تفاقم أوضاع النازحين تمهد لجولة أخرى من الأزمات والصراعات

د. تيسير الآلوسي \ المرصد السومري لحقوق الإنسان:  هذا النص ومعالجته المقترحة أدخل بقضايا حقوق الإنسان، تحديدا حقوق النازحين والمهجرين قسراً.. وإشكالية الإعادة القسرية التي يجري التستر عليها خدمة لمآرب سياسية تريد إعادة إنتاج نظام الطائفية وتخندقاته وحروبه وطابعه الكليبتوقراطي، بكل جرائم فساده وما تخفي وراءها من بشاعات وفظاعات… فإلى ذلك ألفت الانتباه بشأن أولوية المعالجة بما لا ينفي قطعاً دخول بعض تفاصيل من خطابات أخرى (سياسية مثلا) لتعزيز عمق المعالجة وتحويلها إلى معالجة جوهرية حاسمة وشاملة

إن هذه المعالجة تتطلع لتداخلاتكم كي تصير حملة إنسانية نوعية نساهم بها جميعا ولو بمجرد إعلان الاتفاق وتوثيق المشاركة بالرأي .فشاركوها وانشروها 

عانى العراقيون من دوامة العنف المصطنع بوجود الميليشيات وعناصر الإرهاب المستندين لخطاب الطائفية وسلطته وتمييزه. وبينما تمّ تهجير مئات آلاف وملايين من العراقيين على خلفية المعتقد الديني و\أو المذهبي مثلما جرى من إخلاء مدن البلاد المختلفة من سكانها سواء كانوا مسيحيين أم مندائيين أم من فئات مذهبية بعينها؛ جاءت دوامة أخرى في مسلسل حروب الطائفية ومنها الحرب التي خيضت على الإرهابيين؛ لتدفع ملايين مضافة إلى النزوح والتوزّع بين المخيمات والمدن وحتى العيش على قارعة الطرقات وأرصفة التعطل والتبطل ومن ثمَّ الابتزاز والاستغلال والجريمة…

ومجدداً تطلق المنظمات الإنسانية تحذيراتها في تقاريرها الدورية والطارئة، مؤكِّدةً فيها الشح في موارد رعاية النازحين بل ضمورها حد الانتكاس.. وبعد العذابات في قارعة الطرقات وعلى أرصفة العوز والابتزاز وبعد ذل الحاجة في مخيمات بلا أسباب كفالة احترام إنسانية النازح وبعد هجولة الناس بين تلك المخيمات وإعادة نقلهم وتكرار تهجيرهم على وفق رغبات فوقية مرضية، تأتي قوى التسلط لتعيدهم هذه المرة إلى ما كانت دياراً لهم وباتت اليوم مجرد أطلال وخرائب وبيوت مهدمة وبنى تحتية مدمرة بالتمام أو بنسبة لم تعد فيها من فرصة لوصفها مفيدة أو موجودة فعلياً…

وفي أخبار وكالات منها رويتر، كشف تقرير لمنظمات إغاثة اللاجئين أنّ السلطات الحكومية الرسمية في العراق سواء ما تسمي نفسها الاتحادية أم المحلية ببعض المحافظات أجبرت آلاف النازحين على العودة بالإكراه وقسرياً إلى مدنهم غير المهيأة للعيش الآمن الأمر الذي عرَّض حيواتهم لخطر الموت جرَّاء فخاخ المخادعة وبقايا المتفجرات بأشكالها أو جراء الأعمال الثأرية الانتقامية لصراعات تفتعلها قوى مسلحة منظمة وأخرى غير منظمة على خلفية الصراعات الدموية الجارية.

