هذه القراءة البحثية نُشرت في مجلة ((العالي)) الأكاديمية العلمية المحكمة التي تصدر عن الجمعية العراقية للفنون وهي خاصة بالمجلة حصراً ويلزم الإشارة إلى المجلة عند إعادة النشر والاقتباس وتجدون المادة البحثية في الصفحة [116] من مجلة العالي.. ولمزيد تسليط الضوء على تلك المجلة التي تتضمن النشر في ميادين العلوم الإنسانية والفنون منها بالتحديد نضع المادة بين أيدي الباحثين والقراء للتعريف بمجلة جديدة تظهر في العراق لتغطية الحاجة لمنصة مطلوبة للدراسات والبحوث بميادين الفنون وندعو هنا المعنيين للنشر فيها في ضوء المحددات والتفاصيل المخصوصة بها التي تجدونها هنا في هذا الرابط
اضغط هنا لطفا: مجلة العالي مشروع فكري ثقافي تنويري ينطلق في بغداد
للانتقال إلى المادة البحثية وقراءتها يرجى التفضل بالضغط على العنوان أو على متابعة اقراءةفي أدناه
نظرات في بعض أبعادٍ مضمونية جمالية لمنجزٍ غناسيقي عراقي
تيسير عبدالجبار الآلوسي
ملخص البحث
انطلق الإطار المفاهيمي لهذه المعالجة البحثية من رؤية نقدية ترى أن العمل الغناسيقي يقوم على تكامل البعد المضموني من فكرة، ورسالتها، بجانب موضوعها تتحد مع البعد الجمالي أسلوبا، وصياغة، وتأثيرا فنيا لتؤكد أن القيمة الفنية الحقيقية تتحقق عندما ينتج هذا التكامل أثراً تفاعلياً بين المنتج والمتلقي، ويؤدي إلى وعي جمالي وثقافي نوعي محدد الهوية والغاية. أما إشكالية المعالجة وما درسته فتعالج تراجع بعض الإنتاجات الغنائية المعاصرة التي تتسم بالسطحية والضجيج، مقابل تهميش الأعمال الملتزمة ذات القيمة الإنسانية العميقة الشاملة وذات الأثر التاريخي الممتد عبر مساحة زمنية بعيدة. وفي ضوء ذلك طرحت معالجتي الموجزة الآتي من الأسئلة:
ما طبيعة الإبداع الشعري في الأغنية وما دوره؟ وما أساليب المعالجة الموسيقية المنسجمة مع الاتجاه الشعري؟ وكيف نقرأ علاقة العمل الفني بذائقة الجمهور ومدى قدرة الغناء على تحقيق أثر ثقافي واجتماعي ملموس بنيويا؟ وقد اخترتُ نموذجا تطبيقيا رئيسا مع إشارات لنماذذج أخرى استعرضت فيها نماذج عربية وعراقية رائدة في الغناء الملتزم، كما بأمثلة الرحابنة في لبنان والشيخ إمام في مصر وفرقة الطريق وثنائي (البصري – العطار) في العراق حيث حاولتُ رصد الإيجابي في تلك التجاريب التي استطاعت أن تجمع بين الجمال الفني والالتزام بقضايا الإنسان والوطن، فقدّمت خطاباً فنياً مؤثراً. ولعل هذا ما ساعد على وضع معايير بعينها للعمل الغناسيقي الملتزم عبر تسهيل فهم مضمون النص وهدفه والقدرة على قراءة الشخصية والحدث الدرامي في مشهدية ترسم دور الركح في الاتصال ثم صياغة موسيقية تعبّر عن القيم الإنسانية الإيجابية وتتفق معها بمراعاة فرص التفاعل النفسي والاجتماعي مع الجمهور الأمر الذي تطلب باستمرار اختيار المقامات الموسيقية المناسبة وفي انتقاء الصوت الغنائي القادر على التعبير بتلكم المعايير أو المقاييس التي توحد المضموني بالجمالي.. وقد مرَّت القراءة البحثية على مصطلحات عرّفتها بأطر سياقية أكثر من الميل للتعريفات المعجمية الجامدة مثل مصطلحات المونودية (الصوت الواحد) مقابل البوليفونية (تعدد الأصوات) وتوظيفاتهما في الموسيقى التصويرية ومن ثمّ دورها في خلق المشهد التخييلي القادر على تقديم أشكال الانسجام بين الكلمة واللحن والتوزيع وفي ضوء كل ذلك جاء انتقادي بعض الاتجاهات الغنائية التي كرّست الحزن السلبي والبكائيات التي لا يمكن إلا أن تضعف الإرادة الإنسانية وتغيب روح التغيير وطبعا أن تنحدر بالذائقة العامة بخلاف كون الموسيقى فعلاً اجتماعياً وثورياً يبدأ بتحفيز الوعي الجمعي ودعم الحراك الاجتماعي وحتما التعبير عن قيم الحرية والكرامة بصيغها الجمالية الفنية..
