هل لدى المالكي خطة إصلاح جدية؟ وهل توجد فرص للحوار أم أن سحب الثقة بات الحل الحاسم للقضية؟

أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

باحث أكاديمي في العلوم السياسية

رئيس البرلمان الثقافي العراقي في المهجر

tayseer54@hotmail.com

 

توطئة: إسقاط القدسية وهالة التمجيد للمسؤول، سمة خطيرة تمع من توجيه النقد حتى المتحفظ منه. وتضع المسؤول في برج عاجي بأعلى نقطة في زقورة العراقيين! اقصد وضعه وضع التأليه والعصمة والخنوع لأوامره. أجدني هنا وفيما أكتب صحفيا على الرغم من تمسكي بالأسس العلمية الأكاديمية وبالحياد الموضوعي الإيجابي، أتجه بعيدا لكسر التابوات وكليشهات المنصب وتأليه الكرسي ومن عليه في محاولة ضمنية [أيضا] للدفع باتجاه تطبيع الأمور وتسهيل تقبلها من المواطن العادي ومن المحللين والكتاب كيما يصرخوا بحرية معبرين عن مطالبهم معالجين الحقائق كما هي وليس كما يصورها المسؤول المبجل زيفا وزعما وكيما يكتبوا رؤاهم بصراحة ووضوح ويجهروا بالحلول كما تستدعيها الظروف العامة.. وكل منا مسؤول عن واجب المشاركة في حلحلة أوضاعنا وحل معضلاتها، بلا تردد وبلا حرج. فالقانون والحقيقة هما الحكم بين أطراف القضية. والشعب هو الثابت ومصالحه وحقوقه هي المرجعية وليس المسؤول مهما كانت منزلته ومكانته... المسؤول فرد في مجتمع إنه مواطن بكفاءة مكلف بواجب فإن أخفق يجري تغييره، أم نقدم لأجله قرابين جديدة ونضحي بالشعب لسواد عيون الفرد!!؟

المعالجة: هناك تردد من عناصر وأطراف في اتخاذ موقف حاسم من مجريات الأمور، ربما بعضهم لهالة المنصب وتضخمه في ذهنيتهم. فضلا عن ذلك هناك مشكلات تتعلق بطروحات مستجدة مفتعلة لمنح فرص جديدة أخرى للمالكي؛ فهل حقا الأوضاع العراقية تشير إلى أنها سليمة؟ وهل بحق هناك خطط إصلاح لدى المالكي؟ وهل يتطلب ظهور تلك الخطط مدة أخرى؟ وهل للمالكي استعداد للحوار الموضوعي وبجدية للتغيير؟ أم الإجابة مختلفة وبات واجبا سحب الثقة حلا.. مادتي هنا تركز على صورة الوضع العام من جهة وإبراز براهين عدم وجود خطة للبناء والإصلاح وعدم وجود جدية في الحوار بل السمة الطاغية هي المماطلة والتسويف التي أكدت تعبيرها عن انعكاس لجوهر الأهداف التي انفضحت في مسيرة التدرج لاستكمال الانفراد بالسلطة وتخليق استبداد جديد...

فطوال السنوات المنصرمة عانى العراقيون من جمود في الوضع العام، ثابتا على خط من تداعيات متصلة مستمرة من الانحدار، في أجواء وجَّهتها قوى (الطائفية الفساد الإرهاب) على وفق أهوائها ومصالحها الضيقة. فالخروق ما كانت بسيطة سهلة بل جوهرية في صميم العمل المؤسسي. وقد كان السيد المالكي على رأس دورتين انتخابيتين رئيسا لـ[مجلس] الوزراء؛ في وقت باتت الأمور تدار من طرفه بصيغة رئيس وزراء (يتحكم شخصيا) ومباشرة بعدد من الوزارات الأكثر أهمية وتركيزا في الشأن الأمني، مثلما قضايا الفقر والبطالة وشلل الدورة الاقتصادية في ظرف تكاد فيه الصناعة والزراعة تنعدم وحتى صناعة السياحة الدينية باتت خسارة للبلاد والعباد حيث تذهب وارداتها للمستثمر الإيراني وغيره من الأطراف الخارجية! دع عنك انهيارا في قطاعات الصحة والتعليم وغيرهما!؟