وهكذا صار تعامل السلطات ومن تمَّ إضفاء الشرعية على وجودهم من الميليشيات التي يُعد بعضها ضمن القوات الرسمية والأخرى التي تسرح وتمرح بعنفها وجرائمها تًعد أو توصف بالوقحة الخارجة على القانون، صار تعاملها جميعاً مع العراقيين بخاصة هنا من الذين شردتهم الحرب ضد الإرهابيين الدواعش أحد المهام المعقدة الصعبة التي تجابه السلطة التي أعلنت النصر على التنظيم الإرهابي قبل أشهر.

وبخصوص إعادة النازحين ترى بعض قوى السلطة أن التأخر فيه قد يتسبب في تأجيل انتخابات تشريعية ترغب بممارستها لتعيد إنتاج وجودها، وهي بالمناسبة انتخابات ستجري تحديداً للمجلس النيابي فيما يجري تجديد إهمال انتخابات مجلس الاتحاد مرة أخرى.. ولهذا فإنّ تلك القوى تصرّ على إعادة النازحين ولو قسرياً اتسعجالاً لإنجاز المهمة ولو شكليا؛ لأنها تدرك فضيحة عدم أهلية مخيمات النزوح لإقامة مراكز اقتراع فيها.، لكنها تجد الأمر يتيح لها افتتاح مراكز اقتراع وسط أكوام الخراب وهول الدمار وعلى أبناء المنطقة المنشغلين بأحوالهم الاشتراك بالانتخابات وعلى وفق أحد أقطاب النظام [م. الربيعي] ولو تمّ جرهم بالقوة لصناديق الاقتراع…!

لقد أكدت منظمات كثيرة لإغاثة اللاجئين منها [لجنة الإنقاذ الدولية والمجلس النرويجي للاجئين في العراق والمجلس الدنماركي للاجئين] بتقرير مشترك، حسب رويتر، أكدت أن الكثير من حالات العودة؛ تمت قبل الأوان ومن دون الالتزام بمعايير السلامة الدولية والكرامة والعودة الطوعية… فهناك على سبيل المثال، ما لا يقل عن 8700 نازح عراقي في محافظة الأنبار قد أُجبروا على مغادرة المخيمات والعودة القسرية إلى مناطقهم في الأسابيع الأخيرة من سنة 2017. إنّ تلك المخيمات على الرغم من القصور في خدماتها فقد قال ما نسبتهم 84% من النازحين إليها: إنهم يشعرون بالأمان فيها مقارنة بمناطقهم الأصل”.. ربما بسبب وجود المنظمات الإنسانية الدولية التي تحميهم من عسف مباشر لقوى الصراع الطائفي بكل أجنحتها. وعلى وفق تقرير رويتر ذاته: أكد أكثر من نصف المستطلعة آرائهم منهم، أن منازلهم تعرضت لدمار كلي أو جزئي ولم يؤكد الاطمئنان والرغبة في العودة سوى 1% فقط لأسباب ليس بينها جاهزية ديارهم لاستقبالهم ولكن لعوامل ليس موضع ذكرها هنا وارداً من دون دراسات جدية مسؤولة.

إنّ تلك الإعادة القسرية وبعد تجربة مريرة وعذابات مضاعفة اضطرت حوالي 20% من المعادين بالإكراه للعودة إلى مخيم ثالث بعد أن تعرضوا لاعتداءات وتعقيدات وتهديدات في مناطقهم الأصل..

وفي وقت ترى الدراسات البحثية الميدانية أنه “لن يكون هناك أمل في السلام في العراق ما لم تضمن السلطات عودة الناس بأمان إلى ديارهم”؛ ترد التصريحات، على وفق رويتر أيضا، من أعلى مسؤول حكومي بشخص السيد رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي لتقول: “إنه ربما حدثت بعض حالات العودة القسرية لكنه أكد على أنها ”حالات فردية“ جاءت نتيجة قرارات لحكام أقاليم خلافا لسياسة الحكومة المركزية. فيما أكدت رويتر الشهر الماضي أن قوات الأمن العراقية تعيد المدنيين عنوة من المخيمات إلى مناطق غير آمنة في محافظة الأنبار، وهو ما تؤكده الأوضاع الميدانية واقوال النازحين…

