المسألة الكوردية

بين تركيا والمجتمع الدولي والحل السلمي المنشود؟

أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

باحث أكاديمي في العلوم السياسية

tayseer54@hotmail.com

 

 

لابأس من التذكير بإشارة عابرة لمرحلة تشكل الدول المعاصرة في الشرق الأوسط الكبير بُعيد الحرب الكونية الأولى وتلك المعاهدات والوعود التي مُنِحت لشعوب المنطقة بشأن حقوقها القومية والوطنية والإنسانية الثابتة، التي نصّت عليها المواثيق الدولية السابقة واللاحقة...

ولابأس من التذكير بالمتغيرات التي جرت في السياسة الدولية؛ بخاصة فيما يتعلق بتحالفات متغيِّر الأوجه والوعود لحساب ثابت المصالح للقوى المسيطرة.. فتتغير سيفر بلوزان ويتم التعتيم على حملات الأنفلة والحرب الكيماوية وتمريرها في مرحلة وفضحها في أخرى.. ويشيرون إلى حقوق المجموعات القومية في موضع ويشيحون النظر في موضع آخر بل يصل الأمر للتناقض...

فحق الشعب الكوردي في تركيا مكفول بقوانين ثابتة ولكن حركاته التحررية يجري توصيفها أحيانا بالعدوانية وتوضع على قوائم الإرهاب!

لقد جاءت التطورات الداخلية في كوردستان بتركيا اليوم برد واضح وملموس من الشعب الكوردي؛ عندما صوّت لصالح حزب المجتمع الديموقراطي في الانتخابات البلدية على الرغم من التزوير ومن الضغوط وآليات القمع والتضليل وسطوة العنف والرِّشى والوعود المؤقتة  من مثل إطلاق تصريحات بمنح بعض الحقوق الثقافية والاجتماعية!؟

 

وبقطع النظر عن خلفية توصيف حركة التحرر الكودرية وحشرها تضليلا وزورا في خانة الإرهاب؛ فإنَّ الكورد شعب يحمل هوية الأمة بلغتها وتاريخها ووجودها الإنساني المخصوص بتمام ما تمتلكه بقية الأمم والشعوب ومثلما الشعب التركي وهوية الترك القومية وتاريخها ووجودها بمبدأ المساواة والإخاء والعدل...

ولا منطق يجيز لأي كان بإلغاء وجود أمة بقرار جائر أو يبيح لأمة أنْ تصادر حقوق أمة أخرى واستعبادها وسلخها من هويتها وممارسة قيمها ومفردات حيوات أبنائها وبناتها..

فإذا اتفقنا على الاعتراف بوجود الكورد شعبا وأمة وبالحجم الكبير الذي يتجاوز الـ20 مليون نسمة في كوردستان بتركيا وحدها.. وإذا كان مُسَلَّما وبدهيا ثابتا حق كلّ أمة وشعب في تقرير المصير بكفالة القوانين الدولية والإنسانية النافذة اليوم، فإنه من المفيد أن يُفضي هذا للقبول بوجود قضية يلزم البحث في الحلول الأنسب بشأنها..

وبدءا ينبغي تسمية الأمور بمسمياتها. فالقضية هي قضية الكورد؛ والمطلب يتمثل في إنصاف هذا الشعب والاستجابة لحقوقه. ومن أجل ذلك ينبغي قراءة المشهد بتفاصيله عبر ممثلي الكورد الشرعيين وبمنطق الاستفتاء الذي يطمّن احترام مطالب الكورد شعبا وأمة بهوية مخصوصة وبحقوق إنسانية ثابتة...

 

إنّ موقف السلطة السياسية في بلد كالحكومة التركية  وتعاملها مع ملف الكورد وقضيتهم، لا يمكن أن يمرَّ على أساس إلغاء (وجودي) وإنكار يصادر الاعتراف بوجود الكورد.. وهربا من الحقيقة يسميهم (أتراك الجبل) أو يمعن في فلسفة التتريك الذي دامت عقودا طويلة من عصرنا!

وإذا كنّا نشهد موقفا موضوعيا سليما في أوساط تركية متنورة فإنّ موقفا آخر يُضاف اليوم من بعض القوى التركية الأخرى عندما تتقدم ولو بالتصريحات في الاعتراف بوجود الكورد وبحقوقهم التي يقترحون خطوات (محدودة) للتفاعل معهم...

وهذا في الحقيقة لا يكفي للوصول إلى حل يقوم على مبادئ حقوق الإنسان وتقرير المصير وتلبية مبادئ الإخاء والمساواة والعدل.. ويديم أساس المشكلة ويدفع بها للتفاقم والتعرض لتداعيات سلبية بات واضحا بعض معالمها...

 

وعليه فإنَّ الخطوة التالية باتجاه الحل بعد الاعتراف بوجود القضية وجوهرها تكمن في إطلاق مشروع استراتيجي متكامل وشامل للقضية يقوم على:

1.     الاعتراف بوجود الكورد بشخصيتهم القومية المستقلة في إطار الدولة التركية الموحدة.

2.     تلبية مطالبهم وحقوقهم الثقافية والإدارية والاجتماعية بالمعنى الأوسع للمفهوم.