في الفساد الميزانيات تأتي وتخرج من دون مردود فعلي فموازنة الكهرباء عشرات المليارات ولا كهرباء! فاين المليارات ومن المسؤول؟ ولماذا لا يتم الإصلاح والتغيير؟ وفي الزراعة يستورد العراق من جواره ما يقضي على ما تبقى منها مما ينتجه الفلاح في ظروف بالغة التعقيد من حصار على جهوده من حراثة الأرض وتوفير مياه السقي وحتى تسويق المنتج! وبلد الرافدين بلا رافدين بعد أن سكتت حكومة السيد المالكي عن قطع روافد النهرين بالتمام والكمال من الجارة الشرقية وبعد أن حجبت الجارة الشمالية بسدودها أمواه دجلة والفرات! ولاخدمات سوى صرف موازنات وأرصدة مالية؛ وجعجعة بلا طحن!؟ أما في الأمن والأمان فالإرهاب يسرح ويمرح وقد تعودت وكالات الأنباء، بعد كل [تبجح] بتصريح عن استقرار الأوضاع وأن قبضة السيد قد باتت مطلقة، أن تستعد لأخبار أعمال إرهابية يذهب بها  مئات الضحايا من شهداء وجرحى..

أما سياسيا فقد وضع السيد المالكي نظام المحاصصة الطائفي خلفه، بعد أن تمكن من المسؤوليات الرئيسة وتشديده قبضته [القمعية] الأمنية العسكرية على الآخر. وهذا لا يعني قارئتي العزيزة، قارئي العزيز أنه عالج الطائفية وأنهاها، ولكنه يعني أنه اتخذ الاتجاه المعاكس طريقا ليتراجع أكثر في تداعيات الأزمة منفردا بالسلطة معلنا السير بطريق الاستبداد بكل صراحة. فهو لا يجد في الشركاء قوى وطنية وهو الوطني الوحيد على وفق خطابه! كما لا يجد فيهم مصدر استقرار وأمن ولا ثقة بوجودهم في المواقع الأمنية ومع أنه حصر المسؤوليات الأمنية العسكرية ومع أنه بنى[غير الجيش الوطني]  جيشا لا يأتمر بغير أوامره، فإن الأوضاع تنبئ بمخاطر أبعد كارثية من سيادة تفجيرات الشارع وإرهابها؛ إن الأوضاع تنبئ بكوارث الحرب الأهلية في وقت لم يكتفِ بما لديه من قوات بل أنشأ ميليشيا خاصة وهو يستخدم [نظام طاسة في بطن طاسة وبالبحر طماسة] أقصد بالفصيح تداخل تركيبات قمعية [ميليشياوية مافيوية] في إطار مؤسسات الدولة كافة وعلى رأسها (الأجهزة العسكرية الأمنية)...

وبهذا غسل الشعب يديه من إمكان تغيير أو إصلاح ولو جزئيا ترقيعيا، فأعلن الشعبُ الانتفاض بتظاهرات 25 شباط  وسَحَبَ الثقة تماما بشعار "كذاب نوري المالكي" وغيره من الشعارات. وما أكد الأمر أن المائة يوم التي طلبها انتهت وما كلف نفسه بتبرير لماذا لم يفِ بوعده! وانتهت معها أسابيع وشهور وها هي السنوات ولا تحسن بوضع فلاح أو عامل أو طالب أو امرأة. أما القوى السياسية الحليفة فهي تسمع منه تعهدا في ليل سرعان ما ينبلج عن نكث للعهد في فجر صباح تال! فيما القوى الوطنية التي مالت دوما للحوار وللتفاعل إيجابا بغية تحقيق الإصلاح السياسي، ملّت من كثرة الوعود والعهود وصارت على يقين من واقع الحال الذي يؤكد لعبة المماطلة والتسويف لأبعد مدة زمنية متاحة للتمسك بالكرسي واستغلاله استعدادا للعودة إليه بأحابيل العبث بالتشريعات ومنع أية تغييرات قانونية توقف جرائم خرق الدستور وتعريض الشعب لمزيد من النكبات...

