اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين بين سندان الإرهاب وابتزازه ومطرقة التحديات؟!

أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

أستاذ الأدب العربي الحديث

رئيس البرلمان الثقافي العراقي في المهجر

مستشار رابطة الكتّاب والفنانين الديموقراطيين العراقيين في هولندا

tayseer54@hotmail.com

 

 

 

لا يخفى على أحد ما جرى ويجري بشأن التهديدات والتجاوزات والاعتداءات التي طاولت مبدعينا ومثقفينا كافة بخاصة منهم أولئك الذين ما يزالون هنا في قلب الوطن وفي ميادينه المتنوعة.. ولا يخفى ما لحجم التهديد من نتائج على الأرض بشكل فعلي حيث تسطو على المشهد قوى منفلتة؛ من إرهاب بأشكاله ومرجعياته ومن عناصر متشددة متزمتة تخترق مؤسسات الدولة وتعشعش فيها مستغلة صلاحياتها هناك في إدارة توجهات خطيرة ليس أقلها خطورة، التهديد والوعيد والابتزاز...

وإدارات المنظمات والنقابات والجمعيات المهنية الديموقراطية والتخصصية المختلفة وتلك التي تمثل مبدعينا في مختلف القطاعات والخطابات وعلى رأسها اتحاد الأدباء والكتّاب تدرك الوضع والآليات التي تتحكم به.. أقصد بالضبط  أنها تحسب لكل قرار تتخذه ولكل خطوة تخطوها ألف حساب تقرأ به ردود الفعل في الشارع تحديدا من (عناصر متشنجة وفاسدة موجودة) في مسؤولية المشهد الحكومي فضلا عن قوى الإرهاب وهي جميعها وإن قيل إنها قليلة محدودة الانتشار فإنَّ التخريب  والتدمير والتقتيل ليس بحاجة لأعداد كبيرة بل يكفيه ذلك القليل من بضع عناصر منفلتة  من عقالها كيما تنهض بدورها الإجرامي التخريبي..

اليوم، أوضاع النخبة الطليعية في مجتمعنا هي الأسوأ والأكثر تراجعا حيث وضعها بين  سندان  الإرهاب ومصادره التي لا تستثني في وجودها بعض عناصر المؤسسة الحكومية المعنية من جهة وبين مطرقة مطالب إدارة الأنشطة وإنتاج خطاب التنوير وفعاليات المسيرة الثقافية ومطالب عديد من مثقفينا بالتصدي للهجمة الجارية..

فهل من مسؤولية اتحاد الأدباء والكتّاب خوض الصراع السياسي وإفرازاته الجانبية من جهة استغلال بعض القوى المتشددة للغة التهديد وتصعيد الأمور إلى حد الإجراءات القمعية من مصادرة وإغلاق واستلاب منابر بل ومن أعمال اختطاف وابتزاز وحتى جرائم اغتيال وتصفية؟ هل مهمة إدارة الاتحاد التصدي لهذه الضغوط التصفوية بقرارات يشير إليها بعض الكتّاب في ضغط آخر على كاهل أعضاء الهيأة الإدارية المهددة يوميا بالموت..؟

إنّ هذا التساؤل ليس القصد منه إعفاء الإدارة الثقافية من مسؤولية التوجه إلى كل الوسائل التي تدافع عن الثقافة والمثقفين من الإنتليجنسيا Intelligentsia العراقية. ولكنها تطالب بالبحث عن وسائل التضامن المحلي والأممي مع منظمات الثقافة في داخل الوطن وفي جذب أصوات الفعل التي تدعم أنشطتهم بطريقة تضمن ولو بنسبة معينة فرصة تجنيبهم مخاطر التهديدات الإرهابية ودمويتها وبشاعتها...

نحن معنيون بألا ندفع زميلاتنا وزملائنا في داخل الوطن إلى مهالك الصراعات أكثر مما هم فيه؛ ولكننا بالتأكيد يمكن أن نتفاعل معهم وأن نستمع لمعالجاتهم وإجراءاتهم في ظروف هم أعرف بها بدقة.. ومن ثمّ لنقترح في ضوء ما يرسمون من الممكنات المتاحة في الحركة..

إنّ تساؤلات ظهرت مؤخرا تبحث عن سبب صمت اتحاد الأدباء وغيره من منظمات الثقافة عما يقوم به بعض أدعياء التدين من ممثلي الطائفية السياسية.. تلك التساؤلات إذا ما أخذت بطريقة حرة غير ممحصة، قد تودي إلى مزيد من التداعيات والخسائر.. ولكن من الممكن على سبيل المثال التنسيق مع تلك النخب الثقافية بشأن هذا الممكن المتاح.. وعلى سبيل المثال هنا نذكر فكرة التظاهرات الثقافية بكل خطابات الإبداع والعمل الثقافي ورسائله ومعنا مئات وآلاف من المبدعين العراقيين المهجريين في ميادين الآداب والفنون ممن يمكن أن ينهضوا بأنشطة تضامنية فاعلة على أن يتم جذب قوى أخرى إليها أيضا..

ويمكن نقل مثل هذه التظاهرات [من معارض تشكيلية وأعمال مسرحية وموسيقية غنائية وغيرها] إلى داخل الوطن بطريقة محمية رسميا وشعبيا.. يمكن أن نشير هنا إلى توظيف كوردستان وقواها المدنية الحية بوجود دعم وطني ودولي للنهوض بتظاهرات الثقافة  بمسمى جسور التوأمة بين محافظات الجنوب والوسط والغرب وبين محافظات إقليم كوردستان فندعو أدباء الوطن وفنانيه للقاء حيث ينبغي أن يعلو بحرية صوت الثقافة وإبداعات المثقفين..

