حركات القوات المسلحة بين مقتضياتها والتجيير السياسي؟

بانتظار الرد الشعبي والرسمي الحاسم

أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

باحث أكاديمي في العلوم السياسية

tayseer54@hotmail.com

 

برزت في الأيام الأخيرة جملة من الوقائع والأحداث في المنطقة وتبادلت التأثير ودفعت باتجاه تفاعلات بعينها من طرف الحكومة الاتحادية وتحديدا من رئاستها. وإذا كان بعضها واضحا بيّنا في مقاصده وآلياته كما في رفض الحكومة الاتحادية استقبال اللاجئين السوريين  وارتباك موقفها من قضية اللاجئين العراقيين في سوريا، ثم سحب الموقف والتراجع عنه تحت ضغوط دولية ومحلية وإعلان  فتح الحدود أمام اللاجئين بشروط ما كانت منطقية وإنما عبرت عن حجم التردد في قرار قبولهم. رافق هذا الأمر دفع قوات من الجيش والشرطة  لتقفل الحدود مرة وعلى وفق القرار التالي لتتعامل مع اللاجئين بطريقة كشفت سلبيتها وتعارضها مع القوانين الحقوقية الأممية المرعية، ولكن من جهة أخرى كان الفعل يهدف تهديد ثورة الشعب السوري ومؤازرة نظام القمع وعبر اللعبة تهديد إقليم كوردستان  بل العراق الفيدرالي برمته..

وبهذا فالمشكلة تمضي بمسارين المعلن والمخفي، وتتجسد بموقف رئاسة الحكومة الاتحادية من الشعب السوري وثورته في ارتباط بات واضحا مع نظام (الأسد) وما يرتكبه من جرائم بحق الشعب السوري الشقيق. وفي هذا الإطار فإنّ موقف رئاسة الحكومة الاتحادية ينسجم مع تصورات إقليمية بخاصة في الاتفاق المعلن لا المخفي مع توجهات الحكومة الإيرانية. وبغض النظر عن الطبيعة الطائفية للموقف وللقرارات المترتبة عليه وما تريد فرضه من مخططات وهي قضية بحد ذاتها بحاجة لوقفة تحليلية، بصرف النظر عن هذا نود معالجة موقف رئاسة الوزراء  وطبيعة تحريكها للقوات المسلحة العراقية، وما انكشف من تهديد البنية الفديرالية للبلاد..

لقد بات جليا طبيعة التحكم الفردي في إصدار أوامر الحركات  العسكرية من دون الرجوع للقيادات من جهة والأنكى من ذلك من دون إعلام رئاسة الأركان بوصفها الجهة المعنية بأي تحرك من جهة أخرى! وأبعد من هذا وذاك فإنّ اصطناع قوات تابعة مباشرة للـ (قائد العام) وفصلها عن قوات الجيش الوطني وبحجم استثنائي متضخم، جاء مع  إصرار على خلق قطيعة بين القوات ما يتعارض والتنسيق الواجب بين الوحدات المختلفة بخاصة عندما تتطلب الأوضاع حركات وتنقلات لقوات من خارج مسؤولية قطاع أو آخر؛ على أن يأتي أي إجراء متفقا مع ما يحترم الأداء الدستوري ومعانيه في احترام الوجود الفديرالي من جهة والعمل المؤسسي الدستوري السليم الذي يعزز الثقة ويمضي بتنسيق فاعل ناجع؛ وهو ما لم يحصل بل حصل النقيض باستمرار...

وإذا كان طبيعيا أن توجد بعض الضرورات لمثل تلك التنقلات التي أشرنا إليها، فإن الواجب أيضا أن يتم الأمر بالتنسيق المسبق من جهة بما لا يضع قوة عراقية ضد أخرى ومن جهة أخرى بما لا يختلق أزمات أو يفتعل احتكاكات من المؤكد ظهورها في ضوء إغفال قواعد العمل في قيادة قوات صارت اليوم بتعداد مليوني. ولا يمكننا هنا بالخصوص أن نعزو الأمر لإهمال أو لسهو في طريقة التعامل مع رئاسة الأركان، كما لا يمكننا أن نقبل منطق الخطأ العارض في تحريك القوات. فالمؤشرات كافة ترصد موقفا واضحا في الانفراد بالقرار وفي تجميد القيادات العسكرية والمدنية  في جميع الميادين ومنها وزارتي الدفاع و الداخلية..

