حول ولادة تحالف التيار الديموقراطي
الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

2003\  12 \  30

E-MAIL:  tayseer54@maktoob.com

 

تشكِّل ولادة التحالف الديموقراطي الوطني علامة مهمة في الحياة السياسية الراهنة. وتعكس استجابة القوى الوطنية الديموقراطية لدعواتنا ولنداءات الجماهير العريضة لقوى التيار في ضرورة التعامل مع الواقع العراقي بروح التوحّد والتنسيق في مجابهة طيف غير قليل الشأن  من القوى المضادة وفعالياتها المعادية لمصالح شعبنا  مستهدفة في تنفيذ مخططاتها المعادية بشكل رئيس القوى الوطنية الديموقراطية...

وعليه كان من الأهمية بمكان أنْ تتجه هذه القوى للتحالف ولدعم فعاليات التنسيق.. لكنَّ من بديهيات التحالف أنْ يتمَّ إعلان برنامج عمل متكامل يوضِّح طبيعة المرحلة ويقدِّم تصورات التحالف لطبيعة الوضع والخطوات الضرورية الملائمة للسير بجماهيره نحوها .. لأنَّ تلك الجماهير لا يمكنها إلا أنْ تحكمَ على الالتفاف حول التجمع الجديد أو عدمه من خلال ميثاق أو برنامج عمل أو البيان السياسي المناسب..

وينبغي للقوى الديموقراطية بهذا الصدد أنْ تؤكد على استقلالية العمل الحزبي من جهة وعلى طبيعة التعاون والتنسيق من جهة أخرى وكيفياته وآلياته.. كما ينبغي لها أنْ تمتلك أدوات اتصالها الجماهيري المتطورة القادرة على التأثير في ظرف نعرف ما للقوى الأخرى من استغلال لمنابرها الإعلامية بخاصة احتلال أماكن العبادة من أحزاب معينة وتحويلها إلى منابر سياسية خاصة بها فضلا عن وقوف قوى إقليمية وقنواتها الفضائية وصحفها ومنابرها لدعم تلك القوى وسطوتها على الشارع بطرق معروفة...

وعليه كان لزاما إيجاد المنابر اللازمة لإيصال صوت التحالف من غير الصحف الحزبية والفضاءات المحدودة لأنَّ طبيعة مستقبلنا مرهون بمقدار النجاح الذي ستصيبه حالة الاتصال الجماهيري للتيار الديموقراطي. وسيظل فضاء الاتصال ضيقا محدودا ضعيفا إذا ما اعتمد الوسائل التقليدية البحتة.. وسيكون من الخطأ تجاهل هذه الحقيقة وإهمالها..

إنَّ خصوصية السمة الديموقراطية في التنسيق الوليد يحتِّم إبراز هذه الحقيقة ممارسة داخلية وفي المنهج الذي يتعاطى مع الجمهور وفي المستهدفات ولابد من أعمق تأكيد على المشروع الوطني الديموقراطي وعلى حقيقة أنَّ هذا التحالف هو القوة الأساس لحماية المشروع وإسناده الجماهيري ضرورة لازمة لنجاح تجربتنا الديموقراطية المنشودة..

وسيكون التركيز على خصوصية البرنامج أمر طبيعي في الفرز أمام الشعب بين برامج مختلف القوى وفي قراءة المتلقي لمصداقية تلك البرامج وعلينا من هذا المنطلق ألا نجعل من برامجنا هلامية عامة بقصد جمع أوسع التفاف جماهيري (يظل أمره افتراضيا فقط) إذا ما سمحنا لأنفسنا أنْ نتعاطى مع مستهدفاتنا وحملنا راية مستهدفات تعبر عنها قوى سياسية أخرى بشكل موضوعي أصح وأصدق, بمعنى حتمية تقديم برنامج يحمل هويتنا الديموقراطية أساسا..

وفي البناء التنظيمي الداخلي سيكون من الخطأ القول ببرنامجي وبرنامجك ويجب أن نلتف حول عمل برامجي وليس حول ما قدمته أنت أو أنا.. فالصائب الدقيق هو تبني برنامج متكامل لا ينتمي إلى طرف دون آخر وإنَّما يعبر بمحصلته عن رؤى اتفاقية متوازنة تمثل إجماع القوى المتحالفة..

كما ينبغي أنْ يكون منطلق العمل التنظيمي مشاركة جمعية ليس فيها فرض قوة أكبر أو أخرى أعرق أو غيرهما لأنها الأحدث والمتعاطية مع علاقات بالمحيط بتداخلات خاصة .. البديل هنا هو قيادة ببرامجية موحّدة, قيادة مشتركة لا تسمح للآخر من تيارات مغايرة للحديث عن ثغرة تنظيمية تضير السمة الديموقراطية التي يتصف بها التيار ..

للتيار أنْ يؤكد على ما تفرضه المرحلة من ضرورة التنسيق مع كل القوى والتيارات الوطنية الأخرى بما يخدم الخروج من الظرف الذي يحيق بالوطن بكلّ مخاطره الحافة بنا جميعا ولابد من إرسال معالجة التيار الديموقراطي لهذه الأوضاع عبر وضع الأولويات والمستهدفات بوضوح..

