جلولاء والسعدية عناوين أخرى لاستمرار  جرائم التطهير العرقي العنصرية!؟

أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

باحث أكاديمي في العلوم السياسية

رئيس البرلمان الثقافي العراقي في المهجر

tayseer54@hotmail.com

 

أوردت الأنباء  تصاعد جرائم الابتزاز والتهديد للعوائل الكوردية  من أبناء جلولاء والسعدية مسجلة متابعة أخرى لما جرى ويجري في كركوك ومدن أخرى من تلك المحددة بالمادة 140.. وكالعادة لم تجد العوائل المهددة من يحميها من جرائم التصفية الدموية البشعة ومن سياسة الترهيب والابتزاز كما يفترض  في العرف الإنساني العام وفي القانون وعدالته  المنتظرة..

إنّ حالات الصمت المطبق وغض الطرف عن مثل تلك الجرائم من جانب السلطات المحلية والاتحادية لا يعني سوى مشاركة فعلية في الجريمة من جهة وإعلانا سافرا عن إعادة سياسة  [تطهير] تلك المدن من أبنائها  وإعادة معزوفة التغييرات الديموغرافية التي مورست في العهد السابق حيث فلسفة التعريب القسري  باستجلاب عوائل وإسكانها مكان العوائل المرحَّلة كرها...

لقد ماطلت حكومة السيد المالكي طوال دورتي حكمه الأولى والثانية ولم تكتف بعدم تفعيل لجنة المادة 140 بل وضعت العراقيل أمامها وهي اللجنة التي تم منذ مدة تغيير رئاستها من  الوزير السابق السيد رائد فهمي إلى وزير النقل الحالي السيد هادي العامري.. من دون أية تغييرات وإجراءات للتفعيل والعمل بمصداقية وعلى وفق الخطط الموضوعية؛  وتلك المماطلات وأعمال التسويف  رافقتها  أعمال تشويش وتشويه كبيرتين تجاه محتوى هذه المادة مع خطاب تعبوي سياسي مشحون بالعدائية والتضليل...

ومما لابد من التذكير به هنا أنّ تلك المادة (140) كانت تحدثت عن تطبيع الأوضاع في المناطق المحددة فيها وإجراء الإحصاء ومن ثمّ الاستكمال بإتمام الاستفتاء  في خيار إعادة الأمور إلى حيث كانت قبيل التغييرات الديموغرافية وعمليات التعريب القسري سيئة الصيت.. فلماذا المماطلة والتسويف ونحن ندري أن ذلك ليس مؤداه سوى المزيد من أجواء التوتر واختلاق أشكال الاستعداء بين أبناء تلك المناطق بل الإمعان في ارتكاب جريمة إثارة القلاقل وخلق أرضية زعزعة الاستقرار لمصالح ليس من بينها  لا مصلحة أبناء تلك المدن ولا مصلحة عراق فديرالي جديد...؟!

إنّ المواطن العادي المبتلى بمآس كثيرة، لا يمكنه أن يفهم سرّ تأخير إجراءات التطبيع بخصوص إعادة الأوضاع إلى أصولها ولا يجد مبررا منطقيا لعمليات العرقلة المتعمدة بوجه مهام لجنة كان ينبغي أن تنتهي من أعمالها كاملة قبل أربع سنوات فيما هي لم تنجز أوليات مهامها حتى يومنا..

ومن الطبيعي أن يفسح هذا الفعل السبلَ أمام القوى المناهضة  للتغيير الديموقراطي في البلاد ويمنحها الفرصة مجانا لتمارس أعمالها الإجرامية  مثلما يجري في مدن جلولاء والسعدية وكركوك.. ذلك أن قوى التطرف والتشدد في تيار الطائفية السياسية [الإسلام السياسي] وبقايا قوى الشوفينية والاستعلاء القومي،  سواء بوجودها بصيغة عصابات الإرهاب الدموية أم عبر وجود عناصرها المتغلغلة في مؤسسات الدولة، تبقى نهازة لمثل هذه الفرص لاستعادة  أوهامها وإفشال أية محاولة للحل الموضوعي الصائب والصحيح..