فهل لدى السيد المالكي نية جديدة للإصلاح؟ وهل لديه القدرة حقا على الإصلاح بعد أن أحاط نفسه بكل هذا الهيلمان من قوات ما اشتغلت لضبط أمن بقدر ما اشتغلت لقمع تظاهرات ومصادرة حريات وحماية كرسي؟ ثم ماذا يمكن أن يؤكد أن حوارا جديدا يمكنه أن يثمر إصلاحا؟ ما الضامن والدستور مرمي جانبا؟ والمؤسسات الدستورية معطلة أو يجري عرقلتها في أحسن الأحوال فيما أغلب الجهات المؤسسية مصادرة بإتباعها لسلطته الشخصية! إن التجربة الممتدة لسنوات كانت كافية لغضبة (كفى) التي أطلقتها مظاهرات الشعب.. وهي كافية و  جد فائضة للنخبة السياسية لتفعلها وتلبي مطلب كفى فعليا عمليا..

فلا أرضية للإصلاح مع وجود حال الخلل السياسي في بنية الدولة ومؤسساتها وفي أسس عملها القانونية المخترقة.. ولا أرضية للإصلاح بوجود نكث للاتفاقات ولبرامج العمل المشتركة.. ولا أرضية للإصلاح بانفراد السيد المالكي وتمرده حتى على حركته الحزبية وليس كتلته وائتلافه حسب إلى الدرجة التي سربت أنباء الاحتكاك مع رفاقه في الحزب لمجرد اقتراح استقالته.. ولا أرضية للإصلاح برفض السيد المالكي استجوابه برلمانيا وبكل ما تبين للبرلمان والشعب من فلسفته وسياسته التي طالما هدد بها البرلمان في آلية تقلب تسلسل السلطات وإن لم يخضع البرلمان فحله هو الحل عند المالكي!

 أما عبارة ((لا جدية في الوعود)) فهذه عبارة متراخية في وصف المشهد؛ فالمماطلة والتسويف واضحة مفضوحة.. وبرامج العمل هي برامج هدم وتخريب وهي ليست ((برامج)) بل إجراءات ((تمرير)) مدد مضافة للاحتفاظ بالكرسي ومن ثمّ هي ((تغطية)) على  أكبر جريمة نهب وسرقة في عصرنا لثروة وطنية بحجم ثروات العراق الأول في الاحتياطي البترولي عالميا، أما الثروة البشرية وتحديدا منها العقل العلمي العراقي فأما يرسل ليخدم بمؤسسات مهجرية في أحسن الأحوال أو يرمى على قارعة طريق البطالة داخليا أو خارجيا وإلا فالتصفية الجسدية وهو ما نشهده يوميا من اغتيال عالم أو أستاذ جامعي أو متخصص في هندسة أو طب أو علم. وتلكم ثرواتنا بملايين الطاقات البشرية ترمى لأمية وتجهيل وترسل إلى أرصفة اللجوء الداخلي والخارجي ونصف الشعب يركن في الكهوف لتعطيل متعمد للمرأة.

فعن أي إصلاح، وعن أي حوار، وعن أي فرص جديدة أخرى تمنح مهلة للسيد المالكي كيما ينهض بمهام  وطنية جسام!؟ إن ما يجري ليس بناء للدولة المدنية ولا حتى لدولة دينية بل هي مسخ من خلطة مصلحية انتهازية لنخبة فارغة من أي قيم ومن أية مسؤولية. ولو كان هناك ذرة من موقف إنساني وطني لاستقال منذ أن خرجت التظاهرات الشعبية بدل قمعها بالعنف والهمجية الدموية.

أما وقد وصلنا إلى نقطة النهاية واستغلاق الدروب كافة، فليس غير سحب الثقة حلا للقضية. والمسؤولية برقبة أعضاء البرلمان من كل الكتل الوطنية.