوا يزعمون معارضتهم له في ظل الطاغية المهزوم؟ وكيف يمكن أن نبرِّرَ لشخص أن يرتكب حراما أوجريمة وبأية ذريعة  وبأية حجة نمررها؟ من يستطيع أن يبرر لمجرم جريمته مهما كان اسمه يحمل من خالة مزعومة؟ وهل يوجد مثل هذا المنطق في ديانة أو قانون إنساني؟

 

أيها السادة على فرض أن البعثي الصدامي يشترك في تشويه حكومتكم ووزرائها؟ وعلى فرض أن قوى الإرهاب المزعومة المتوهمة تشوِّه حزبي الحكومة وتهاجمهما؟ فهل هذا الفرض يجيب حقا مستلبا لإنسان عراقي تمَّ تعذيبه؟ وهل وجود أعداء للحكومة يمنع محاولة تطويرها وتطهيرها وتقويمها؟ وهل وجود أعداء للحكومة يمنع انتقادها فيما ترتكب من جرائم؟ أم أن حكومة الطائفيين الجدد هي الأخرى معصومة منزهة لا يُمسّ لها طرف؟

أيها المعنيين من المرتعشين من انفضاح أمر سادتكم وهم أدوات مرتعشة بيد أسيادهم داخل الحدود وخارجها، ليس لكم أن تعتذروا عن جريمة فلا عذر بعد ولوج عالم الإجرام!  وليس لكم أن تتعذروا لتلك الجرائم وعوالمها ودهاليزها فلن يخفي شعاع شمس حقوق العراقيين غربال تحججكم وتمسككم بشماعة البعث الصدامي والبعث غير الصدامي والأعداء المحيطين بحكومتكم وما شابه من توليدات لا نعلم لها نهاية من الحجج والذرائع بل سيقرر لكم أمكنتكم ومواضعكم صوت الشعب العراقي الهادر...

لن يقبل منكم استغفار واستعذار لأن أقلامكم دنست مملكة النقاء الصحفية وعاودتم مدرسة تهاجمونها قولا وتمارسونها فعلا في تلميع قبيح وجه الجريمة.. والجريمة ليس لها إلا وجه واحد مستكره مستقبح وعلاج واحد مطلوب واجب التنفيذ فور لحظة افتضاح الجريمة والمجرم..

لا مجال لمزايدة انتخابية فحكومتكم جاءت انتخابيا على دماء العراقيين وببلطجة ميليشيات غدر ومن يدفع لها أجور أفاعيلها الشنعاء، جاءت بملء صناديق قبل أن يأتي إليها أبناء شعبنا، جاءت بحراب الطائفية وأقنعة الزيف الدينية الكاذبة المزعومة والأديان كلها براء من الأدعياء المزيفين. فلا ميليشيات بعد اليوم في دولة القانون المنتظرة، ولا وزارة باسم فرد أو حزب أو حركة بل كل المؤسسات من الشعب وباسم الشعب وللشعب...

ولا أملك بعد هذا، في تعريتي حجج الذرائع الواهية غير وعي العراقيين أي مصالح يدافعون عنها ومن يختاروا لتنفيذها لهم.. وليتبيَّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولننتهِ إلى الأبد من أدعياء وصاية "مرجعية" علينا فإذا كانت مرجعية اختارت هؤلاء فلنعرف ماذا جلبوا وماذا أعادوا من أساليب إرهاب الدولة الذي هزمناه بهزيمة الجلاد الطاغية فلا تعيدوا لنا طاغية آخر تحت أي مسمى لأنه لن يكتفِ بسرقة رجالنا ووضعهم في غياهب السجون والمعتقلات بل سيصفي كل شريف ليغتصب ليس حقه في الحياة بل عِرضه وشرفه في نسائه من بنات وأخوات وزوجات وأمهات ولن يحتفظ لكريم بعزيز موقع ونزيه موقف!!!

وها أنتم تشهدون التصفيات وتكشفون فضائح الأموال الوسخة من أجور ميليشيات الــ "غدر" والتقتيل والاغتيال والإيقاع الطائفي كل هذا الهول وهم لم يمضِ عليهم في سدة الحكم أشهر معدودة،  فكيف لو جاؤوا لسنوات؟!! إذن ليبِعْ كل شريف كرامته ولتسقط آخر قطرة "غيرة الرجال" لأن السيد يأمر وينهى بما يشتهي هو وبما يرغب أسياده شرق البلاد وغربها أيضا...

دع عنك أيها القلم المصنَّع في أدغال الجريمة، تبريرك واستعذارك ومخادعتك  فالفضيحة جريمة بحق الإنسان وكفر وجحود بحق من أوجده خليفة على أرضه يعمرها ويحييها بغير فساد أدعياء التأسلم والإسلام براء وبغير جرائم أدعياء التسيِّد علينا بمرجعية مزعومة العصمة والمراجع الأطهار براء من زور الادعاء بعصمة وبغيرها..

لنعد أيها العراقي إلى حيث حقوقنا ولنرفض التطبيع الذي يريدون مواصلته عندما أكرهوك على معايشة الحروب ودمارها وتخريبها وعلى الإذعان لمصائب حلَّت بك وبصغارك وها هم يريدون أن يعيدونا إلى صَغار وتبعية وذِلَّة لأسياد جدد.. فقد راح الطاغية أبو برنيطة وكيمياوي وجاء الطاغية أبو عمامة وجبة وغدارة ومفخخة سيارة.. ويريدون منا معايشة واقع الجريمة والفساد والقبول بها عادية تجري بلا حتى انتقاد ولو بأضعف الإيمان والحجة عندهم ألا يعلو صوت على صوت الحكومة المبجلة المنزهة وهي لب الجريمة وجوهرها!!؟  فيا ويلنا لو قبلنا المداهنة في حقوق نفر واحد..  فالعراقي الإنسان الفرد مثله مثل كل أبناء البشر يمتلك ذاته وحقوقه ولن نتنازل عن موقعه تحت شمس العدالة والحقوق الثابتة الراسخة حيث وُلِد العراقي حرا لا  ليذله فرد أو وزير أو حكومة أو حركة أو بلطجية شوارع الجارة والدارة... ولتحيا أصواتكم حرة ولتحافظوا على أصغر حق لأصغركم مثلما أعظمخ لعظيم غدكم المشرق المصنوع بأيدي النزاهة والنظافة والكرامة...