عن أيّ احتفال يجري الحديث في ظل بشاعات الاستغلال والإلغاء؟

أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

ناشط في مجال حقوق الإنسان

tayseer54@hotmail.com

 

 

الاحتفال في العرف العام، تفاعل إنساني في المسرات وفي لقاء الفرح بمنجز أو بــِـ عيد حيث الميل البشري لصنع جماليات الحياة عبر التشارك والاحتشاد معا وسويا لتبادل المشاعر وإعلانها في استكمال خطوة في مسيرة الوجود المجتمعي... وقد دابت البشرية على اتخاذ بعض تواريخ بوصفها علامات مهمة لمناسبات الفرح والمسرة ولتوكيد التعاضد والتضامن من أجل مواصلة التقدم والبناء وزرع أزاهير حياة الرفاهية والسلام..

وعلى الرغم من أن بعض التواريخ كانت قد أشّرت علامات حزينة وربما تراجيدية كما في قمع الشغيلة في الأول من آيار وإجبارهم على الخضوع لقوانين الاستغلال الفاحش.. إلا أن البشرية وتحديدا الشغيلة عملت على التحول بهذا التاريخ إلى عيد عمالي يؤكد التطلع إلى محو أوجه الاستغلال والتحول بمسار الحياة نحو حياة حرة كريمة تمضي حيث العمل أسّها وخالق الخيرات فيها...

إنّ أي ربّ أسرة يلقي بمتاعبه وأوصابه خارج جدران بيته كيما يشع بعائد جهده على أبنائه بفرحة متصلة غامرة.. وهي الشغيلة التي تكد وتسعى ولا تبتغي سوى أنْ يحصدَ الشعبُ ثمرات الخير والبناء.. غير أن طبيعة الصراعات المتأججة في مجتمعنا المعاصر قد باتت أكثر تعقيدا، وفي وقت أمست أكثر وحشية وهمجية أصبحت تتخفى وتتبرقع بشتى عباءات التضليل والتعمية...!؟

فبماذا يحتفل عمال العالم اليوم والمقامرة والمغامرة بمصائر الشعوب تجري على أشدها في بورصات المتاجرة بالبشر في وول ستريت ولندن وموسكو المافيات الجديدة التي ما عادت تلاحقها مافيات إيطاليا العريقة ولا منظمات إدارة الصراع عالميا من مافيات وعصابات ولوبيات الضغط والتحكم وكارتلات الاحتكار...؟

***

الهزليات الأقسى أن نتساءل بشأن عمال بلداننا الشرقأوسطية.. بخاصة في ظروف اليوم من الانتفاضات الشعبية الأوسع منذ أكثر من نصف قرن. بماذا يحتفلون ودماء الشبيبة لم تبرد بعد وما زالت تغطي الشوارع والميادين بل ما زالت تهدر بدبابات الطغاة بذرائع حماية الوطن من تهور الشعب شبيبة ونساء وحكماء!!!

***

الأسوأ؛ أنْ نصلَ حدودنا [الوطنية] العراقية [[المحروسة!]] لندخل، مضطرين، خلسة كيما نتبادل الكلمات؛ حيث التهاني منزوعة من الشفاه.. فعن أية احتفالية سنتحدث اليوم هنا في ميداني الفردوس والتحرير؟؟؟

***

ضغط السؤال أكبر من كل التوصيفات.. فسجل العراق ليس الأسوأ بين بلدان العالم في الفساد بل هو الأول في ما لا تعدون ولا تحصون من الأمور الأسوأ إنسانيا.. ولنبدأ  التسجيل مثالا لا حصرا:

1.  عمال العراق حيث الشبيبة بنسبة تفوق الثلثين [بسبب من تدني معدل الأعمار] وحيث جيش العمل الأكبر، يعانون البطالة بنسبة رسمية تسجل 40% وهي تتجاوز الـثلثين إذا ما حسبنا طبيعة التشغيل وحقيقة توصيفاته والبطالة المقنَّعة...

