بمناسبة اليوم الدولي للتسامح الذي يصادفيوم 16 أو منتصف نوفمبر الجاري نرصد خلافات شخصية وخطابات متشددة متطرفة أو راديكالية محملة بالشتائم الشخصية وما ينتقص من الآخر على أنه نقد ومثل هذا من خطاب التعصب والتطرفبين مجموعة وأخرى حزبية أو لتيار أو شعب أو أمة أو عرق أو قومية أو أتباع دين أو مذهب وتتفشى التناحرات القاسية ويبرر بعضهم حمل السلاح بأن ضرورة لسبب ما فيما لا يوجهه للسبب الذي يتحدث عنه بقدر ما يتسبب بوجوده وحمله بإيذاء أبناء وطنه وشعبه ومكونات هذا الشعب وهنا مع هذا التفشي للعنف وذرائعه لا يوجد بالمقابل سوى التسامح للقوي في فكره وفلسفته ونهجه ولكن: أليس من الحق أن يتعرف من ندعوه للتسامح ونهجه إلى وسائل القوة ومواضعها في التسامح؟ أليس من الأنجع أن ننشر وسائل التسامح ومواضعها وكيف يمكن ألا تكون هوانا وخذلانا وذعفا واستسلاما؟؟ ربما وجدتُ الصحة لمتابعة معالجتي هذه في أقرب الآجال بخاصة مع تفاعلات الأحبة مع ما تناولته هنا.. مع بالغ احترامي وتقديري للمتفق والمختلف هنا
أن نكافح خطاب التعصب والعنف والكراهية ودونية الانحدار نحو الشتيمة هو طريق من طرق الحياة القائمة على التسامح فلسفة لقبول الآخر بتنوعاته واختلافاته
تيسير عبدالجبار الآلوسي
تلتبس عند بعضهم الألفاظ ومداليلها؛ فيخلط بين السماح بوصفه ضعفا وانهزاما قد يمرر العداء وعنفه مثلما يدفع بأشكال التعصب لأقصى حال من العدوانية.. فيما التسامح قوة الحِلم والقدرة على العفو والتعامل بلين ولطف وهي سمات ليست قطعا تهاونا في أمر أو قرار ولكنها نهج من مناهج القوة في معاملة الآخر.. وعليه حتى لمن يختار التساهل رديفا لفظيا يحدد به التسامح فإن القصد يكمن في مضامين الصّفح والعفو والإحسان بغفران وتجاوز صيغ الإيغال بخطاب الصرامة والتشدد والتطرف في معاملة الآخر..وإذا كان السماح ضعفا وهوانا يفرض التنازل وخذلان المبادئ الأسمى فإنّ التسامح يجسد قبول الآخر والتخلي عن منطق الانتقام منه لأنه أخطأ باتخاذ سبيل نقد نهجه وخطئه حيث القوة في إمساك النفس وإرادتها وفعلها عن خطاب الثأر والانتقام بنهج العنف المتشدد الموغل في شخصنة الأخطاء.. والمرء يختار التسامح لأن الجميع يُحتمل أن يُخطئ فهل سيقر عندما يقع في زلة أو خطيئة أن يُنتقَم منه أو أن يُمارس العنف تجاهه!؟
إن التسامحَ بهذا التفكير ونهجه هو قبول الآخر بعيدا عن تعامل يقوم على تضخم أجوف لما يتسم به هذا الآخر من اختلاف ثقافي روحي أو عقلي فكري أو عرقي إثني. وهنا نبقى بحاجة لمراجعة أية محددات موضوعية للمنظومة القيمية للتسامح حيث نرصد محمولات فلسفية فكرية للتسامح بأبرز محاورها ممثلة في:
- رفض للعنف وتمسك بنهج اللاعنف وإشاعة التعايش السلمي ونهج تأمين الجميع ومنطق السلام شاملا كل تنوعات وجودنا.
- ولا مناص أن نهج السلام لا يكتمل وينضج من دون منظومة قيمية تُؤسسها وتعليها الديمقراطية وروح المواطنة بمعطياتها عالمياً..
- وسيؤدي هذا بالضرورة إلى تمكيننا من مناهضة العنصرية وأشكال التمييز كافة مع رفض خطاب كراهية الأجانب وعموم الآخرين المختلفين بأي سمة وخصلة..
- ومجمل تلك المحددات القيمية للتسامح ستتطلب اتخاذنا نهج الدفاع عن حرية التعبير وقبول اختلافاتنا وتعددية تمظهراتها ما يتيح فرص تبادل الاحترام والبحث عن الأجدى والأفضل للجميع لا التخلص من أحدنا بلغة العداء والانتقام ورديفاتها السلبية..
- وجميع تلك المحددات نكتسبها بالتعليم والدربة بما يغيّر مسارات حيواتنا ويضعها في مأمن التعاون والتكاتف ومحاربة الهفوات والأخطاء في مناهجنا لا محاربة بعضنا بعضا..
إذن، (التسامح) نهج للقوة الفكرية الروحية ما يوفر فرص احترام الآخر والقبول به مع عميق التزام منطق التقدير للتنوع الثرّ لمجمل الثقافات المتاحة في عالمنا وأشكال تعبيرها عن مجمل الصفات الإنسانية عند بني البشر جميعاً. وهذه الخصال والمبادئ تبقى مؤشرا للقوة والاقتدار في مجابهة هفوات الضعف وزلات الهوان التي تعصف ببعضنا وتجعله يفقد السيطرة على اندفاعاته ويثور غاضبا للانتقام ربما حتى تجاه نصيحة لم تعجبه أو فهمها خطأ أو بسوء تقدير وتفسير أو التباس.. وبالمناسبة فإن ما يرد هنا إنما يستند إلى خطاب جسَّده إعلان المبادئ بشأن التسامح..
وعليه فإن التسامح الذي أُكثِرُ من الحديث عنه في حقيقته قرار داخلي لكل امرئ ليتخذ منه في الواقع حالة ثقافية روحية لنهج ذهني بمنطقه العقلي العلمي ولوعي الإنسان بأنضج مستوياته ودرجاته.. ويتحقق هذا الوعي وقراره الإرادي بأن يدرك الإنسان المتسامح بأن التنوع الثقافي منه ومجمل مظاهره الأخرى، إنما يمثل سبب إثراء للبشرية لا ذريعة خلاف و\أو انقسام وتضاد واحتراب؛ بمعنى أن يغتني إدراكنا لكل ظواهر الاختلاف والتعددية والتنوع لتكون عندنا حالا طبيعية لأنها تجسد بصمات البشرية بكل غنى تنوعها وثرائه..
إنَّ التسامح ليس حبيس منظومة معرفية مسطحة بل هو عمق فكري فلسفي يشكل بمستواه الفلسفي سمة تلازم الشخصية فتمكنها من فحص الآخر والصبر على معاينته والبحث في نهجه بهدوء وموضوعية وبلا شخصنة للاختلاف معه أو لمعاملته هو ووجهة نظره كأنهما واحد فنسلبه حق من حقوقه الإنسانية.. ففي ميدان حقوق الإنسان تؤكد فلسفة التسامح على ما أشرنا إليه من قبول الاختلافات ومن ثمَّ احترام حقوق الآخرين في امتلاك تصوراتهم التي هي وحدها ما يحق لنا مناقشتها بهدوء وموضوعية ومن دون مساس بالآخر نفسه وبطابع اختلافه معنا..
إنَّ قبول الآخر على الرغم من اختلاف رؤاه، سيؤكد علينا بضرورة تجنب أية محاولة لفرض رأي أو آخر عليه بصورة مخصوصة ما يجنّبُنا احتمال الاعتداء على حقوقه وهذا لا يعني التنازل عن رؤانا فمثلما نحترم رؤى الآخر نتمسك برؤيتنا أو رؤانا من دون تحول إلى اصطدام أو احتكاك سلبي عدائي من أي نمط أو نوع..