3.     منحهم حق المشاركة السياسية غير المنقوصة في إدارة الدولة وعلى وفق الخيارات الشعبية بانتخابات حرة تتوافر فيها فرص الحريات السياسية واحترام حق التعبير ووقف المصادرات وأعمال المطاردة والقمع  بخاصة بشأن الاعتراف بحركة التحرر الكوردية وقياداتها..

4.     الانطلاق بخارطة طريق مخصوصة تشترك فيها  (كافة) قوى الشعب الكوردي سلميا بشروع الحكومة التركية بإطلاق سراح المعتقلين وبقرار يوقف المطاردات الأمنية السياسية ويمنح الحق لمن يلقي السلاح بالتحول للعمل السياسي من دون تجريم ومطاردات قمعية بمقابل إعلان نهائي وحاسم بالتخلي عن أسلوب العمل العنفي المسلح من جانب حركة التحرر الكوردي...

5.     البحث في التعديلات الدستورية وإصدار القوانين الملائمة للخطة التي تتأسس من أفكار مشتركة من طروحات الفرقاء (كافة) بلا استبعاد وبلا شروط مسبقة..

6.     إيجاد كفالة دولية أوروبية أمريكية روسية لتنفيذ خارطة الطريق ومعالم إطلاق الحريات والعمل السياسي المكفول مقابل إنهاء استراتيجي للعمل المسلح...

 

لقد تقدم حزب العمل الكوردستاني بمشروعات سلمية عديدة وآخرها الهدنة المؤقتة، قريبة الانتهاء، إلا أن عدم الاستجابة لمثل هذه المشروعات السلمية للحل أدى وسيؤدي إلى مزيد من الاحتقان و ولوج دوامات العنف المتجدد.. وبهذا ينبغي للمجتمع الدولي وحركات التحرر كافة أن تتخذ موقفا موضوعيا يضغط على الحكومة التركية كيما تستجيب لدواعي الحل السلمي بدل الإمعان في الحلول العسكرتارية المخرِّبة لكل بوادر تطمين الحلول الصائبة والنهائية..

إنَّ إدانة النهج القمعي وإرهاب الدولة وقمعها الفوقي الدموي ينبغي أن يترافق مع أية مواقف تجاه استمرار امتلاك حركة التحرر الكوردية للسلاح.. الذي يتم تحت وطأة الاضطرار والقهر والقمع الدموي، وفي ظروف عدم وجود أية بادرة أمل للتفاعل السلمي السياسي من جانب الحكومة التركية...

إنَّ استمرار العمليات المسلحة من الجيش التركي وتواصل القمع وعدم الاعتراف بحقوق الكورد في الحياة الحرة الكريمة المكفولة إنسانيا وقانونيا هو الأس الحقيقي وراء دوامة العنف والتسمك بالبندقية اضطرارا وليس اختيارا.. وبمقابل إرهاب الدولة وقمعها الفاشي تتفجر الاحتقانات عنفيا...

 

من جهة أخرى فإنَّ حلا سلميا للقضية الكوردية في تركيا سيمنح استقرارا للشرق الأوسط برمته ويدفع لتعزيز مسيرة الدفاع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان وتطمين مطالب هذه الحقوق بما يفضي لاستقرار السلم الدولي أيضا..

ومن هنا وفي ضوء فشل المحاولات المحلية وعدم نجاح مبادرات السلام من جانب ممثلي الكورد؛ ينبغي أن يبادر المجتمع الدولي عبر قرار من مجلس الأمن بتكليف لجنة المبادرة الدولية لحل القضية الكوردية في المنطقة وتلبية حقوق هذه الأمة المقسمة بخارطة طريق دولية المتابعة مثلما هي دولية البدء والشروع وسيعود هذا بمعاضدة قوى مشروع السلام داخل تركيا من كلا الطرفين التركي الكوردي في إطار الدولة التركية...

 

وقد يكون تعيين شخصية دولية للشروع برسم خارطة الطريق وتفاصيلها ووضعها على طاولة الطرفين هو المنطلق المنتظر بمبادرة إحدى الدوائر الدولية كالولايات المتحدة وروسيا أو الاتحاد الأوروبي...

 

إنني أضع رسالتي هذه بين يدي المعنيين كيما ينهضوا بمهمة أخلاقية وإنسانية ستكون لا مبادرة لحل قضية امتدت لعقود من السنين حسب بل للعمل من أجل استقرار المنطقة والوضع الدولي برمته..

وإجرائيا يمكن أولا لحزب العمال الكوردستاني أن يضع بين يدي القوى الدولية مشروعاته للسلام والحل وكذلك لأي طرف إقليمي معني مباشرة بالقضية أن يبادر بعرض المقترح على المنظمات الدولية وخارجية الدول الكبرى والاتحاد الأوروبي  للإسراع بما يوقف نزيف الدم وتطاول الاعتداءات المستمرة على حقوق الناس والتهديد المتصل للسلم والأمن الدوليين... وقد يكون مثلا لحكومة العراق بما لها من مصلحة بإنهاء الصراع المسلح في تخوم سيادتها وبوجود الكورد وفديراليتهم هنا، قد يكون لها أن تكون صاحبة المبادرة الدولية للحل؛ بدل التورط في مواصلة نهج القمع على المستوى التركي وما ينجم عنه من مواصلة الاعتداء على مواطني العراق وسيادته واختراق الأمن الإقليمي الجاري بسبب استمرار خطاب الحل المسلح...