2.  عمالنا يعانون من تدني المستوى المعاشي فنسبة الفقر في البلاد  ما زالت تكسر الــ 50% بقوة.. وهناك من هم تحت خط الفقر العالمي يعيشون حياة بائسة مريرة وأول من يطاولهم الأمر في هذا هم الشغيلة...

3.  عمالنا حتى اليوم بلا قوانين عمل ضابطة والموجود منها لا يجري تفعيل إلا المواد التي تمعن في الاستغلال ويستثني ما حصدته الشغيلة بنضالاتها طوال أكثر من قرن من عمر الطبقة العاملة العراقية ومنظماتها..

4.  جرى ويجري شق التنظيمات العمالية بتركيبات تنظيمية مشوهة. كما جرى طوال السنوات الثمانية المنصرمة الاعتداء على  النقابات العمالية وحظرها بالاستناد إلى قوانين تم تشريعها في ظل النظام السابق.. وأبرز ما جرى تمثَّل في حظر أهم النقابات العمالية ممثلة بنقابات العمال في وزارتي النفط والكهرباء حيث أبرز مصادر الثروة الوطنية...

5.  جرى الاعتداء على كل أنشطة الشغيلة واحتجاجاتهم وتظاهراتهم واعتصاماتهم المفروض أن تكون مكفولة دستوريا والأنكى في الأمر الاعتداء عليهم باستخدام قوات الجيش الوطني التي ينبغي أن تكون مهامها  حماية السيادة الوطنية خارجيا وداخليا ومن ذلك حماية روح الدستور وتطبيقاته...

6.  جرى ويجري شرعنة استلاب حقوق العمال - في تشكيل التنظيمات النقابية - بممارسة الانتخابات العمالية بأسس ديموقراطية صحيحة  مكفولة.. وهي تتويج لسرقة التمثيل العمالي ووضعه نهائيا في خيمة آليات خدمة مصادرة الحريات العامة الجارية في العراق...

7.  لا رعاية صحية ولا ضمان حقيقي للعامل في ظل الانشغال بنهب الثروة الوطنية في كبرى سرقات العصر.. إذ ينهب بلد بمن فيه حيث بيع ويباع الناس في سوق نخاسة  المافيات وشركات الاحتكار؛ ولمن لم يسمع يأتي ويرى بأم عينيه... وبعض ترقيعات صدرت أو تصدر معروف ألاعيبها...

8.  بيع ويباع القطاع العام بلا عودة للشغيلة أو نظر لمصالحهم كما جرى تركيز القطاع الخاص في شؤون ومفاصل هامشية طفيلية أكثر نهبا واشد استغلالا؛ في ظل  إيقاف متعمد  للقطاعات الانتاجية وشلل للدورة الاقتصادية شريان الحياة في البلاد.. ومن ينظر إلى المشهد فسيرى خروج المعامل والمصانع وخراب المزارع والحقول حتى تحولنا لصحراء قفر وماتت عشرات ملايين أشجار النخيل [وغير النخيل] التي تسمى باسمها العراق  وبدل الثلاثين مليون نخلة ما عاد منها ثلاث ملايين بل أقل بكثير وبدل مئات أنواعها النادرة غير الموجودة إلا في العراق ما عاد لدينا سوى عشرات من أردئها!!؟ وبدل سهوبنا المخضوضرة بالحبوب الاستراتيجية سنجد الحصى والأحجار بل الرمال والأتربة التي أوجدت مناخا مختلفا نوعيا.. والمسلسل يطول!؟

 

 

ولابد من القول: إن ممارسات الحكومة الحالية لا تتصف  بالدستورية ولا باحترام اي شكل لآليات الديموقراطية.. كما أنها قطعت صلاتها بالسمات الوطنية.. فهي حكومة تجري في ظلالها أكبر عمليات النهب والفساد.. وليس معقولا أن من ينهب مئات مليارات الدولارات هو العامل البسيط وممارسته رشى بدنانير معدودة!! والحكومة الحالية يجري في ظلالها مصادرة حريات العمل النقابي والتعبير عن المطالب بأشكاله المعروفة ديموقراطيا.. ويجري في ظلالها تزييف كل نشاط يحاول التقدم نحو آليات الديموقراطية..

إن أخطر ما يجري اليوم هو تزييف  ثاني أكبر انتخابات وطنية بعد الانتخابات التشريعية أي انتخابات نقابات العمال وتلكم ليست سرقة للصوت العمالي ومصادرة له بل هي أخطر عملية كتم دكتاتورية متعارضة مع الديموقراطية وقوانينها وآلياتها... ألا يكفي هذا للمطالبة بوقف همجية هذه الحكومة والتحول لبدائل وطنية مناسبة لأوضاع العراق وما يمر به من ظروف  أوجد أرضيتها الإرث الثقيل من عقود الاستبداد والتخريب ولكن الفاعل الحقيقي المباشر المتذرع بجرائم النظام السابق؛ هو مثلث حكم الطائفية الفساد الإرهاب الجاري اليوم وليس بالأمس! وهو من يتمثل اليوم في الحكومة بأشكال الاختراقات النوعية الكبرى من عناصر  شريكة  متواطئة و\أو من عناصر هزيلة غير قادرة على التصدي للمهام الجسام..

إنّ المنتظر اليوم من شغيلتنا أعمق وعي وأنضجه في التصدي لمهام المرحلة والتحول بالبلاد إلى حيث الديموقراطية الحقة وإلى حيث حل المعضلات الرئيسة ببرامج تستند إلى إطلاق مهام تطهير مؤسسات الدولة جوهريا واستعادة الشرعية الشعبية عبر انتخابات  وطنية ديموقراطية مكتملة الشروط وعدم الدخول في أية انتخابات جديدة يجري تصنيع وسائل تزييفها والتجكم بنتائجها سلفا..

الشغيلة ليسوا معنيين باتهام زيد أو عبيد من المسؤولين، وليس من طرف واع وشريف ووطني معني بخطابات التشاتم والاتجار برؤوس البشر باسم الدين وقشمريات ادعاءاته.. بل معنيون بقضية واحدة: هي من يتحكم بأوضاع الفساد والجريمة السائدة؟

نحن ماعدنا نطالب بالكشف عن سرقة مبلغ مالي أيا كان حجمه ولا عن فضح جريمة قتل عالم أو عامل لن نترك الأمر بلا قصاص قانوني عادل سيأتي.. بل مهمتنا اليوم أن نوقف الجريمة الأساس فيمن يغطي ويمرر كل هذه الجرائم سواء بحق الشغيلة أم بحق أطياف شعبنا المتنوعة أم بحق شبيبتنا ونسوتنا وأطفالنا..

ومعالجة الأمور جوهريا هو المؤمل؛ لأن الحل لا يكمن بالقبول بترقيعات ولا بإلقاء تبعة جريمة أو أخرى على شخص أو آخر ثم يتم تهريبه كما جرى مع وزراء ومسؤولين سابقين..

مهمتنا أن نعيد العراق لأهله، حيث الاحتلال غير المعلن من الجارة الشرقية وحيث النهب المنظم دوليا وإقليميا..

فلا انكسار بل للشغيلة الحرية والانتصار

ولا انهيار بل للشعب السلام والكرامة وللوطن انطلاقة الإعمار  

لن يسقط مثلث ((الطائفية الفساد الإرهاب)) ولن تعود الحياة الحرة الكريمة  إلا باتحاد القوى الوطنية الديموقراطية  الحية وبقدرات بُناتها من شغيلة اليد والفكر الأحرار.. ومبارك أول آياركم ومباكرة انتفاضتكم ولتعلو أصواتكم من أجل الحق والحياة..