إنّ مثل هذه الإعادة القسرية ستضع جمهور النازحين بمجابهة مباشرة مع مشكلات هيكلية مجتمعية خطيرة وستدفع لوقوع صدامات سرعان ما تتحول إلى مستويات دموية بوجود انتشار منفلت للسلاح وللقوى المسلحة بعنف ما تمارسه وترتكبه وبضعف جدي للسلطات الأمنية على خلفيةي تعدد المراكز والقوى واستمرار انتشار الميليشيات والعصابات المنظمة..

إنّ الحاجات المادية المحسوسة للنازح وتلك الإنسانية من خدمات صحية ونفسية وأخرى تتعلق بالمشكلات الاجتماعية المتوالدة بأثر الاحتشاد بتجمعات مزدحمة وفي الغالب بلا توافر الشروط المناسبة، باتت تطحنه وتضعه في ظروف الاحتقان والغليان وتفجّر صراعات بضغوط مصنوعة من بعض أطراف يهمها غشعال تلك التفجرات والصراعات…

ومع مزيد انهيار بتلك الأضواع الإنسانية ومع انعدام الحماية والرعاية الوافية ومع التقاء أقسام مجتمعية بعضها مع بعض بعد دوامة حروب بين أطراف مسلحة سواء ميليشياوية أم شراذم إرهابية مع تلكم الأجواء المحتقنة يبدو التمهيد لتفجير الأوضاع بجولة صراع جديدة مرشحاً للاشتعال بطريقة أكثر كارثية وتفكيكا للبلاد ولقيادة الناس باتجاه تقييد واستعباد وتخندقات لخوض حلقات أخرى من حروب عبثية دموية أبشع وأفظع…

إن قضية النزوح، تبدأ بالاستجابة للحاجات الإنسانية الضرورية وتمر بإعادة تأهيل المدن المخربة لإعادة طوعية آمنة تستجيب لمطالب الإنسان وحقوقه وتكفل حرياته في منظومة جديدة تحقق خياراته وما يصوّت له ولا تنتهي عند ضفاف إطلاق مهام إعادة إعمار الذات ومن ثم إطلاق مهام التنمية والتقدم والتنوير…

إن قضية النزوح يتضخم حملها بجراحات إنسانية بلا منتهى.. وهي تحمل طعنات في كل شخصية إنسانية من أطفال ونساء وشيوخ ورجال، ولها طعنات في الوجود الأسري العائلي وفي العلاقات القرابية وفي علاقات الجيرة، بالتحديد فيما اخترق تلك العلاقات من صراعات الضغوط والاحتقانات وتفجراتها وما أفضت إليه من انكسار قيمي شامل…

إن مطحنة الآلة الجهنمية للاستغلال وقواه العنفية المسلحة وغير المسلحة الميليشياوية والمافيوية أذلت الإنسان واستباحت وجوده بكل تفاصيله فكيف يمكن مجابهة تلك الأوضاع بإعادة قسرية؟ وهل ستمر تلك الإعادة القسرية بلا ثمن باهض سيقع حتما على الفئات الأضعف؟

ما مستوى الاستعباد والإذلال الذي ستفرضه تلك الآلة الجهنمية بعد أن استباحت كل ما لدى الإنسان العراقي؟ لكم أن تتخيلوا ولأولئك الذين وقعوا بفخاخ التحالفات مع قوى شاركت بالجريمة أن يبرروا لتحالفاتهم لكن تلك التبريرات والذرائع لن تكف عن النازحات وأطفالهن ذل الانتهاك والاغتصاب والاتجار الجنسي وغير الجنسي ولن توقف فظاعات المجرمين وما يرتكبون بل ستؤدي بعد انتخابات مفصلة لإعادتهم بصيغ قد تختلف شكلا لكنها ستعيد الجوهر ومطحنته لمزيد إذلال!!

