دولة طائفية في العراق؟!

تمزيق للشعب وخراب للوطن وتهديد للمنطقة

القسم الأول: بعض مفردات الطائفية وفلسفتها

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

              2004\  01 \ 12

E-MAIL:  TAYSEER1954@naseej.com

 

لم تنتهِ الحربُ .. فما هي إلا هنيهة وتعود بلظاها تُحرِقُ الأخضر قبل اليابس. فلقد قال الطاغية لا أتركُ البلاد والعباد إلا وهي خراب وهم جماد. وقد فعلها ببدء معارك التخريب في ظلال ظلمِهِ, وها هم أوباش وراثة عهدِهِ يحاولون أنْ يأتوا على الباقي بأعمالِ ِ إجرامية سافرةِ ِ مفضوحةِ ِ. وليس بعيداَ َ عن بقاياه بوصفها جزءاَ َ من تكوينِهِ المرَضيِّ تشهد الساحة العراقية نشاطاَ َ محموماَ َ من القوى الطائفية المتطرّفة التي نمَت في أحضانِهِ لتـُشعـِل في الفتيلِ النار...

تنتهي حربُ الشعبِ مع الطاغيةِ ونظامِهِ بشكلِ ِ غير طبيعيّ, ما يعني تسلـّم ميراث التركة الخراب.. ويُجابهُ الشعبُ مرحلة تسلـّمِ إدارة نفسِهِ بنفسِهِ.. فهل تتجهُ السفينة بأصحابِها إلى برِّ الأمان من دون مصاعب ومعضلات؟ الإجابة لم تنتهِ الحرب ذلك أنَّ قنابلَ موقوتة وألغام كانت قد زُرِعت على طول طريق محاولات إعادة الإعمار وبناء الحياة الجديدة... ومن أخطر تلك العراقيل [القنابل] المتفجّرة في وجهِ التقدم والإعمار هي مواقف القوى الطائفية المتطرفة وأفعالها الخطيرة!

فلقد واظبتْ تلك القوى على تعزيزِ مواقعِها بين صفوف فئات عريضة بحجج وذرائع تتستر وراءها وتتخفى بأقنعتها. فتلك القوى تقدِّم نفسَها على أنَّها ممثلة للأغلبية المهضومة المظلومة.. وهي بذلك تمثل تطلعاتهم وأهدافهم ومن ثمَّ حارسة تلك التطلعات والأهداف.

من هنا تبدأ أحابيل الخبث حيث تعني حراستهم لمصالح الطائفة التي يزعمون تمثيلها (الشيعة في نموذجنا العراقي), تعني عندهم الاقتصاص من السنّة! والانتقام لمظالم الطائفة يعني أنْ (يحمل أحفاد علي على أحفاد يزيد حسب عقلية العصبية القبلية في أمسنا المتحولة إلى العصبية الطائفية اليوم) فتتوالى مصائب الجهل والتخلف وكلّ ما ينجم عن المغالاة في التعبيرات الطائفية المرضية.. فهي تبدأ من وضع أسوار وحصون وحواجز بما يعني التميّز والانفصال باسم التعبير عن الهوية وعن الخصوصية وحرية التعبير عن الطقوس والتقاليد التي حُرِموا منها.. وعبر الخلط والتضليل يجري تمريرُ أوّلِ خطواتِ تمزيق وحدتِنا الوطنية..

فالخلط يبدأ بترسيخ [الاعتقاد] بأنَّ الحاكم الظالم ليس دكتاتوراَ َ ظلم الشعب بكل فئاته وطوائفِهِ, بل الحاكم الظالم هو أهل السنّة ضد عترة الشيعة؟! وكأنَّ سنيّا لم يناضل ضد ظلم الدكتاتورية وعسفها .. وكأنَّ العراق كلّه مجرد عالـَمَين من الشيعة المضطهَدة (بفتح الهاء) والسنّة المضطهِدة (بكسر الهاء) فينفون [أو يتناسون] نسبة كبيرة من أبناء شعبنا من المسيحيين بكل طوائفهِم والصابئة والأيزيديين وغيرهم.. وكأنَّ الدكتاتورية وظلمها لم يشارِك به شيعيّ واحد.. وكأنَّ ضحايا العراقيين من غير عترة الشيعة ليسوا ضحايا بل هم مجرد عربون ثأر وانتقام لمظالم جهة من أخرى! ويُعرِبُ بعض الغلاة [في مشهد مأساوي] عن ذلك جهاراَ َ نهاراَ َ!!

وضد هذا الخلط نقول: عراقنا كما كلّ أحوال البلدان وفي جميع الأزمان انقسمَ بين قوة ظلام وظلم من جهة وقوى خير وسلام ووئام من جهة أخرى.. الأولى أقلية حاكمة بالقسر والإكراه وعسف الحديد والنار ومصادرة كلّ شئ من حقوق البشر حتى حيواتهم.. والأخرى هي فئات الشعب وطوائفه وجميع مكوناته من مختلف القوميات والأديان والمذاهب والفرق والجماعات.. لم يفرِّق الظالم بين عربي وكردي ولا بين مسلم ومسيحي ولا بين شيعي وسنيّ .. القياس والمعيار عنده هو مصالحه الخاصة وبقائه في سدّة الحكم ليطال أكثر ما يريد من شهواته ملذاته على حساب [الجميع] من دون استثناء...

وما كان يبدو للوهلة الأولى من تقديم جهة على أخرى أو فئة أو طائفة على غيرها إنَّما هي سياسة مفضوحة للإيقاع بين أبناء الشعب, بين المظلومين .. وإلا فكيف لأقلية أنْ تحكم أكثرية بغير هذه التفرقة وذاك التمزيق؟

إنَّ الطائفية وقواها المتطرّفة اليوم وبقايا آثار سياسة التميِّيز الطائفي تشكِّلُ مصدرا  لخرابنا التالي بل مصدرا لخرابنا الأخير حيث لا قائمة لنا بعدها .. فيوم تشتعل حروب الانقسام وتبدأ نيرانها بأكل الأخضر واليابس لن يسطيع حكماء العرب والأعاجم من وقفها؛ ولن تنفع(كلّ أموال هرمة وسنان)  ديّات لإعادة حيوات الضحايا, فحروب اليوم غير حروب الأمس في نتائجها ومساراتها.. ولن تردَّهم لأراملهم ولليتامى .. ولن تكون تلك الحروب إلا مزيدا من الزيت في نيران الجهل والتخلف ومن ثمَّ في حرائق متصلة لم تكن أزلية لكنَّها يمكن أنْ تقترب من أنْ تكون أبدية!!

أما النظام الأسود الذي قبع على رأسه مصاص الدماء الطاغية فقد حوى من كلّ عراقي وجودا له فلم يحكم (دائما وبالمطلق) البصرة أو النجف أو الناصرية أو العمارة أوغيرها من محافظات الأغلبية الشيعية فرد أو نفر من أهل السنّة.. بل ساهم من أبناء المنطقة كلّ فرد وضع نفسه في إدارة عجلة حياة النظام وديمومته.. ومثل هذا حصل في كلّ أنحاء البلاد. فالنظام لم يقم إلا على أكتاف المظلومين الذين ساقهم بالإكراه لتقتل [القلّة المستغـِـلة] منهم [الكثرة المستغـَـلة] ولينهب بعضهم القليل أملاك المجموع أو الكثرة من الشعب..

فإذا انتقلنا سريعا من ظاهرة الخلط بين الظالم والمظلوم إلى أفعال التضليل وجدنا في إسقاط القدسية على التقاليد وفي خلق الحماية الموهومة للطقوس الدخيلة على شعبنا وعلى قيمنا الحضارية والدينية المتسامحة الرحبة المتنوّرة, وجدنا في ذلك تضليلا للناس ودعوة لتجهيلهم ومن ثمَّ استغلال مشاعرهم الإنسانية في حب الشخصيات الإسلامية والتاريخية الخالدة في أذهانهم من جهة تمثيلها لرمز الخير والسلام والتضحية وإيثار الآخرين على النفس.. حتى يتحول الاستغلال بهم نحو معاداة كلّ القيم التي مثـَّلتها رموزهم التاريخية وقدسية مقاصدهم ونزاهتها..

لقد كان نضال قوى الخير والتنوير على مدى الدهور يستهدف السلام والحرية والعدالة والمساواة ولم يكن النضال الوطني الديموقراطي يوما يهدف إلى تقسيم الشعب بين فئتين واحدة تعلو وأخرى تخبو أو يجري تصفيتها أو إنهاؤها أو وضعها في الدرجة الثانية أو التالية .. كما لم يكن منطق الحياة الإنسانية يسمح بوضع إنسان بتصنيف دوني وآخر بتصنيف فوقي لمجرد انتماء الأول للأقلية وانتماء الآخر للأكثرية.. فكيف ستبرّر القوى الطائفية فلسفتها الانعزالية التمييزية التي تنسجم مع فلسفة النظام المهزوم  وتتناقض مع التطلعات الحقيقية للشعب بكلّ فئاته وطوائفه؟

جواب القوى الطائفية يكمن في فلسفة الدولة التي يعملون من أجل فرضها وإكراه الناس على القبول بها .. وهم اليوم يُحَضِّرون لوضع تصوراتهم تلك موضع التطبيق عبر فلسفة التقية وتمرير ما تخفي عبر قناع ما تعلن.. ونحن لا ندري كيف سنوفر الطمأنينة بين قوى شعبنا وأقسامه ما دامت تلك الفلسفة تشكّل أرضية بل حجر الزاوية لتلك القوى.. وأقصد هنا بالتحديد ليس قوى التطرف والمغالاة فقط فهي قد تكون مفضوحة ومحاصرة وإنْ بشكل نسبي .. لكنني أقصد القوى التي تشكّل أرضية ومقدمة خطيرة تحرث الأرض لقوى التطرف وتهيـّـئها لكي يكون الغد العراقي على وفق ما يرون ويحلمون!

وفي إشارة سريعة نؤكّد هنا على هدف تلك الدولة لحصر فلسفتها في محدِّدات من بين أبرزها فكرة المرجعية وحصرها في فرد أو مجتهد وعند قسم كبير في قراءة لدور ولاية الفقيه وهي تنويعات في وضع القرار العام في تأطيرات خاصة تستلب من الناس الأفراد المواطنين كثيرا من حقوقهم من جهة هذا غير كونها تُكرِه أقساما كبيرة من شعبنا العراقي على اللجوء أو الخضوع للفلسفة ذاتها وإنْ اختلف الفكر أو الدين أو المذهب ...

وهكذا سنجد أنفسنا غدا أمام خيار "تريد أرنب خذ الأرنب تريد غزال [ماكو غير] الأرنب).. بمعنى آخر إذا حكم الطغاة الشعبَ باسم الله السنيّ! [حسب فروض هؤلاء وفرضياتهم] فإنَّ الحكـّام الجدد سيُخضِعون الناس باسم الله الشيعيّ! [حسب فروض هؤلاء وفرضياتهم أيضا] إذ هذا كلام يخرج على سلامة المنطق بديهة وعقلا...

وتعالوا نناقش بعد ذلك موقع الدولة الطائفية ونتائجها في يومنا وغدنا.. وهو ما يقع في موجز آخر من مقالنا هذا...

 

خاص بإيلاف \ أصداء

 

 

 

 

 

1