تخلَّفْنا بفقدان منجزات ثلاث ثورات صناعية فيما نجابه خطر فقدان الرابعة فما السبب؟ وما الحل؟

في وقت تنهض بعض شعوب عالمنا النامي ومجموعة دول الجنوب بمحاولة ملموسة كبرى للخروج من شرنقة التخلف فإن أغلب دول المجموعة مازالت تنشغل لأسباب افتقاد الإرادة السياسية والقرار الوطني لولوج مسيرة التعاون وخلق بيئة مناسبة لحرق مراحل التلكؤ والتقدم نحو عالم التطور والتنمية ومنع خروج البلاد من مسار التاريخ بصورة خطيرة بتدنيها وبمشكلات تحدياتها وحاجاتها.. كيف يمكننا بمناسبة اليوم الدولي للعلم والتكنولوجيا والابتكار في دول الجنوب أن نحسم أمرنا ونلج المسيرة ومطالبها؟ ذلكم سؤال المجابهة المباشرة بوجه شعوبنا لانعتاق رؤاها ومعتقداتها وتحريرها من الفجوات الخطيرة التي تُرتكت فيها.. هل سنستطيع تلبية محددات التنمية ونلج عصرنا أم نبقى أسرى عبث حوكمة التخلف وأمراضه لاهثين وراء دجل طبقة سياسية تزعم تمثيلها القدسية الدينية على الأرض!؟ ذلك ما ستقرره الشعوب نفسها فقد سمعت جرس الإنذار وها هي المناسبات الأممية منصات تنوير للتعرف إلى الطريق والقرار بأيدي الناس 

اليوم الدولي للعلم والتكنولوجيا والابتكار لبلدان الجنوب (16 أيلول سبتمبر) ما أحوجنا للحركة قبل ولوج دهاليز فجوة أخطر من كل فجوات التاريخ الإنساني

تيسير عبدالجبار الآلوسي

قبل تلمس دروب العلم والابتكار ومعطيات اشتغال التكنولوجيا نشير إلى حقيقة أدوار التقدم فيها في نقل عالمنا نحو مستويات ومراحل غير مسبوقة في التاريخ مع التفاتة واضحة إلى حجم التعقيد فيما وصلته التكنولوجيا الحديثة.. قبل ذلك أؤكد على أنَّ تحقيق (التنمية المستدامة) التي تستجيب لمطالب البشرية هي أكثر تعقيدا وصعوبة عند تعلقها بدولنا النامية، دول الجنوب، في ظروف تتميز بـ(الاستقطاب الاقتصا اجتماعي)، وأنا أشير بهذا الاستقطاب إلى ظاهرة الانقسام داخل المجتمع، ذلك الاستقطاب الناشئ عن تفاوت الدخل بين الفئات مع تمييز بينها على أسس اختلاف الثروات بخلفية انتفاء المساواة والعدالة والتكافؤ ما يخلق مجتمعات ممزقة مفككة ومتخلفة اقتصاديا اجتماعيا تسطو عليها معتقدات أدخل بمنطق الخرافة والتخلف ومن ثم تعطيل سبل بناء الشخصية الإنسانية والاستثمار في التنمية البشرية ما يعني الوقف الشامل للغة العلم إبداعا وابتكارا ومن تنمية في نهاية المسار الأمر الذي بات أكثر تفاقماً بتراجعاته بخلفية الفجوة بين خطاب الواقع ومطالبه والخطاب السياسي المتعكز على ادعاءات ومزاعم إيهامية باطلة مضللة….

إن الاستجابة لمطالب الواقع تتطلب الارتقاء بمنظومة بناء الإنسان ومنطقه العقلي (العلمي) تلبية لشروط تحقيق التنمية المستدامة وبسقفها الزمني الأممي 2030 قبل ولوج عالمنا منطقة اللاعودة والوقع بفخاخ انفصال نوعي كلي غير قابل للمعالجة بشأن مستويات الاستثمار في العلم.