إنّ مثل هذه السياسة الوظيفية للقيادة العليا  لا تقف عند حدود الانفراد بالقرار وننتهي من المشكلة، ولكن ما يجابهنا هنا أبعد من خطأ وظيفي لمستوى قيادة وسطية أو دنيا.. إنه خطأ يقع في رأس السلطة وفي قيادتها العليا وتوجيهها مجمل الأوضاع. وهذا ما لا يمكن القبول بتمريره في مستوى الحكومة الاتحادية؛ حيث يلزم أن تطلب القوى الشريكة تفسيرا عاجلا. كما يلزم في ضوء ذلك اتخاذ قرار حاسم أما بإعادة العمل على وفق منطق الشراكة من جهة الحكومة وعلى وفق منطق وحدة القوات المسلحة وقياداتها وطنيا بخاصة تفعيل دور رئاسة الأركان. كما أن اللجنة المختصة بالبرلمان يجب أن تستدعي السيد المالكي لمساءلته بوصفه  المسؤول المباشر عن الوزارات المعنية وعن الإجراءات والقرارات المتخذة. ولا يمكن القبول بصمت البرلمان بوصفه الجهة التمثيلية العليا في لحظة عرَّض (القائد العام) ويعرض البلاد للمخاطر في الاقتتال وربما في الانشطار بإجراءاته.. ومن الطبيعي اليوم البحث في سرعة انعقاد طارئة للقيادة العليا واتخاذ القرار المناسب.

الأمر الذي يجب النظر إليه بجدية وبدرجة الخطورة القصوى هو تعامل القائد العام مع قوات فديرالية، هي قوات البيشمركة،  حُسِم وجودها دستوريا كما حُسِم دورها فعليا بمسؤوليات مارستها طوال السنوات الماضية في مختلف ميادين انتشارها، فكيف يأتي اليوم طرف ليتخذ قرارا فوقيا فرديا ويعالج الأمر عسكريا أمنيا؟ هل هذا هو مسار الوقائع الصحيح؟ وهل ما اتخذ من قرارات ميدانية صائب في تعريضه البلاد لانشطار تناقضي بوضع القوات المسلحة ضد قوات البيشمركة؟

إن هذا القرار الأخرق فوق كونه تمزيقا متعمدا للبلاد يضع طرفي الاتحاد للدولة العراقية بمواجهة ماساوية؛ الخاسر في تلك المواجهة إن اشتعلت نيرانها هو الشعب على ضفتي الاتحاد. وهو أخطر عمل تخريبي يمكن أن يجابه البلاد وكل ما يجري من توصيف دفعا للمسؤولية الحقيقية عن هذا المأزق بل الجريمة المرتكبة عن عمد وسبق إصرار هو عبث سياسي، أما يدل على جهل أو يدل على تعامل بأجندة تخدم في النهاية قوى تتربص بالعراق من خارج حدوده مع وجود أصابع في داخل الحدود.. وفي كلتا الحالتين فإن هذا يجب وقفه بقرار مؤسساتي من ثلاث مستويات..

أول المستويات، الاتصال الفوري حكوميا في إطار السلطة التنفيذية والقيادات العسكرية. وثانيه موقف برلماني عاجل وطارئ  ليس على مستوى اللجنة المختصة بل على مستوى البرلمان يدعو رئيس [مجلس] الوزراء بمسؤوليته الحكومية وكونه القائد العام فضلا عن مسؤوليته عن الوزارات العسكرية والأمنية. كما ينبغي إحالة القضية إلى المحكمة الاتحادية أيا كانت التعديلات التي ستجري ميدانيا وحتى إن تمّ حل الأزمة في ضوء ضغوط وإجراءات وطنية مؤسسية، وعلى الحكومة جمعيا والبرلمان والمحكمة الاتحادية، واجب اتخاذ إجراء قانوني صارم بالخصوص.. وإذا مرت المسألة بلا قرار رادع فإن العراق سيبقى سبهللة بأيد لا تؤتمن على مصيره!