متن البحث
للمضمون أبعادٌ تركيبية مكوِّنة، وهي بوجه من أوجه التمعن والدراسة البحثية، تبدأ بالموضوع وتمر بالمعالجة ونهجها ولا تنتهي بالاستنتاج بل تذهب باتجاه الأثر القائم على تفحّص جسور التفاعل والحوار بين المُنتِج والمتلقي حيث ينجم عن الاتصال استقرار متعدد بتعدد الأطراف التي تعرضه باستقرار على فحوى رؤيتها فيه أو في مادته وما يُفهَم من هذا الطرف أو ذاك أو يُستفاد بالإشارة إلى الجانب المُجدي من الخطاب وقراءته المحددة بطرف بعينه ..
فيما تذهب قراءتي بالجمالية [1] إلى ما ينتسب للجمال وللخبرات الإنسانية بميدانه ما خلق عادةً ويخلق باستمرار الذائقة المتسقة وسلوك الانسجام وفعل الأنسنة في إطار البحث في الأسلوب والأسلوبية وفي نهج تكامل التعبير الموسيقي وأشكاله وألوانه…؛ بقدر تعلق الأمر بحدود هذه المعالجة وما تتناوله في الشأن الغناسيقي.. فإذا التحم المضموني بالجمالي وأديا مخرجات منجزيهما بصورة نسقية منسجمة كان المثال إيقونة الإبهار والتأثير
هل قرأنا الكلمة في أية أغنية؟ وما طابع الإبداع الشعري وجماليات معالجاته؟ كيف يلج ذلك النهج أسلوبيا في مقام جمالي بمعايير تتفق والذوق العام؟ كيف تتصل المضامين ومعالجاتها مع جمهور بعينه؟ هل توجد أطراف استطاعت أن تحقق القراءة المميزة بهذا الميدان؟
لبنان الرحابنة، مصر الشيخ أمام وفرقة الشبيبة التي نسبت حالها بالتسمية لإحياء تراثه أما عراقياً فلعلنا لا نجافي واقع الإبداع وجمالياته عندما نشير إلى فرقة الطريق و\أو فرقة البصري.. وتحديداً ثنائي البصري – العطار، وقد كانا منذ عقود يحققان المنجزات الفنية البهية.. تلك التي احتفلت شعوب المنطقة بها وبمنجزهما الملتزم بقضايا الناس والوطن.. فأبدعا فيما أهدياه لكفاح إنساني مشرق لشعوب فلسطين، لبنان، سوريا، واليمن وللعراق بالتأكيد..
دع عنكم حكاية من يُطلق مساهمته بتخيلِ وهمٍ، أنه يركب التجديد ولكنه بالحقيقة وعند التمعن، يحيل ذلك إلى قرار أو فعل إعدامٍ لكل منجز سابق، كي يطفو على السطح الهامشي الغث من الإنتاج، يهلل له على وقع ما يثيره من ضجيج أسمته بعض أصواتٍ تشاطر المهيمنين على فضاء الصوت، فحيح ما ينفثون به سمومهم…
فمنهم من يكسر العزائم ويشوّه بناء النفس ليُغرقها في السلبية والخنوع والارتكاس ببكائيات ما أنزل الله بها من سلطان وربما لها أول لكنها بلا طائل ولا آخر تستقر عليه.. ومنهم من يكسر الإرادات الإنسانية بمشاغلتها عن أداء مهامها السامية والانحطاط بالذائقة عندها…
فبعد المنجز الأوبرالي والسمفوني الأوركسترالي وبعد هارموني كلاسيات الأغنية المعبرة عن الأنفس الثرة الغنية ثقافة وسلوكاً وبعد مارشات وإيقاعات ثورات الشعوب كما تموز الفرنسية وأكتوبر الخالدة وثورات أمريكا اللاتينية وأفريقيا باتوا بعد كل تلك القمم الشامخة وعمقها وغناها، أقول باتوا بالإشارة إلى (بعض محدود) في إطار تداعيات بيئته وخطابه ومستوى التدني، يحيلُ عالمَنا (الجمالي الإبداعي) إلى مجرد سوق للخرداوات.. فيعلو زعيق معمم مجلبب يبيع تسجيلاته بأحدث تكنولوجيا أو تصم آذاننا قرعات طبول تتمثل الحرب التي يديرها أسياد متاريس الصراع وتخندقاته الوحشية الهمجية.. وهذه المعالجة الموجزة هنا؛ حتما وبالتأكيد لا تضع خطابها بشمولية مطلقة تتوهم اتهام الجميع أو الكافة بل تقصد حصرا وتحديدا موضع الخلل بتسمية ملموسة بعينها…
ولابد من التأكيد أيضا أنْ لا شيء جميل، وسط كل تلك الفوضى المثارة من ذاك (البعض القليل)، لا شيء جميل يمكنه أن يقول: ها أنا ذا! لأننا وسط فوضى صاخبة ووسط زمجرة مجنزرات وحشية تصم أذن العارف الباحث عن الجميل والجمال..