والآن لابد من الوصول إلى أرض كثر فيها الصراعات والأزمات وأشكال العنف والانتقام والثارات المنطلقة من أشكال الخصام والتدني بالخطاب لمستوى الشتائم ودونيتها والإغراق في التعصب لرؤية قد يظهر أنها هي الخطل وأكبر خطأ ولات ساعة مندم أو على أقل تقدير سيصدمنا حجم التضحيات بخلفية التعصب والانحياز والعداء ومنطق العنف وحروبه..
وعليه فالعنف في زمننا قد يبدأ صغيرا وهامشيا ولكنه سرعان ما يسري ويتفشى وينتشر كالنار في الهشيم إن هذا العنف نقمة علينا جميعا وليس على طرف أو آخر لوحده فليعلو صوت التسامح محبة ومودة وتعاونا للوصل إلى الأكثر صوابا وصحة وسلامة بدل أن يحطم طرف طرفا آخر وينهك وجوده ويستنزف من بقي معلولا بمختلف نتائج الاحتقان وتفجرات العنف ونقمته منا..
وأن تكون لطيفاً خير من أن تكون عنيفاً لأنك تختصر وسائل تغيير ما تراه مثلبة أو هفوة أو خطيئة. فلنقل معا وسويا لا لكل أشكال العنف ولنتخذ من السلام والوئام وتضافر الطاقات والجهود طريقا .
وطريقنا للتسامح يبدأ بتفهم الآخر وقبوله وبنهج التفاهم والاحترام وإمساك النفس عن خطاب الشتيمة والانتقاص من الآخر بسبب خطأ أو زلة . فحيثما سمحنا لأنفسنا بما يجعلنا نرتكب منطق العنف أبعدنا فرص التسامح . عنا وفقدنا أسباب الاستقرار والسلم الأهلي ووقعنا بمصيدة الاشتراك مع مشعلي الحرائق والمتسببين بإثارة نزعات التعصب والتشدد وإطلاق فواعل الحروب ومصائبها. فلنبدأ اليوم طريق التسامح بالمحبة والتآخي ولقاء القلوب والأفئدة والعقول ناضجة حرة من قيود وأغلال وأصفاد بلا منتهى..
إنه التسامح هو منقذ البشرية وطريقها على ربيع حياة بهية يفخر بها الجميع لا ضعيف فيها يمكنها أن يدس دسائسه ولا من تهون نفسه فينشر وباء تشدده وتطرفه هذا التسامح قوة وقدرة وطاقة حيوية تجدد قيمنا في الأنسنة لا بمنطق الغاب.
ألا إن من سامح ويسامح هو مثال العفة قوية بهية باقية بأثرها وتأثيرها بلا أسلحة دمار وخساراتها الفلكية المهولة بكل فظاعاتها.. القوة للسلام للتعايش والتآخي وقبول الآخر بكل تنوعاته وبلا منتهى لهذا التنوع والاختلاف ونحن من يحدد أنريده خلافا وصراعا تخريبيا مدمرا أم تنوعا يضيف ويبني بتبادل رؤيتيه عبر منظومة التسامح ومجددا لا خشية لمتسامح من أن يفقد رؤيته ويتبنى رأي الآخر الذي تسامح معه لكن القوة أنه قبل هذا الآخر واشتغل على حوار سلمي عميق ممعنا في محاولته الوصول للأجدى والأنفع والأسلم..
فهل أروع من هذا.. لك كل الحق في إنضاج ما ورد هنا والتفاعل بما تراه وإلى لقاء
***************************
********************يمكنكم التسجيل للحصول على ما يُنشر أولا بأول***********************
اضغط على الصورة للانتقال أيضاً إلى موقع ألواح سومرية معاصرة ومعالجاته
********************يمكنكم التسجيل للحصول على ما يُنشر أولا بأول***********************
تيسير عبدالجبار الآلوسي
https://www.facebook.com/alalousiarchive/ تيسير عبدالجبار الآلوسي
سجِّل صداقتك ومتابعتك الصفحة توكيداً لموقف نبيل في تبني أنسنة وجودنا وإعلاء صوت حركةالتنوير والتغيير