المطلوب من الحركة الحقوقية أن تستند إلى أدوار أممية مؤثرة فاعلة وإلى تضحياتها وبرامجها الحقوقية المدافعة عن إنسانية الإنسان كي تتصدى لمخاطر نهج سياسي تبريري ذرائعي خطير ليس مؤداه سوى الطعنة النجلاء الأخيرة حيث إبادة جماعية ربما تشمل هذه المرة تجمعات كبيرة  وتتبدى في هول صدمة بلا حدود لآثارها…

 والقضية من بعد ومن قبل ليست خلافا بوجهات النظر وليست حصرا بصراعات سياسية في مجتمع مستقر ولكنها قضية تمس لا حقوق الناس وحرياتهم حسب بل تمس وجودهم وحيواتهم التي يقطفونها ببرود إجرامي بلا منتهى في هول ما يرتكبون…

فهلا تنبهنا إلى مسار يوجب على كل شريف أما النهوض بواجب دفاع حقوقي شرس أو التنحي عن الطريق لآخرين من دون مساهمة ومشاركة بخلط الأوراق وتزييفها وتزويرها لمآرب دنيئة ومطامع ومغانم قد تفع بحدود كراسي نيابية ولكنها لا تنهتي عند الحصول عليها بل عند بركة دم للضحايا ممن تم استغفالهم هذه المرة بالاتكاء على تاريخ مجيد ولكن بانحراف عن نهجه المبدئي وعن قيمه السامية..

حقوق الإنسان ليست لعبة بايدي ساسة من كل اتجاه وليست بضاعة للاتجار أو مادة ترمى بأكياس الزبالة حقوق الإنسان وجوده ومصيره وتحديدا تأمين حياته ضد أغوال الهلاك وضد وضعه في مطحنة الآلة الجهنمية..

لن ينافسكم أيها الساسة فقير أو امرأة نازحة أو طفل نازح ولا عاطل عن العمل او معتقل مغيب وراء القضبان بتهم تتاجر بالطائفية وأمراضها فابتعدوا على اقل تقدير عن تلك التجارة الرائجة في سوق نخاسة الطائفية وكل أجنحتها واتركوا الفقراء وآلامهم وجراحاتهم لا ينكأنّ احدكم إياها، اتركوهم يقارعون مصائرهم بلا مزيد عذابات وكفاكم نزاهة التاريخ لبعضكم وكفى اتجارا وتعذيبا وتقتيلا لأكثرية من قوى سياسية سادت وتسود بمنطق العنف وهمجية النهج الأخرق..

ألا كفى ولتتحرك الضمائر ولتنطلق الحركة الحقوقية قبل مزيد بشاعات وفظاعات… أقصدكم جميعا يا من ارتكبتم الجريمة وأسعى لقضاء عادل يحاكمكم ويفضح الجريمة والمجرم ويعيد الحق إلى أصحابه أهله ليوقف هول الآلة الجهنمية ومطحنتها البشعة…

لا مناشدة هنا لأحد بل مطالبة قوية تدعو لضمان حقوق العراقيات والعراقيين جميعا والحقوق والحريات لا تُستجدى ولا تُستعطى بل تؤخذ بفعل النضال وما ضاع حق وراءه مطالب ولكن في الميدان العراقي يخلطون الأوراق ويضيعون راس الشليلة على العراقية والعراقي ويتمترس حتى بعض التنويريين خلف بعض قيادات أضاعت الطريق والخيار، فيما الخيار الوحيد يكمن في وحدة القوى السليمة واستقلالية قوى التنوير العلمانية الديموقراطية..

احذروا نهج الطائفية وتستره وتقيته وألاعيب تضليله ومخادعاته؛ ألا إني قد نبهت، فليختر الأنقياء الطريق: طريق السلام والتقدم والتنوير بلا أضاليل.

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *