ردا على استمراركم في خطاب الشتيمة والاعتداء على قامات الشعوب الحرة

"لم نخف عندما هاجمتمونا ولكننا أصحاب حلم، وكان أحرى أن تحذروا رد الحليم"

 

أيها السادة المحترمون في واع

تحية وبعد

 

تردني منكم بين الفينة والأخرى رسائل تحمل طابع الملاسنة والشتيمة (السياسية والأخلاقية) ببعدها السلبي كما  دأبتم على استخدام مصطلحات من نمط (عميل ومستكرد)  وتشتمون شعبا بمفردة (اللقيط)  وغيرها!! وفي ضوء استمرائكم لهذا الخطاب السلبي أضع بعض الرد هنا واثقا من أن ردّ الشرفاء أهم وأعلى صوتا دفاعا عن الكلمة النبيلة الشريفة وعن حق الشعوب في الدفاع عن وجودها وعن حق الإنسان في التصدي لمن يعتدي أو يتطاول عليه كما تفعلون بدأب في مراسلاتكم.

 

أيها السادة، عند استخدام المنطق العقلي فلا يوجد عاقل ذو حكمة ورشاد يمكنه أن يشتم شعبا! كما أنّ الشعوب لا تؤخذ بجريرة أفراد فيها ولا حتى بزعاماتها أو قيادات فيها؛ ومع ذلك فأنتم لمجرد اختلافكم مع زعامة أو قيادة أو لمجرد قراءتكم المختلفة مع كاتب تسمحون لأنفسكم بالتطاول والشتيمة.. فهل تعتقدون أن الشتيمة حق لإنسان أيا كان السبب؟

إن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية كما يقول الحكماء الراشدون. ولمن يختلف في رأي، أنْ يحاور وأن يقدم أسبابه للدفاع عن رؤيته واعتقاده ومنطقه.. وبخلافه لا يؤخذ كلامه إلا بكونه مجرد تطاول واعتداء أو تجاوز لا يقره قانون بل يحكمه بالعقوبة ولا تقره شريعة بل تحاسبه بعرفها ومبادئها. فما بالكم لا ترعوون في نهجم ولا تستفيدون من تجربة؟

 

أيها السادة، قد تزعمون في خطابكم المخصوص تجاهي، أنني (مستكرد) وأنا شخصيا كنتُ وما زلتُ أعتز بانتمائي القومي العربي ولطالما تغنيتُ بلغتي وهويتي ولكنني - في ذات الوقت - أجد أن اعتزازي بقوميتي ولغتي تؤكد واجب احترامي للقوميات واللغات الأخرى كافة وبلا استثناء وبلا استصغار لطرف أو تهميش لآخر

 

ولا يصح ادعاء احترام شخص لقوميته وانتمائه وهويته ولغته وهو يتجاوز على قومية أخرى أو يستصغر لغتها أو وجودها.. ومما يهين وجود قومية انتهاكُ شخص، ينتمي إليها، وجودَ قومية أخرى. ومن هنا فإنني إذ أعتز بلغتي وقوميتي أضع نصب عينيّ الدفاع عن القوميات الأخرى وعن لغاتها وعن وجودها وعن حقوقها المتساوية مع تلك التي أنتمي إليها وهذا ليس مِنَّة مني بل أن الشرائع السماوية هي التي تؤكد هذا، كما جاء في القرآن الكريم:

وخلقانكم شعوبا وقبائل لتعارفوا

أي أن وجودكم جاء بالتساوي لتنبني بهذي المساواة قيم الصداقة والتآخي الإنساني بين هذا التنوع والتعدد وليس من مفضل بينها سوى من يعمل حسنا وخيرا وينجز للبناء لا للهدم والشتم والاعتداء على الآخرين

 

أيها السادة من ممثلي واع،  أما بشأن إتهامي بالاستكراد فإنه ليشرفني أن أوصف بـ(صداقة الشعب الكوردي) لأن صداقة شعب هي مفخرة لا تعني سوى عمق الروح الإنساني والتزام مبادئ المساواة والعدل والإخاء لدى من يتشرف بحملها ومثل هذا فإنني لأتشرف بصداقة جميع الشعوب بلا استثناء فالشعوب لا تخطئ ولا يوجد شعب شرير بل يوجد أعداء شعوب أشرار وهؤلاء الأفراد هم أعداء  الشعب الذي يتنسبون إليه قبل أن يكونوا أعداء أي شعب آخر وقبل أن تؤذي عداوتهم أيّ شعب هم يؤذون الشعب الذي ظهروا منه وفيه، كما تفعلون أنتم عن دراية أو من دونها...

 

وفيما يتعلق بتحديكم كيما أعلق على مقال لكاتب كوردي تترصدون له تطاولا أو اعتداء مختلق بتأويلكم وفهمكم.. أود القول: إن من حق الكورد وكتابهم وممثليهم وبشكل ثابت الدفاع عن وجودهم وعن استقلاليتهم وعن خصوصيتهم وهويتهم.. وإذا ما أخطأ فرد في صيغة دفاعه فإن بعض السبب في هذا يعود لخطاب الشتيمة الذي تستخدمونه وخطاب الإلغاء الذي تمارسونه وخطابات القهر والاستلاب والمصادرة التي ورثتموها عن عنجهية من رفع شعارات الشوفينية المريضة..

وكم هو خطل حديث بعضكم عن استخدام الحرف (العربي) في اللغة الكوردية في إشارة منكم إلى أن الكوردية هي لغة عربية!! وهذا أسوأ من الخطل نفسه إذ اللغة في تعريفها ((أصوات)) يستخدمها كل قوم لأداء أغراضهم والرموز الكتابية شفرات لاحقة ليس غير.. وسيكون على وفق الرأي الذي تستخدمونه في التعليقات الواردة بحق مقال الكاتب الكوردي المقصود أن نلغي جميع الشعوب التي تستخدم الحرف اللاتيني ونضعها في خانة الأنجليز أو الفرنسيين أو من ترونه على وفق منطقكم المعوج وحتى العربية سنضعها في خانة منبت الحرف العربي من رموز معروف تاريخها...

 

واللغة الكوردية لغة مهمة ليس لأنها لغة شعب  بحجم مهم وأمة حرة بين الأمم فحسب بل لأنها أداة نقلت لنا كثيرا من المعارف وجاءت بكثير من ((الأعلام والمفكرين)) الذين أغنوا الثقافات المجاورة العربية والفارسية والتركية وغيرها والكورد أغنوا بكتاباتهم بلغات الأمم التي عايشوها ولم يتوقفوا عن المساهمة في إثراء حضارات الشعوب لانكسارهم عسكريا أو لتمزيق وجودهم القومي وأرضهم التاريخية

ومراجعة أولية بالخصوص ستجدون أعيان الإبداع في الفكر والسياسة والمعارف المختلفة ممن أغنى العربية وغيرها هم من الكورد بثقافتهم وبخصوصية كتاباتهم وإذا أردتم فإن دراسة النتاج الكوردي باللغات الأخرى ستجدون فيه خصائص البنية اللغوية الأصل التي ينتمون إليها وخصائص الثقافة التي أنجبتهم والهوية القومية التي ينتمون إليها

 

الكورد من الأمم القديمة الوجود تاريخيا  وعاشوا على أرضهم التاريخية (كوردستان) ولم تمطرهم السماء أو ينزلوا نازحين من الفضاء الخارجي وإنكار هذا لن يغير من [الحقيقة] شيء

لكن المنتظر اليوم أن تعلو أصوات الإخاء والمساواة والعدل وأن تعلو أصوات التعايش السلمي وتبادل الثقة الوطيدة بين القوميات والشعوب  وأن يتعمق ويتوطد التحالف العربي الكوردي  ليمحو الأصوات النشاز التي تحاول التخريب والهدم ولكن تلك المحاولات السمجة لن تنال من عمق التآخي بين الشعبين والأمتين العربية والكوردية وبالمناسبة فإنه إذا كانت أرض كوردستان التاريخية مجزأة والأمة الكوردية مقسمة ومازالت تحيا في دول متعددة فإن هذا لا يعيب في وجود الكورد بوصفهم أمة واحدة وإلا فإن العرب هم أيضا في دول متعددة بل والترك أيضا وليس وجود أمة في أكثر من دولة مما يعيب...

كفى لغطا وشتائم واتعظوا من تجاريب الطغاة وخطابات الإلغاء والجريمة والعدوانية والاستعلاء؛ إذ لم تنفعهم  لا جرائمهم ولم تنقذهم من مصائرهم المحتومة خطابات الشتم والانتقاص من الآخرين. إنني أربأ بنفسي عن الانحدار لمستوى اللغة وطبيعة الشتم المرضي المستخدم من قبلكم وفي ذات الوقت أنصح بأن تراجعوا خطابكم إذا ما كنتم تبحثون عن اللقاء الإنساني وعن إعلام نبيل سام وإلا فإن العيش مدفوعي أجر الكلمة الناقصة معروف حكم الشعوب على ذلكم وأول من حكم على هذا الخطاب المتدني المريض هو الشعب العراقي عندما صوّت لوحدته في احترام تنوعه وفي إشادة فديراليته العتيدة وفي اختياره الوحدة على أساس احترام هويات مكوناته وتعدديته وتنوعه...

 

وأترك الحكم لأصوات الشرفاء من جميع القوميات المتآخية المتساوية الحرة تجاه خطابكم هذا، وتجاه تطاولكم وتماديكم في تكرار الشتيمة.

وتحية للشعب الكوردي الصديق الجناح الحليف للشعب العربي ولجميع مكونات العراق المتآخية المتساوية وتحية لكل المتنورين الذين يمحون بخطابهم الوطني الإنساني مثالب الاستعلائيين الشوفينيين ويشيدون التآخي الأممي بروح المساواة والعدل.

 

تيسير الآلوسي