إنّ مسلسل إجراءات رئاسة الوزراء وقراراتها وأدائها لم يكن يؤشر سوى خللا خطيرا وفشلا ذريعا يكاد يودي بالعراق وجودا ولن يقف عند حدود.. وإجرائيا لابد من استبدال عاجل لرئاسة الوزراء وبرنامجها.. ولابد من توجه نحو حكومة تكنوقراط تعد لقوانين انتخابات عادلة ونزيهة وتضمن منع تحكم قوى أخفقت ببرامجها وربما كان أداؤها قاصدا تدهور الأوضاع والاتجاه بها لشرذمة البلاد وإذلال العباد.

وليس وراء هذا الكلام من شخصنة أو تسطيح وليس من موقف عدائي لشخصية أو زعامة أو حركة، بقدر ما وراء هذا تحليل لمجريات الأمور واستنتاج يدفعنا باتجاه تقديم معالجة تمنع كوارث حلت بنا.. وتلك الكوارث وتداعياتها، من دون بديل جوهري نوعي، ستنهي وجودنا وهويته. عليه فالدعوة هنا تشير إلى أمور مُلزِمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من براثن هذا العجز الكارثي [أذكِّر هنا بأن العراق ثالث دولة في العالم فسادا وهو سابع دولة مهددة بخطر الانهيار] وعليه فإن الاتجاه العام بات يخضع لأجندات إقليمية معادية من جهة ويوقع بنا في مصيدة التفتيت والتفكيك واستعداء ما تم اختلاقه من تقسيمات مصطنعة للعراقيين.

إذن، لنقرأ بإيجاز كل ما جرى ومجمل تراكماته على أنه تهديد رسمي فاضح لتجربة العراق الفديرالي، وهو تهديد لمصائر أناس ذاقوا مرارات الإبادة الجماعية والتنكيل والاستبداد والقهر، أخص هنا طريقة تعامل رئاسة الحكومة الاتحادية مع الوجود الفديرالي بعامة ولكوردستان بخاصة. فإذا كانت استسهلت التعامل مع المحافظات ومطالب غير مؤاتية لتشكيل الأقاليم وإذا كانت سحبت صلاحيات مجالس المحافظات وأبقتها بمعيتها مركزيا فإن القضية مع كوردستان التي تحررت من نظم الطغيان والدموية الفاشية لا يمكنها أن تقبل العودة لحكم يعيد تجاريب الدم والموت والمآسي والنكبات..

فتجربة كوردستان وشعبها من العمق والجرح الفاغر ما لم يندمل بعد، وما لم يأخذ استجابته على المستوى الرسمي وما فتئ مسؤولون وعلى رأسهم رئيس [مجلس] الوزراء يتعامل فوقيا استعلائيا وكأن شعب كوردستان وقياداته موظفين  في شركته الخاصة. حيث أباح لنفسه أن يتعامل مع العراق الجديد على أنه غنيمته التي "أخذها ولن ينطيها" على حد تصريحه المعروف.. إن هذا الوهم المريض لم يأتِ إلا من تنسيق مع قوى إقليمية تمارس دعارتها السياسية باستمرار احتلال أراضي بلدان في الخليج العربي وتهدد أمن بلدان أخرى وهي تخترق الميدان العراقي حتى قمة الهرم. ولكن هيهات للعبة أن تستمر والشعوب تعرف خيارها الذي يحميها والذي يوفر لها حياة حرة كريمة.

أيها السادة، لقد انفضحت اللعبة المافيوية الجارية. ولابد من حسم الموقف منها، ولكن لمن ستقرع الأجراس؟ ذلكم ما ستجيب عنه الوقائع ومن سيحدد خواتيمه التحام الشعب بقياداته التحررية الوطنية الديموقراطية تلك التي تسعى لبناء الدولة المدنية دولة المؤسسات، دولة دستورية لا يعلو فيها صوت فرد أو شخص أو قشمريات أراجوزية تحركها أصابع التدخل المربوطة بها بخيوط واهية؛ ولكنها خيوط وارتباطات بيّنة مفضوحة لعيون شعب شمسه سومرية عريقة، ساطعة، ستلهب شخوصا كارتونية ليست عصية على العقل الوطني العراقي وقراره الفاعل الحاسم، بتغييرها والمجيء بمن يمكنه إدارة البلاد لخدمة الشعب ومكوناته ومسيرة البناء وإعادة الإعمار.