ويمكن تدريجا عقد مثل هذه الأنشطة في جميع المدن العراقية بطريقة هادئة وبعيدا عن التحديات والصراعات السياسية والأهداف غير الخفية لقوى العداء للثقافة ولمسيرتها.. كما ينبغي مواصلة التوضيح لجمهورنا ولجميع الأطراف المعنية أن ليس لإبداعات الإنسان قيم الجمال أي تعارض مع جوهر الدين ومع طقوس الناس وعباداتهم بل نذكر بانه في زمن الرسالة الأول بات متاحا حتى لكعب بن زهير أن يحيا  وأن ينتج شعره بسلام وأمان ولطالما اطلعنا على منتديات الآداب والفنون في ذلك العهد.. وإنه لمن الصحيح أن نبرز نتائج جدية لحوار ممثلي الديانات وللقوى الإيجابية بينها كيما نسحب البساط من تحت أرجل الأدعياء  والمتشددين الذين طالما أضافوا الوقود لنيران الخراب وحرائق الإرهاب...

أيها الأحبة

لنكن مع زميلاتنا وزملائنا لا عليهم، ولا نكوننّ مطرقة تشارك سندان الإرهاب وقواه في دعوات التحدي والإجراءات الراديكالية المتطرفة التي تدخلنا في غلواء الصدامات بدل امتصاص الهجمات وتهدئة الأجواء وتطبيعها وتعزيز مكانة مؤسسات الدولة والمجتمع المدني وأدوارهما وتمكين مبدعينا ومثقفينا من النهوض بمهامهم بأجواء سليمة..   فخطاب الثقافة من قبل ومن بعد لا يمكنه العيش والعمل في ظلال الأسياف وإرهابها؛ إن هذا الخطاب يبقى بحاجة للغة سلمية تحمل رايات التسامح وتمر إلى متلقيها عير علاقة روحية سليمة من إيقاعات الحرب والدمار السائدة وأمراضهما..

 

وربما علينا أن نلتفت بهدوء وموضوعية  إلى إشكالية أو محاولة سرقة (الدين وخطابه) وتجييره لخطاب سياسة الفساد والإرهاب بوساطة الطائفية السياسية..  وعلينا أن نلتفت إلى تطويع الخطاب الروحي للطقسيات المرضية التي ما أنزل الله ودينه بها من سلطان.. وعلينا أن نعرف كيف نصل ببدائلنا الصحية الصحيحة إلى هؤلاء المسروقين الممتَهَنين من قوى الاستغلال الأبشع.. وأن نعاود العلاقة الإيجابية بأفضلياتها الممكنة.

إنّنا ندرك ظروف زميلاتنا وزملائنا ونعرف شجاعتهم وجرأتهم ويكفي بالخصوص أنهم ما زالوا متمسكين بالعيش في داخل الوطن.. ونحن نعرف حرصهم وصدقيتهم في العمل ونثق بهم جميعا..  وتساؤلاتنا تبقى عامل دفع لإجراءات موضوعية مدروسة وهادئة وليست دفعا راديكاليا باتجاه المغامرات وخلط ماهو ثقافي بما هو سياسي.. على الرغم من أن المشهد اليوم يصبغ كل مفرداته وخطاباته فيخلط الأمور ويحرق مخضوضرها بيابسها.. إننا نشد على أيدي مبدعينا ونؤكد لهم أن شعبنا يتغنى بمنجزهم ويتمسك  بهم وبعطاءاتهم وأن المرحلة التي تعصف بها  فظاعات قوى الموت الأسود والأحمر لا تعني نهاية المطاف..

فالخاتمة ستكون بانتصار الضياء على الظلمات والتخلف وقواهما..

شكرا للذين تساءلوا وللذين اقترحوا؛ فطريق الحقيقة وأنوارها بحاجة لتضافر القراءات والمعالجات ولتوظيف كل الممكنات المتاحة.

القانون ومؤسسات القضاء والصحافة والإعلام ومؤسساتهما والتظاهرات الإبداعية الثقافية المحلية والأممية والالتحام مع القوى الديموقراطية المدافعة عن الروح المدني وعن مسيرة التقدم  وكثير من الخطوات التالية المهمة هي مفرداتنا حيث الكلمة الشجاعة ولكنها بالتأكيد ليست المغامرة فشجاعتها وجرأتها في مصداقيتها وفي خدمتها القيم الروحية لأهلنا..

تلكم هي رؤانا التي ستتكامل بالعمل معا وسويا وبكل موضوعية، فإلى أمام مع التحايا لبنات الوطن وأبنائه من نخبه وممن يلتف حولهم من مواطنينا الذين يعرفون أهمية الثقافة ومكان المثقفين ومكانتهم...

وسيبقى العراقيون يحتفظون للزهاوي والرصافي والجواهري وللسياب ونازك الملائكة ولاتحاد الأدباء من بين جميع منظمات إنتاج الثقافة وإبداعاتها، كل الخير والتقدير والاحترام.. وهم بهذا يسخرون من تشويهات وأضاليل تحاول النيل من هذه القامات الكبيرة في حيوات أبناء الرافدين وحضارة تراث الإنسانية.. وسيردون عليها بالفعل النبيل إلى جانب القول الحكيم.....