ولابد من التذكير هنا أن إمكانات التغيير  في أيٍّ من بلداننا سيبقى مختلفا نوعيا بإجراءاته ومطالب حاجاته بخلفية عمق الفروق بين الشمال والجنوب؛ الأمر الذي يفرض انتظامنا نحن دول الجنوب بسياقات عمل ومستوياتها تختلف عن غيرها في الشمال، إذ نجابه تكاليف ردم الفجوات الأخرى ومجابهة تحديات من قبيل: الفقر وعدم المساواة وتغير المناخ والأوبئة والأمراض وما يكتنفنا من تردي مستويات العلوم والمعارف لدى جمهور دول الجنوب واختلاف الأولويات والاهتمامات ما يبقيها بعيدة عن أولوية تبني العلم ومساره بضمن ذلك مسارا الإبداع والابتكار واعتماد تكنولوجيا مناسبة للعمل والبناء والتنمية..

وإذا كانت مساهمة دول الشمال (المتطورة) قد استثمرت أكثر من 2.5 تريليون دولار للجهود البحثية للتطوير والتنمية وما يفوق نسبة الـ77% من الانفاق العلمي بهذا الميدان فإنّ موارد جد محدودة تم استثمارها في دول الجنوب وبمساهمة لا تتجاوز 0.3% فضلا عن أن ذلك يأتي من دول بعينها بين دول الجنوب..

إن حجم التسارع بمسار التقدم التكنولوجي مقابل حجم التخلف في علاقات الإنتاج والبيئة الاقتصااجتماعية ببلداننا تتطلب عمليا مزيد تنسيق وتعاون بين دول الجنوب لأنها بمستويات متقاربة وتحتاج لتقليل الكلفة واختصار الزمن وملاحقة المتغيرات إلى مثل هذا النسق الذي يوزع المهام بصورة عادلة متساوية تترسم خطى ما حدث من فجوة تكنولوجية معرفية..

وكيما تستطيع بلداننا مطاردة خطى التقدم العاصفة، تقف بوجه المهام قضايا الحوكمة والكفاح المضني لتلبية شروط الابتكار والتمكين من جديد التطور بقصد أفضل مستويات التكيف وأكثرها فاعلية. مع استذكار بيئة العمل وقدرات احتضان الإبداعات والابتكارات الأحدث بالخصوص مع بروز مهام تكييفها للتناسب مع الواقع المحلي وحاجاته.

لقد فات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في الغالب منجز الثورات الصناعية الأولى وبوقت ندخل ثورة تكنولوجية (رقمية) عاصفة تلج عالم الذكاء الصناعي فإن وضعا تكنولوجيا يتطلب أرضية أو بيئة مناسبة غير متوافرة يدعونا لاتخاذ مواقف يمكنها التصدي لما يجابهنا من تحديات.. ومن هنا جاء اليوم الدولي للعلم والتكنولوجيا والابتكار لبلدان الجنوب ليجسد خطوة في إعلان مبادئ لنهج حيوي فاعل في اختيار طريق يتجاوز ما فات من خطوات بقصد الوصول إلى عالم أكثر عدالة ومساواة وتشاركاً وشمولا لجميع أطرافه في استثمار منجزات العقل العلمي..

إن الوصول إلى مستويات التحرر من التخلف وما فاتنا لا يكتفي بمشروعات وتطلعات تبقى حلم الشعوب وبلدانها بل يقتضي إلزاما تعزيز التعاون الأمثل من أجل الوصول (العادل) إلى منظومة التقدم التكنولوجي الرقمي والاستثمار المسؤول للابتكارات العلمية التي يجري تكييفها لأوضاع دول الجنوب وحاجاتها..

ومن دون ((المبادرات)) الحية الفاعلة لجميع أطراف المسيرة بدول الجنوب من مجتمع مدني وقطاعين عام وخاص وأصحاب الصلة المباشرة وأولهم الأوساط الأكاديمية العلمية إلى جانب مؤسسات أممية وإقليمية متخصصة لن يمكننا من دون تلك المبادرات وتحديدا إعلاء منظومة الابتكار وتفعيل طاقة تكييفها، لن يمكننا النجاح بالمهمة..

إن إشكالية التقدم والثورة بميادين الرقمنة وتكنولوجيا الذكاء الصناعي ستبقى علامة ومفترق طريق بين عالم جديد وثورته الرابعة التي نحن بصددها وبين عالم سيغادر منكوبا بتخلفه أو بإهماله تلك القضية المبدئية للعيش في عالمنا المعاصر..

وإذا أردنا فعليا تلبية مطالب التنمية المستدامة فإننا بواجب الانتباه على بيئتنا الإقليمية كخطوة تأسيسية إلى جانب نماذجنا المخصوصة بهذا البلد أو ذاك ويمكنني التمثيل لدول مثل مصر والسعودية والإمارات في خطاها التحديثية لكن ذلك لن يحصد مردوده إلا بتعزيز التعاون الإقليمي مع دول الجنوب وبيئاتها وتقسيم العمل وتعزيز صب الجهود باستثمار مجدٍ في الابتكار والأمثلة التي ذكرتها لديها مسارات ناجحة بهذا الميدان ولكن الأكثر نجاحا سيأتي يوم تتجه بقية دول الجنوب لهذا النهج وتتخذ قرار التفعيل العملي..

ما يعترض المهمة انشغال بلدان بعينها بخلل النهج ((السياسي)) المتخلف الذي مازال يجتر من أزمنة البطولات الخيالية في السردية العقائدية لخطابها السياسي حصرا وهو ما يجعلها تنشغل بأولويات لا علاقة لها بالعصر ومفاتيحه وخطاه التي ولجتها دول الشمال..

بودي العودة والتذكير أيضا بنموذجي العراق وسوريا وكيف تمزقها الظاهرة الطائفية التي تدير حوكمة السلطة بمفاصلها العليا والدنيا ومعها حال الانهيار الاقتصادي والتمزق الاجتماعي وتخلفها عن قيم الدولة الحديثة ومعاييرها القانونية التيي تحررها من قيود وأصفاد وأغلال بلا منتهى فهي تتوالد يوميا مع منظومة الاجترار الماضوية التي تستدعي أسوا ما مر في تاريخنا بوقت هي بحاجة للبحث عن أفضل سبل الوصول إلى ما يُدخلنا بعالم الثورة الرقمية ومرحلة يحركها الذكاء الصناعي والعلمنة.. هذين النموذجين يبقيان بمنطقة استغلاق (العقل) على ترهات الخرافة ودجل طبقة كربتوقراط رجال الدين وحكمهم ومشاغلة العقل المجتمعي الجمعي بصراعات واحتقانات يُزهر الفاسد وينتشي فيها ويعاني الغلابة من دون تفكر وتدبر بشأن مساهمتهم في إيقاع الاستغلال والاستعباد بخلفية التمسك بما يظنونه مما يوهمون به من أضليل…

فهل سنتبنى ما رسمته استراتيجية هافانا ونواصل المشوار بجهد أكثر عقلانية وعلمية وبتركيز أكبر؟ هل سنقرأ نماذج سنغافورة والهند ومصر والإمارات والسعودية أم سنتقوقع على نموذج ينهب العراق وسوريا من أهلهما ويبقيهما أسرى التخلف والجهل؟؟؟

هل ستبقى مبادرات مؤسسات الإبداع والابتكار حبيسة بدائرة ضيقة أم سنعتمدها وطنيا إقليميا ونمضي بطريق التجدد والتجديد؟ إن تفعيل منظومة الإبداع والابتكار وربطها بالمجتمع والبيئة الأشمل مع تبني مشروعاتها وزيادة ضخ الاستثمار فيها هو طريقنا وقرارنا الأنجع أبارك هنا لعدد من دولنا التي أشرت إليها بما تنهض به بأمل مزيد تفعيل وتعاون وتقدم

نحن في أغلب بلداننا بحاجة لقرار حاسم حازم قبل فوات أوان ولات ساعة مندم

 

 

***************************

********************يمكنكم التسجيل للحصول على ما يُنشر أولا بأول***********************

 

اضغط على الصورة للانتقال أيضاً إلى موقع ألواح سومرية معاصرة ومعالجاته

********************يمكنكم التسجيل للحصول على ما يُنشر أولا بأول***********************

تيسير عبدالجبار الآلوسي
https://www.facebook.com/alalousiarchive/              تيسير عبدالجبار الآلوسي

سجِّل صداقتك ومتابعتك الصفحة توكيداً لموقف نبيل في تبني أنسنة وجودنا وإعلاء صوت حركةالتنوير والتغيير

للوصول إلى كتابات تيسير الآلوسي في مواقع التواصل الاجتماعي

...