ويقع على القوى المتحدة فيه أنْ تتذكر أنَّها في أول الطريق وعليها تعزيز موقعها بوصفها تيارا مهددا أمام متغيرات الشارع العراقي بكل ما جرى له من تشويهات .. وأنْ نتذكر حقيقة التعقيدات التي أصابت استجابة جمهور واسع لأهداف التيار الديموقراطي.. سواء بفعل عقود الطغيان من جهة أم بفعل دعم القوى الإقليمية لقوى معينة حتى منها قوى تابعة للنظام السابق أو تصب في مصلحته.. وطبيعة ما تدفع به مآسي المرحلة من [دروشة] المواقف  [ولاهوتية] الحلول أمام العجز والقمع والإحباط.. وكلّ ذلك مما يتطلب وحدة الموقف اليوم وعدم التفكير بالمساحات الفئوية الضيقة..

إنَّ خسارة التيار الديموقراطي لمعركته هي خسارة لشعبنا ولن يرحمنا الزمن إذا ما كان أحد أسباب الخسارة التنافس الفئوي الضيق أو أثرة الذات وما إلى ذلك من علل التنافر والاحتكاك والاصطراع.. فأولوية العمل التي دعونا لها [نحن أبناء الشعب] وتبدأ اليوم هي في كسب معركة الديموقراطية..

وممّا يوفر أرضية التوفيق خوضها صريحة ضد قوى الظلام وخفافيشه وفضح تلك القوى وفرزها ووضع صورتها الجلية أمام جماهيرنا.. كما علينا منع تسييس المعابد والجوامع أو تركها لأثرة حزبية خاصة أو حوزة مربوطة بقوة سياسية محدودة محددة ولكنّها تفرض سلطانها بقوة البلطجة والتضليل.. فإذا بقيت تلك الساحة محايدة وليست بيد قوة ظلامية أو تابعة لجهة إقليمية توصلنا إلى أهم خطوة نجاح في نضالنا الوطني الديموقراطي..

إنَّ حقيقة أمر السطو على الجامع والكنيسة قد بات مفضوحا عندما كان رجال أمن النظام القمعي يمارسون أدوارهم فيها.. وعانت من ذلك قوانا الديموقراطية قبل القوى الدينية المسيَّسة. لذا كان لزاما أنْ تعود تلك المواقع إلى طبيعة دورها الديني المحض من جهة وإلى منع تحويلها إلى منابر حزبية خاصة بل (أحيانا) منابر شخصية أو مغلقة بجهة تستغل البسطاء في أوضاعهم القاسية القائمة!!!

مهمة مَنْ لفضح أفعال استغلال الناس؟ ومهمة مَنْ وقف الاستغلال؟ وكيف سيجري ذلك؟ تلك هي مهمة للتيار الديموقراطي.. لا يجب ترك قوى الظلام تسرق الجمهور بخديعة الادعاء بتمثيلها لوحدها للإيمان والاعتقاد الديني مستغلة الدين ومنابر العبادة للتغطية على جرائم استغلال الناس وتضليلهم وخديعتهم وسنكون جزءا من الجريمة إذا اعتقدنا أنَّ فضح المجرم أمر يعرضنا للتقاطع مع التيار الديني أو مع الجمهور المؤمن فتخلينا عنه.. فهذا غير صحيح بالمرّة وعلى كل القوى أنْ تدرك أنَّه لا يوجد بيننا مَن يمتلك القرار المطلق والحقيقة المطلقة وسلطة امتلاك منبر عام أو تحويل منبر (كالجامع والمعبد والكنيسة) عن طبيعته تضليلا وخديعة..

ونحن لسنا ضد موقف المتديِّن السياسي ولسنا ضد قول كلمة الحق من كلّ منبر .. ولكننا مع شعبنا المؤمن ضد التلاعب وتغيير صفات موقع ووظائفه وضد وضع اليد على بيوت الله لمصلحة حزب لأنَّه يزعم تمثيله لطائفة أو لدين فالموقف السياسي بكل أرديته يظل سياسيا وعباءة الدين لا تسمح بالتحول ببيوت الله إلى مقرات حزبية سياسية لأي طرف..

وبعد ذلك يستبشر شعبنا بولادة التيار الديموقراطي تحالفا وطنيا له تاريخه العريق وله حاضره  ومستقبله الكبير وثقله الجماهيري.. كل ما هنالك تواصلوا مع الناس ووظفوا كلّ المنابر بسياسة حكيمة.. ولدى التيار خيرة مثقفي البلاد وكوادرها ولديه خيرة سياسييها وقادتها ولديه أرضية جمهور متعطش للديموقراطية وحرية التعبير بعد زمن الكبت والقمع والمصادرة والاستلاب..

ولنقرأ سويا برامجنا وخططنا وتصوراتنا ومستهدفاتنا مع بسطاء الناس من حاجاتهم في قنينة الغاز ورغيف الخبز وكسوة الشتاء وبيت يأويهم ومدرسة تعلّم أبناءهم وتحميهم من شياطين الزمن الجدد ومدّعي ديانة آخر زمان ديانة تحليل المخدرات والمحرمات وحاجاتهم إلى السير بأمان وسلام في الشارع والساحة والمدينة والصحراء وإلى مستشفى وحتى حاجاتهم إلى الفكر وغذاء الروح والثقافة وأنشطتها. ونحن أقدر على تلبية كلّ ذلك لأنَّنا لا نملك إلا مصلحة الناس في الخير والسلام والديموقراطية والعدل..

www.rezgar.com

www.geocities.com/modern_somerian_slates

 

 

 

1