تبرير جرائم الطاغية الدموي

 والتباكي عليه استدرارا لعطف الضحايا عبر محاولة استغفالهم

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

2003\  12 \  26

E-MAIL:  tayseer54@maktoob.com

 

باعتقالِ الطاغية الدموي تصاعدت حمى الأبواق التي مافتِئت تبكي مصيره, وهي ذاتها التي لم يتحرك لها طرف أو جفن عندما كانت فوّهات أسلحة أجهزة الموت توجّه يوميا إلى صدور أبناء الشعب العراقي, حتى راح في محرقة حروبه واستهتار أحكامه بحياة البشر ملايين العراقيين؛ غيَّبهم ليس في أقبية سجونه وزنازينه بل في حفر وخنادق مهولة, حتى أنَّه كان تعوَّد دفن ضحاياه وهم أحياء فيها.. وتلك سجيّة مثلت لعيان شعبنا منذ حفر الطغاة خندق الموت لآلاف من خيرة أبناء شعبنا تحت مقبرة الكرخ الحالية في ضواحي بغداد بُعَيْد انقلابهم الأسود في سنة 1963...

ما الذي يسعى إليه إعلام بعض القنوات العربية الموجّهة إلى جمهورنا العراقي والجمهور العربي؟ لنقرأ أولا أحد الأفلام التي بثتها واحدة من تلك القنوات ونحلِّل مفردات خطابها الإعلامي .. وسنتأكد في ثنايا التحليل بأنَّ هذا الإعلام الذي نراه اليوم هو نسخة طبق الأصل من الإعلام التقليدي الذي بثّه الدكتاتور طوال حقبة حكمه أو ظلمه وسطوته.. إنَّه إعلام يعتمد أركان تزييف الحقائق والادّعاء والتشويش على أذهان المتلقين والخلط والاستغفال المتعمّدَيْن...

فلـَمْ نرَ في اللقاء مع (الإعلامي) السابق جديداَ َ ها هو صاحبه يتجول في طرقات بغداد العتيقة فلا يجد [تصوروا اليوم لا يجد] إلا صوتا واحدا فقط هو صوت مناصرة [الرئيس القائد] وهو حين يضطر للتعامل مع الصوت الحقيقي للشعب العراقي يضعه في مكانة مزوية متنحية ضعيفا باهتا .. كيف؟

إنَّه يتجول لسرقة الأصوات فصوت الشاب في السوق يتحدث عن معاداة الأمريكان ولكنَّ الفلم أو البرنامج يجيِّر ذلك لصالح صدام لأنَّه البطل الهمام الذي كان سيقاتلهم وطبعا لا ندري إجابة الفلم عن السبب الذي جعله لا يقاتلهم .. وفي صوت المرأة المتفائلة بالخير القادم التي تحاول الإجابة على تخرّصات المتباكية على أيام عزّها زمن الطاغية والتي لا تذكر الأمريكان بشئ لا يترك لصوتها موقعا إنَّه (صاحب الفلم) مع تلك التي عندها من الذكور أو الأخوة عشرات كلّهم لم يعدمهم صدام وهو يقدِّم لما تتمشدق به وقتا أكثر من كافِ ِ للتعبير عن موقفها فهو يمنحها فرص مضاعفة  لمهاجمة الذين واراهم التراب (من شهداء الوطن) لتصفهم بالخيانة ولكنها توفر الوقت ممتنعة أنْ تقول لنا خيانة لمن؟ أما التي يخفي صوتها فإنَّه يُبرِز لنا صوت تهديد أحد الزعران المتشردين في الشوارع لها وهو يقول اليوم يأتيك أخوتي من الفدائيين ليفجروا منزلك..

في البرنامج صور لصدام في أيام زهوه يتم اختيار الأغاني التي تمجِّد (طيبته!) و (شجاعته!) و (فروسيته!) ونحن نجد أنَّ تلك الاختيارات مقصودة مع سبق إصرار وتعمّد يُراد به التأثير على الرأي العام من جهة تصوير [سيدهم القائد...] ويلحقون بالأمر إسطوانة صدام وهو يقول جريمة الشرطي تجاه الكردي ليست جريمة لأنَّ السبب فيها هو الكردي (الخائن!!!) وسلوكه الذي يدعو الشرطي للتصرف هكذا؟؟!

الفلم مصاغ لأهداف يمكن تلخيصها بالآتي:

تبرئة ساحة صدام عبر وسائل الخداع والتضليل فانصروا عزيز قوم ذل كان ابنا للبسطاء وأخا للمظلومين! ولا ندري أي علاقة بينه وبين عموم الشعب وهو القابع طوال يومه في قصوره التي لم يكن لأحد أنْ يصل إليها أو يقترب منها من دون أنْ يتعرض للأهوال التي يعرفها حتى السذّج من أبناء الشعب...

 

تصفية حسابات مع الأصوات التي يمكنها التقدّم اليوم لإعلان الرأي في ظل الحريات المتاحة.. إنَّهم يذكرونهم عبر تهديد المرأة التي عبرت عن رؤيتها وعبر صوت الشاب الذي يقول يمكن أنْ يمرَّ أحد بقاياهم ويسمع ما أصرِّح به فيقطعون عليَّ الطريق ويغدرون بي وعبر أشكال تهديد صريحة وردت في البرنامج لمن يمسّ اسم [سيدهم القائد..] إنهم يقدمون صوت من يستنصر بابن لادن وقواته التي تعيث في البلاد تقتيلا بلا وازع من ضمير حشر ولا نقول بشر..

 

وهم بهذا الفلم يعملون على دعم الهمم المنهارة التي تحاول التطهر بالبراءة من النظام السابق وسلوكه.. في محاولة منهم  لتحشيد القوى من جديد بعرض أصوات القوة الخائرة وكأنها الباقية التي لا تزول, إنَّ بطل الفلم يبدو مستهزئا من إمكان أنْ يعود حلم [قائدهم أو الذين قضوا إلى الأبد] ويبدو مشيرا إلى خطايا زمنه وهو كذلك لانهياره وتلك هي بعض العناصر التي يعملون على استعادتها عبر استدرار حنينها إلى أيام عزّها الغابرة...

استغلال ظاهرة الإسلام السياسي وتوحّد مستهدف بين بقايا صدام ومجموعات التطرف وعصابات الارتزاق وطريق هؤلاء القادمين الجدد إنّهم يريدون وصاية دكتاتورية جديدة قد لا تكون لفرد ولكنها لحركة تسطو على الوضع بقوة البندقية والعصا الغليظة التي يحملها الشقاوات نهارا جهارا باسم الإسلام ورايته وما يختفي تحت جوانح عباءاتهم وأعمَّتهم ليس غير الفساد..

إذن البرنامج يعرف القوى التي يستهدفها وما يريد من ورائها.. وهو يستخدم بعد ذلك المؤثرات الصوتية التي تجتذب العراقي وحنينه وتشده إلى وطنه فينهي فلمه بأغنية على شواطئ دجلة مرّ .. إنَّها رسالة مؤثرات رومانسية تخص المخلوع من وطنه لتشدّه إلأيه ولكن عبر بوابة المخلوع من السلطة إنها عملية تشويش بربط العلاقة بالوطن والحنين إليه بالعلاقة بالبائس الأسير ولكنَّهم يقدمونه عزيزا قويا شامخا .. فهل كان عزيزا بقتل الناس وشامخا فوق قصور من جماجم الضحايا وقويا بغير أجهزة الموت التي ما اكتشفت خواره حتى تركته وولّت الأدبار؟

لا يا سيدي الـ مقدِّم أو المخرج فحتى الذي أشركته اللعبة الخاسرة سلفا لم يثق بك عندما لم تمحُ كلماته وهو يقول لماذا اختاروك من بين كثرة ممن يمكن أنْ يعملوا لتلك القناة؟ لقد وعى شعبنا المهزلة وانكشفت كلّ الأحابيل ولا يمكن لشعبنا أنْ يترك مسلسل التضحية يستمر من أجل كائن من مشردي الشوارع وحامل العقد النفسية وفلسفة الاستغلال الدموي البشع ...

لتتركوا شعبنا خارج حساباتكم .. وابعدوا عن بلادنا فوطن السلام ليس ميدان حروبكم الأبدية ضد الإنسانية ومصالحها .. نحن عازمون على المضي في مسيرة السلم والديموقراطية وفي طريق العلمانية والنور حيث لا عتمة ولا مكان لخفافيش الظلام بيننا .. وسيكون لكلّ فعل ميزانه عندنا وسنبادل الآخر ما يفعل ونحن المبادرين دائما بالخير والسلم وعطائهما.. ذلك عهدنا الذي جاء حيث لا طغيان ولا طغاة ولا جور ولا مجير لظالم دموي مستبد.. وفي إبادة أبنائنا وأخوتنا لا تهاون ولا تردد في القصاص العادل ولا شفقة ولا استدرار عطف فآثار الجريمة ما زالت تأكل منّا كلّ يوم سيلا هائلا من خيرة أبناء شعبنا حتى صار معدل العمر عندنا ما لايقاس في عهد ظالم مرَّ في التاريخ الإنساني, فهل في ظل ذلك من تبرئة أو استعطاف؟!!!!!

وبعدُ ,  فلا أمان لمجرم ترحمه فلا يعود إلا لفعل جرائمه.. فاحذروا أبناء شعبنا من اللعبة الخطرة. وقوّوا إعلامكم وصلوا بعضكم وتلاحموا.. فالهجمة أكبر من لعبة أشرار الأزقة وهي ليست من داخل الحدود!!!

 

www.sotaliraq.com

www.geocities.com/modern_somerian_slates

 

1