فنحن بوجه آخر حتى لو كنا في سوق الصفافير البغدادي المعروف، لكان رتم ما نسمع ونسقه مقبولا لأنه يمثل انسجاما حقيقيا لصوت واقع بهي نفخر به حيثما تمسكنا بالعمل قيمة لأنسنة وجودنا. ولكننا اليوم بمجابهة متغيرات تنحدر كثيرا حتى تغرق في وسط ذاك العالم الأرعن بهمجيته..
ووسط عالم الفضائيات ومواقع التواصل وما تنقله من مختلف المنتجات باختلاف مستوياتها وأنماطها تنطلق قناة أخرى لجماليات الأنسنة والاهتمام بذائقة المستمعة والمستمع حيث سلامة الجملتين الموسيقية والغنائية وحيث جواهر الإبداع والاهتمام بالمضامين المنبعثة من تراث ثر بمنظومة قيمه البعيدة عن جهة صبا البكائيات والسلبية لكنها المعجونة بالهمّ الإنساني وبتفاصيل مساره بروح إيجابي بنَّاء بمعنويات تستند للأمل الذي يتحقق رديفا لوجودنا لا للأحلام ولا الأوهام قطعا..
هنا نحن نحلم بل نتطلع بإرادة فاعلة إلى ولادة قناة محملة بعبق الكلمة \ الضمير وبشفيف المشاعر إنسانية المنحى قناة للأغنية بهية متجددة الأثر، خالدة بمقدار صلاتها بالحياة تمتلئ فرحا ومسرة ورقصا؛ احتفالا بالإنسان..
تأتي هذه القناة مجسدة بمسيرة مبدعات ومبدعين من مختلف الأجيال الفنية ومدارس العطاء ونهجه الكبير، لتسد ثغرة في جدار الحصانة الفنية المعمَّدة بفضائها الحر لكنه ليس الملوث فالانفتاح حر إنما أيضاً نقي زكي عطِر وما يسد الثغرة إنما لأنها (ربما) موجودة بنوع من انشغال اضطراري أو تكاسل أو سلبية أو حتى عائد لتفشي أوبئة مرضية تتسلل نحو النقد الغناسيقي لتعطل جانبا فيه.. من هنا يأتي هذا التناول ومحاولة طروحاته، لجبر البناء وفعالياته علَّ تلك الطروحات، تمنح دفقا أو ربما تضفي حيوية بإثارتها التساؤلات حتى منها تلك المستفزة إن كان فيها من هفوة أو خطأ في خيار التعبير بلا قصد لإحداث الاستفزاز به وفيه..
وبالعودة إلى المضموني الجمالي أشير إلى ألوان الموسيقا وقوالبها المتوائمة والحضارات المختلفة المعبرة عن منجزات الشعوب ومرجعياتها المتنوعة المتعارضة أحيانا، وحتما لأسباب موضوعية سليمة في خيارات المنجز وما يعارضه… هنا سنجد الآداب والفنون ومذاهبهما الفنية وأساليبهما ومن ثم ميادين البحث عن المتفق المتناسل بتعددية متوائمه مثلما المتعارض الذي أشرنا إليه للتو..
وسنجد الألوان بين الغنائي بالمعنى الأوسع للمصطلح حيث التعبير عن الذاتي ومونولوجاته وهنا في هذه القراءة الموجزة أو التناول المختزل المونودي الموسيقي وأحادية الصوت بالإشارة إلى كونه لحناً واحداً بسيطاً أو عزفاً فردياً… ثم سنجد في موضع آخر، حال تعددية القوالب وتنوعها وولوجها مستويات الأوركسترالي حيث البولوفونية أو التعددية الصوتية وسننتقل إلى مرجعية الذائقة الفنية وأسس الاتصال وتبادل التأثير والتأثر بين المنجز الموسيقي والمتلقي وما يمكنه أن يخلق من منتج فني جمالي متخصص…
ولننتقل إلى حيث ولادة إبداعات فنية غناسيقية جديدة في ضوء انتشار المسارح وأنماط الأداء على الركح مع الإنتاج السينمائي حيث ظاهرة التأليف الموسيقي والحاجة للموسيقا التصويرية مثلما سبقها ويسبقها تنوعات أخرى غيرها لا نلغي ذكرها وإن اقتصرنا هنا على نموذجها…
والموسيقا التصويرية هنا يمكنا القول إنها ترتبط كما جرت الإشارة للتو بالأفلام والمسرحيات وبالمشهد.. بالتحديد حيث التعبير عن طابعه من فرح و\أو حزن وحماس و\أو رومانسية .. ومن هنا فإن الملحن عندما يرسم الكلمات والأحرف بالصوت الموسيقي؛ إنّما يدفع إلى حيث تصوير الكلمة وهوية الإحساس بها، كما لو أننا نؤدي مشهداً لفلم أو مسرحية.
لكن هنا لا تأتي الأمور بطريقة بصرية توظف العين وإنما بطريقة أبعد في تركيبيتها وفعلها، لأنها تدفع للتخيّل ولإبداع تصور مشهدي، سيكون بطله من يتلقى الكلمة و\أو يؤديها وهو الأمر الذي يدفع بالإيحاء إلى تبني المواقف، الأمر الذي ينجز مهمة الكلمة الملتزمة ويفعِّل وظيفتها البنيوية في إعمال العقل مضمونيا جمالياً…
والقصد هنا حفر الأثر النفسي في الروح من جهة وهو الأثر الجمالي الدالّ ثم تمكين المرء من اتخاذ موقف في ضوء المضمون، بالإشارة بالضرورة إلى مضمون الكلمة – النص…
أما الشكل الجمالي فيقع بمستويات الموسيقا وهوية فعل الغناء؛ إنَّه المعادل السمعي أو ما يساوي [=] رياضيا (موسيقا وتأثيراتها)
من هنا ندرك تعريف الموسيقا من أثرها ودورها الوظيفي ووقعها في النفس البشرية وقيادتها بالاتجاه الذي يتبنى موقفاً فكريا في ضوء الموقف الجمالي ومن هنا جاء حظر القوى الظلامية للموسيقا كي لا يتسلل موقفها إلى منطقة محظورة ممنوعة في وجودنا عندهم.. ومن هنا جاءت موسيقا الثورة والالتزام بما تتطلبه انطلاقا من مكونات الفعل والإنتاج فيها، الأمر الذي يبدأ بضرورة:
- فهم شخصية بطل النص أذكِّر هنا بأغنية جيفارا مات…
- ثم فهم النص بكليّته وغايته فليس الحزين في الأدب الملتزم بالضرورة طابعاً سلبي الهوية ولكنه قد يكون انبعاثاً من التضحية لتقديم البديل. هنا لا يحدث الفعل بتدرج بناء طبيعي ولكنه فعل تراجيدي يحتاج لتصوير معمول النفس تجاه الحدث الوجودي الفاجع لكنه ليس المنكسر المستسلم وإنما المتحول المتحفز للثورة والتغيير ووضع حد؛ إنه المنتفض الثائر
- بعد ذلك وبجواره لابد من قراءة الموضوع موسيقيا: والموسيقي الملتزم يتحدث عن الإيجاب في بناء الإنسان والوطن.. يتحدث عن أنسنة الفرد وليس شخصنته، بمعنى تصويره وهو يمد الجسور لفكر مفتوح، يمد الجسور للآخر بخلاف ((طربكة أو طركاعة)) قرقعة الموسيقا السريعة المستعجلة التي منها ألاعيب الكومبيوتر الخالية من روح المبدع الملحن والموزع..
- ويأتي بعد ذاك فهم المزاج العام الفردي والجمعي وكيمياء التفاعل، وتجسيدها في العمل الموسيقي..
- ويتبعها اختيار المقام الغناسيقي أذكر بهذا المجال بأغانٍ وظَّفت مكونات عديدة من قبيل الدفوف حيث نجد هنا الرموز التاريخية مصاغة إيجابا وليس مطابقة تماثلية وأحيل لفعل دفوف مسرحية المفتاح أو دفوف حميد البصري في هلاهل؟؟
- لكن أبرز إشكالية غناسيقية تكمن في قدرة وسلامة اختيار الحنجرة بمستوييها الفردي أم الجمعي.. أشير إلى فنانة الشعب شوقية وإلى فرقة الطريق وحلقات تحولاتهما
وأنا أشير إلى هذه المحاور المثيرة للتساؤل أشير إلى هوية ألوان الموسيقا فهناك حال لطابع الموسيقا المونودي ذي الصوت الواحد ومقابلها طابع التعددي وولوج الأوركسترالي البوليفوني أيّ تعدد الأصوات النغمات واتحادها بأداء في ذات الوقت مع احتفاظها بشخصيتها الهارمونية والإيقاعية، كلٌّ في موضع إنتاجه وحدوده ومحدداته. أما كيف سنستفيد من قراءة جماليات المنجز على وفق هذي المؤشرات بين التعبير المخصوص للفنان وفروض تجسيده للحراك المجتمعي النضالي الموضوعي لا الذاتي الغنائي فذلك مما يتطلب تطبيقات ونماذج معلومة لدراستها…
لقد ظل النقد الموسيقي يدعي بصورة مبالغة وجود عُقد [من عقدة] لدى التأليف الموسيقي العربي ولربما قرأنا الفكرة بصورة مغايرة هنا بالقول: إن مجال الكتابة لآلات الأوركسترا المُضافة الى التخت الموسيقي العربي، لم تبقَ سطحية وتزيينية وإن بدا ذلك عند بعض التآليف عربيا إلا أننا نجد الأمر مختلفا ولنتذكر هنا أدوار مميزة أغفلها الدارس الباحث الموسيقي [الذي طالما انتقدت غيابه] من جهة تعامله مع الغناسيقا العربية أشير هنا لحال الصراع بين الانغلاق على قوالب بعينها والانفتاح على قوالب الموسيقا العالمية..
مثال العمل السمفوني لفرقة البصري في أمستردام الذي يبقى بحاجة لدراسات متخصصة فهو عمل ثوري حقيقي في المنجز الموسيقي العربي مع إشارة محددة إلى نموذج إبداعي غنائي تمثل حينها في حفلة أمستردام بحنجرة بيدر خلف وهوية الأداء فيه بمشاركة مهمة مع تلك الحنجرة المهمة بمكانها ومنجز أدائها من شابات أخريات مهمات في تنفيذ اللحن بصورة تجاوزت الغنائية المحدودة لعلها في ذلك كانت تمتاح بوعي ودراسة أو بالتماهي مع والدتها الفنانة المعروفة السيدة شوقية العطار ومع عائلتها الموسيقية وينبغي أن يتم لفت النظر إلى أن فنان الشعب البصري كان يشتغل حينها على مهمة تحويل قصيدة للسياب إلى عمل دراما [2]
موسيقية جديدة – إلى حد ما – على المنجز الغناسيقي العربي
وكنتُ بهذا الإطار مررتُ على إشارة جد مختزلة إلى التجربة اللبنانية والمصرية لكنني هنا أضيف إلى إشارتي تلك دور مرجعية الجملة الموسيقية العراقية بإطار الجملة الموسيقية العربية..
ولم يكن مقدار النجاح المؤمل، قد حقق مطلبه باتجاه وضع جديد صحيح بسبب الحرب اللبنانية… فلقد أدت بعض تلك (المشروعات) تحولات لموسيقا التنوع ولكنه ليس بالضرورة صحيحا تكرار التجربة خضوعا لمخرجاتها كما أن الوقائع أكدت اليوم خروج الأغنية من شرنقة الرومانسية السلبية الملتفتة إلى الوراء وقطعت شوطا بعيدا نحو كل المدارس ومنها الرومانسية [3] نفسها لكنها التي تستوعب الثورة وسبلها وخطاها
وبودي اختزالا وأنا أتقدم بطرح هذه المحاور لاستكمالها والتوسع بها من طرف المتخصصين، بودي أن أقول:
إنَّ شعبا لا يغنّي ولا يحتفل كرنفاليا إنما يقبع بمظلة سلبية خطيرة وعبودية تجتر وجودها بأشكال قد تختلف لكنها لا تغادر معانيها المنغلقة، لهذا فالثورة ليست صراخا احتجاجيا ولكنها هتافٌ حيوي الفعل يبني النفس ويحفز قدراتها على البناء والتنمية في الذات البشرية
ولابد هنا من أن نتحدث عن بعض بعض نماذج من قبيل أوبريت بيادر خير في المسرح العراقي الأمر الذي قد يساعدنا بحق على قراءة موسيقا الثورة كونها فعلا مضمونيا جماليا تمثل: قوة اجتماعية عريضة، تشمل بفعلها ومخرجاته الجموع الشعبية
لقد حدث هذا في الثورات البشرية التحررية كما في ثورات[4] جرت في العام 1848 وما تلاه، تلك التي قامت في العديد من الدول الأوروبية، والتي سعت للتخلص من الأنظمة الرجعية الاستبدادية ومن القيود على (حرية التعبير وعمل الصحافة) وخلاصا من الطغم المعادية للتطور. نشير إلى أن سلسلة تلك الثورات بدأت في إيطاليا ثم باريس 1848 حيث تم اعلان الجمهورية الثانية. وسرعان ما امتدت الثورة بعد شهر الى ألمانيا والنمسا والمجر وغيرها. لينهض دور مميز كبير لـ فاغنر[5] الذي شارك بثورة دريسدن 1849، وهو الذي كان قد تأثر بـ فيورباخ وعقد صداقة مع الثوار مثل باكونين بحينها فلعب دوره المعروف الكبير والخالد
لكن ((بعض)) موسيقيينا بخلاف هذا، يدفعون بأغان لا تعبر عن دور وظيفي تعبوي أو تصويري لطاقة الحراك وفعل الاحتجاج بل يجترون مواويل بل مقامات صبا جنائزية الطابع و\أو ذات فعل سلبي تخديري وإن تحدثت عن مطلب ما؛ عادة ما يكون اتكاليا بصورة الاستجداء واستدرار عطف امرئ من الخيال ليداوي الجرح وآلامه ومظالم يشتكون منها لمن يأتي لينقذهم وأولئك الموسيقيون لا يكلفون أنفسهم بالبحث عن إجابة تساؤل كيف يعززون حراك لهؤلاء لأنهم بالأساس يسترزقون بإطلاق النغمة البكائية المخدرة.. أؤكد على أن كثير من النقاد التفتوا عربيا إلى تلك السمة التي تعكزت أحيانا على تبريرات تنسبها لأغاني المراثي السومرية فيما الأغنية السومرية لا تغيب فيها أفراح الحصاد والولادة التموزية وما إليها..
إن الموسيقا السلبية الحزينة، تظل موسيقا تبحث عن البطل الافتراضي الذي مضى وليس البطل الجمعي وفي اجترار الماضي المنقرض يجترونه بأنين وحزائنية مرضية سلبية تماما تثير الاشمئزاز مثلما تُطلق حبال التقييد بأصفاد الخنوع والعبودية..
أما الثورة فتريد أمرا نقيضا وثانية تشدد هذه القراءة على أن الأهم في تركيزها على المنجز الغناسيقي العراقي، لتقدم ما يثير تساؤلات وربما نداءات لمزيد من يقرأ عميقا في النقد الفني ومنظومته الجمالية بإطار تخصص الموسيقا العربية وقد تكون في هذي القراءة بعض مواضع اختلاف و\أو تنوع رؤى إلا أنها لا تزعم حسم الموقف النقدي وإنهاء أبعاده بل تؤكد دعوتها لحوارات تخصصية ومعالجات في الإطار بما يغني ويثري ويتقدم بطاقة معرفية تخصصية وبالذائقة إلى أمام..
وكون هذه القراءة لا تزعم التخصص فإنها تحاول القول: إنَّ لدينا نماذج وتجاريب بهية، لعل من أبرزها عراقيا وعربيا، بمجمل منطقة الشرق الأوسط هي فرقة الطريق[6] وربابنتها.. ومن يستطلع جغرافيا الجملة الموسيقية لفنان الشعب الراحل الموسيقار حميد لبصري أبرز ربابنة الفرقة، يجدها مرتبطة بتلك الجذور المختلطة بجذور نخيل البصرة تمتاح من سواقيها المتفرعة من شط العرب مذ لحّن (على شط العرب، تحلى أغانينا وعلى البصرة) يوم جمع بين موسيقا الآلة وموسيقا الحركة البشرية كالتصفيق (صفقة الكف البصرية المعروفة علامة منمازة للبصريين بمجمل العطاء الإيقاعي بعامة)، إنما تتناغم منسجمة في جملته اللحنية.. تلك الجملة الموسيقية التي دحرت غَلَظة الأداء الصوتي المنفعلة للتحول إلى استنطاق أجمل مكنونات الأنفس المقموعة المنفجرة في غضب الشعب، الغضب المعبر عنه بجماليات الطيبة والتسامح بالضد من أداءات تجسد أصوات مجنزرات الهمجية ووحشية أصواتها تفضح واقعا يعتقل أنين الجموع وعذاباتها!
إنني أؤمن بقوة الدرس المتخصص؛ أن الموسيقا السليمة الذائقة بتنوعاتها، إنما تعبر عن ثقافة الشعب وعن جماليات منجزه الانفعالي العاطفي المهذب بقيم الأنسنة، ما يسمح لي برفض ما يسميه بعضهم: (تعبيرات وضيعة للذة)؛ لأن اللذة و\أو المتعة هي قيمة نفسية وجودية بحيواتنا؛ تظل بحاجة لما يدعم سلامتها وهنا بالأساس أشير إلى دور الموسيقا.. ومن ثمّ معالجتها فعل الرد على ذاك التوصيف المتجني…
ولن أتحدث عن الانسجام والاتساق والتحدد بقيم رياضية مجدولة للصوت الفيزيائي الموسيقي، ولكنني أتحدث عن بعض معانٍ لمقامات؛ منها ما هو احتفالي للفرح والرقص ومنها ما هو تسريب للتوتر الناجم عن اختزان الحزن بما يمثل تنفيساً مناسبا لا يكرر فعل الحزن والأسى ولا يجتره أو يصطنعه ولكنه يلامس الجرح ليزيله..
كما أننا ربما نلاحظ، درجات جد مختلفة في التلقي، فبعضها يؤكد أنه لم يعد يتمكن من قبول مقام الصبا في ظروف الانحدار به من بعضهم ليصوروا: اكفهرارا أو عتمة وتراكم أكداس من الحزن ولربما وصلت درجة من الضغط، ما لا تقبل مقامات موسيقية توحي أو تشترك مع هذا المقام (الصبا) بمعطيات دلالاته بذاك التوجه الصارخ بسوداوية في معالجاته.. لكن القضية تبقى في طريقة الأداء وإيصال الرسالة الغناسيقية.. وما لا يسمح بالانحدار بهذا اللون…
أما إشارة المونودي فربما بجانب منها إشارة إلى لحن الموسيقار البصري الذي استخدم لتنفيذ لحنه العود معوّضاً هنا عددا من الآلات التي كانت ستمنح الأداء دفقا نوعيا مختلفاً يتلاءم وطابع اللحن المتضمن كل ذياك الشجن ونغماته والترقيصات المطالبة بالفرح وإيقاعاتها المنتظرة.. أكيد كان عود البصري موفقا بتميز في سدّ مسد تلك الآلات من جهة وفي أداء النقلات بين منطلقات وقفلات أقسام الأغنية ولحنها، ونحن ندري أيضا كيف أنّ بعض الآلات تأتي مطواعة لأساتذة الفن في النطق بروح الكلمة وكأنها حنجرة بشرية عميقة النفس والإنجاز أو بصورة أخرى للتعبير البوليفوني المتنوع التعددي الأداءات متجاوزة الحال الفردية بتلاؤمها مع تعدد الأصوات..
أما غنائيا فإن خامة ذياك الصوت الطربي وتنوعات مستويات الأداء فيه وحجم العمق بحنجرة السيدة شوقية ومساحتها وارتفاع قدراتها ومقاماتها الصوتية فقد ظلت عاملا مهما في منحنا تنويعات صوتية شدّتنا إلى مراد الصور الشعرية التي أرادتها كلمات الأغنية من وراء المعاني المباشرة للمفردات بما منحها عمقا معجميا أبعد من الدلالات المباشرة و\أو السطحية فأبهرتنا بنضج التجربة وقدرة منح تلوينات غنية ثرة التنوع؛ خلقت مع آلة العود وعزف الموسيقار البصري موسيقا بديلة أحدثت كل ذياك الوجود الكرنفالي للأغنية الثورية أو السياسية الملتزمة بلقائها مع عشرات آلاف المشاركين وجدانيا ممن ملأ الملاعب والصالات الكبرى التي أحيوا فيها حفلات فرقة الطريق فيها كما في ميادين لبنان وسوريا وجمهور الثورة الفلسطينية والعراقية واليمنية…
إن هذه الموضوعة المتخصصة تتطلب دوما دفقات مستمرة من التناول والمعالجة ومن الإضافات النوعية المؤملة وبخلافه ستظل حركة نقدية غناسيقية تطل باستحياء وبلا أثر في وقت لابد من وجود إطلالة نوعية مستمرة لها كيما تتحرك الغناسيقا بصورة جدية فاعلة الأثر فهل سنقرأ في هذا الميدان أكثر وأكثر؟ ثقتي وطيدة مع ولادة جيل متخصص ومقتدر ومع وجود منصات اتصال ونشر لمثل هذه القراءات
المصادر والمراجع:
- موسوعة المصطلح النقدي المجلد الأول ترجمة د. عبدالواحد لؤلؤة المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1983
- موسوعة نظرية الأدب، م.س. كوركينيان، ترجمة د. جميل نصيف، القسم الرابع، 1986، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد
- موسوعة المصطلح النقدي المجلد الأول ترجمة د. عبدالواحد لؤلؤة المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ، ط2، 1983
- تاريخ أوروبا الحديث، الدكتور ميلاد المقرحي، منشورات جامعة قار يونس، بنغازي، ط1، 1996
- Wikipedia, Art and Revolution https://en.wikipedia.org/wiki/Art_and_Revolution
- الدكتور حميد البصري، فرقة الطريق العراقية للأغنية السياسية من التأسيس والمسيرة، مخطوط الكراس علما أن الكتيب تم طبعه في هولندا لاحقا
- مجموعة دراسات في الدراما وفنون الغناسيقا منشورة باسم الباحث في ألواح سومرية معاصرة
https://www.somerian-slates.com/category/arts/music-arts/page/4/
حنجرة ماسية لفنانة الشعب أ. شوقية العطار وريشة ذهبية لأنامل فنان الشعب د. حميد البصري
بين الفن والتزام حركة الأنسنة فيديو كرنفالي مخصوص بصوت الفنانة بيدر البصري
منجز غناسيقي استثنائي بنكهة عراقية لعائلة البصري يتألق في سماء أمستردام
الهوامش
[1] موسوعة المصطلح النقدي المجلد الأول ترجمة د. عبدالواحد لؤلؤة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط2، 1983، ص277
[2] م.س. كوركينيان، ترجمة د. جميل نصيف، موسوعة نظرية الأدب، القسم الرابع، 1986، دار الشؤون الثقافية العامة، ص166
[3] موسوعة المصطلح النقدي المجلد الأول ترجمة د. عبدالواحد لؤلؤة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط2، 1983، ص162
[4] تاريخ أوروبا الحديث، الدكتور ميلاد المقرحي، منوشرات جامعة قار يونس، بنغازي، ط1، 1996، ص372
[5] Wikipedia, Art and Revolution https://en.wikipedia.org/wiki/Art_and_Revolution
[6] الدكتور حميد البصري، فرقة الطريق العراقية للأغنية السياسية من التأسيس والمسيرة، مخطوط الكراس ص ص 8 -25
***************************
اضغط على الصورة للانتقال أيضاً إلى موقع ألواح سومرية معاصرة ومعالجاته
********************يمكنكم التسجيل للحصول على ما يُنشر أولا بأول***********************
تيسير عبدالجبار الآلوسي
https://www.facebook.com/alalousiarchive/ تيسير عبدالجبار الآلوسي
سجِّل صداقتك ومتابعتك الصفحة توكيداً لموقف نبيل في تبني أنسنة وجودنا وإعلاء صوت حركةالتنوير والتغيير