وعليه فإنّ الواقع يصرخ بشدة لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بوقف مسلسل الجريمة التي لا تكتفي  بمنع الاستقرار حسب بل تمتد لإثارة أحقاد وعداوات غير محسوبة العواقب في ظل أوضاع عامة  متضخمة بأحمالها من الهموم والمشكلات.. وهي أوضاع ماعادت تحتمل مزيدا من المنغصات والأزمات...

إنّ استمرار الجرائم الإرهابية العنصرية الموجهة بالتحديد إلى الكورد من أبناء تلك المناطق يتطلب ردا عاجلا وآخر استراتيجيا واضح المعالم بخارطة طريق محددة بأسقف زمنية..ومن أجل الحل الأمثل الذي يستجيب لمطالب الناس وحقوقها في الأمان والاستقرار أولا وفي الحماية التامة وتلبية التطلعات كاملة تاليا لابد من اتخاذ الإجراءات الآتية:

1.  قيام الحكومتين المحلية والاتحادية بواجباتها في توفير الأمن والحماية  في موضعها حيث التهديدات والجرائم تطاول العوائل الكوردية.

2.  العمل على تشخيص العناصر المتشددة من الإرهابيين والعنصريين ومنعها من القيام بأفعالها الإجرامية..

3.  إجراء حوار عاجل واستثنائي طارئ بخصوص الأوضاع الميدانية بين حكومتي الإقليم والاتحاد وبأعلى المستويات وأكثرها صلاحية لاتخاذ القرارات والإجراءات الفورية منعا لتداعيات الجرائم..

4.  تفعيل لجنة المادة 140 ومنحها ما يمكّنها من إنجاز عملها من أدوات تنفيذ خارطة طريق محددة باسقف زمنية تنتهي بنهاية هذا العام..

5.  أن تلتزم جميع الأطراف وأولها الحكومة الاتحادية بإزالة كل العقبات التي تعترض أعمال التطبيع وإنجاز الإحصاء والاستفتاء قبيل نهاية العام.

6.  أن يجري إعلان صريح من القوى السياسية المتحكمة بالسلطة التنفيذية ببغداد بشأن الحلول المنتظرة وأن يتم دعم الإجراءات بحملة سياسية إعلامية مناسبة لتحسين الأجواء وتعزيز الثقة بين الأطراف كافة، وأن يكون جوهر المسيرة قائما على التخلي عن التعامل الشوفيني العنصري الذي شهدناه في الماضي وأن يجري التحول الفعلي إلى سياسة التآخي بين المجموعات القومية واحترام التعددية على أساس من المساواة وفي ضوء ممارسة بشفافية ومصداقية...

7.  أن يدرك الجميع أنه لا بديل عن طريق القبول بأخذ الرأي العام والاستجابة لقراره ميدانيا فعليا. وأن المماطلة تعرض البلاد لمخاطر التفكك وأن الوحدة الوطنية في عراق  فديرالي جديد لا تقوم إلا على أساس الخيار الحر المستقل.. وهذا يشمل جميع المناطق وأبنائها بلا استثناءات ولا إقصاءات وعلى وفق أسس إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبيل جرائم التعريب الشوفينية..

8.  الدعوة لأوسع تنادي لمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في أشمل حملة وطنية تبدي موقفا جذريا حاسما وواضحا من هذه الإشكالية التي تمثل حجر زاوية في إعادة حقوق مكون رئيس من مكونات شعبنا  من جهة ومن ثمّ إعادة الثقة والشفافية وروح التآخي بين الجميع بما يكفل خيار العراق الفديرالي وليس تشدق بعض ساسته باجترار سياسات ماضوية عنصرية خطرة تهدد الجميع في وجودهم وفي مستقبلهم...

إن وضوح الموقف المؤمل من قبل السلطات الاتحادية وأحزابها التي تديرها واتخاذ الإجراءات العاجلة  وإنهاء سلبية التفاعل مع مجريات الأوضاع هو المقدمة الرئيسة المنتظرة لانطلاق مسيرة الحل، ولتعزيز العلاقات بين مكونات شعبنا من جهة واستعادة الثقة وتطمين مسيرة عراق ديموقراطي تعددي يحترم وجود الجميع على أساس من العدل ومن المساواة واحترام الدستور.. ومن ثمّ الانتهاء من واحدة من المشكلات التي ورثناها عن جرائم الأمس البغيض... وليس من بديل اليوم سوى نهج الديموقراطية والسلام...