المثقف العراقي بين مطرقة (الخارج) وسندان (الداخل)؟

حول انعقاد مؤتمر لإعادة المثقفين العراقيين؟!  إلى أنظار مثقفينا والجهات الرسمية المعنية

 على وفق تقرير صحفي* ورد عن الوكيل الأقدم لوزارة الثقافة العراقية (السيد جابر الجابري) قوله: ” هناك حاجة لإعادة مثقفي العراق لبلادهم، بعد أن يتم تحقيق المصالحة بينهم وبين مثقفي الداخل “[وكأن المشكلة تكمن في مصالحة الخارج بالداخل بعد زعل]. وورد أيضا بشأن ما سماه مؤتمر المصالحة الثقافية بين مثقفي الخارج والداخل قوله”إن الوزارة انتهت من الإعداد لإقامة الأسبوع الثقافي للمصالحة الثقافية، الذي سيقام في دمشق خلال النصف الأول من الشهر الجاري، ستتم فيه دعوة جميع المثقفين العراقيين ومن كافة دول العالم، مؤكدا «سيكون لقاء مهما بين مثقفي الداخل والخارج، وسيعلن خلال اللقاء عن آليات جديدة لإعادتهــم، مثل تخصيص مبلغ 500 ألف دينار عراقي، أي ما يعادل 450 دولارا، لكل مثقف عائد وتنظيم رحلات مجانية لهم من البلدان الموجودين فيها للعراق، إضافة إلى تسهيل دخولهم من خلال التنسيق مع الجهات المعنية». “.

إنَّ أبرز ما يلفت النظر فيما أورده الخبر هو صياغته بطريقة تشير إلى تقرير مسبق لظاهرة الانقسام والتشظي بين خارج وداخل وإمعانه في قراءة الظاهرة ترسيخا لهذا الانشطار [المتوهم] من جهة وافتعالا لحال من التناقض والصراع والقطيعة بين طرفي (مثقفي الخارج ومثقفي الداخل) وهو ما يحتاج لوقفة مسؤولة كي لا يمر الأمر بلا مراجعة موضوعية متأنية لحقيقة هذا التقسيم من جهة ولصدقية تشخيص القطيعة والتناقض بين أطراف الثقافة العراقية؟

إنَّ الذي يتحدث عن خارج وداخل في الثقافة العراقية إنَّما يخلط أولا السياسي بالثقافي ويغلـِّبه عليه وثانيا لا يرى في المثقف والثقافة إلا ورقة أو لونا من ألوان التعبير عن التفكير السياسي البحت.. وهو لا يرى أيّ شكل لاستقلالية الثقافة وخطابها ولا لغناها وثراء خصوصيتها وهوية طبعت هذا الخطاب بقيمه الواضحة بعيدا عن هوس السياسي وخواء بعض توجهاته المتسمة بالتطبيل الإعلامي لجهة أو أخرى…

من هنا نجد من يتحدث عن خصام وقطيعة يتطلب تدخله لمصالحة طرفي  [الزعل] محصورا في توهمه الحديث عن الثقافي وهو في الحقيقة يتحدث عن شخوص بعينهم في خطابهم السياسي لا الثقافي ولا حتى المتمثل في إبداعاتهم الأدبية أو الجمالية ولسنا ضد هذا الشخص ونياته الطيبة أو غيرها بل مهمتنا ليست في التقاطع والتضاد ومبادلة أشكال التهجم أو تخطئة الآخر وإنَّما تنحصر مهمتنا هنا في محاولة إزالة  تشويه حقيقة الثقافة والمثقف العراقيين فقط…

إنَّ المصالحة مصطلح (في جوهر تداوله الراهن) سياسي مطلوب بحدود الخطاب السياسي نفسه وبحدود آلياته ومستهدفاته، وهي [أي المصالحة] رؤية موضوعية عندما توضع في ميدانها الصحيح وعندما تُفعَّل بدقة التشخيص؛ لتمثل علاجا لأزمة الانقسام التناقضي المتسبب في الاحتراب وفعل الخصام المرضي الذي لا ينعكس على المجتمع إلا بالآلام وأوصابها المعقدة… وبهذا يمكننا التعويل على دقة العبارة التي تقول: إنَّ التشخيص أساس العلاج. ولما كان التشخيص الذي نحن بصدده يخلط بين طبيعتي خطابين مستقلين عن بعضهما بعضا هما السياسي والثقافي ولما كان التشخيص يأتي بعلاج مرض لمشكلة في ميدان غير الميدان المقصود بمثل هذا العلاج.. فإنَّه من الدقة ألا نقبل بحديث المصالحة يمحتواها السياسي في أجواء الثقافي وطبيعته وهويته…

وقد أخطأ القول شكلا ومضمونا ذلك الذي تحدث عن “مصالحة ثقافية بالمعنى السياسي” وكأنَّ العراق ضيعة لأفكار يتم تفصيلها في ذهن يمتلئ بأوهام من نمط أيام زمان ومقاساته وما يقوله الطاغية أو أي نفر من أزلامه يخضع له الجميع ولتوصيفاته.. واليوم صار لنا تفصيل من نمط الصولات والجولات حيث لكل محافظة صولتها ومن نمط الصحوات حيث لكل منطقة (صحوتها) الخاصة ومن نمط المصالحات حيث مصالحة سياسية فواحدة عشائرية وثانية طائفية [بين طوائف الدين الواحد] وثالثة دينية [بين الأديان المختلفة] وخامسة وسادسة وهذه قد تكون سابعتها؛ لابد أن تكون هذه المرة والعهدة على الراوي [مصالحة ثقافية]!!

فإذا كان القصد إعادة بعض من موظفي أجهزة إعلام النظام السابق [ولن نقف سلبيا حتى من طباليه] فالأمر لا يمكن أن يندرج في مسمى مصالحة ثقافية. ولكنه يمكن أن يبقى في حدود خطاب سياسي يتحدث عن دعوة أولئك في إطار خطاب التسامح والعفو العام أو في إطار عملية مصالحة سياسية شاملة تتضمن فئات مختلفة، من تلك الفئات أولئك الذين أشرنا إليهم هنا… وفي هذا الموضع لا يمكن الحديث عن قطيعة بين خارج وداخل تعالجه مصالحة ثقافية بين الطرفين. لأنَّ الثقافة العراقية حافظت على نسيجها الواحد وطبيعتها وجوهرها على الرغم من ظروف الشتات والمنافي والمهاجر…

وحقيقة الثقافة العراقية والمثقف العراقي لم تنقسم تناحريا أو تناقضيا بين خارج وداخل في يوم من الأيام. حتى في زمن الطاغية ونظامه الدكتاتوري بقي المثقف العراقي يغترف من منهله الذي حمله معه بوصفه الأساس الذي تكونت ثقافته منه.. فالثقافة ليست معلومات معرفية (رياضية مجردة) بحتة ولا هي إبداعات أدبية شعرية أو قصصية أو روائية صرفة ولا هي أفكار مجملة هلامية ولكنها مجموعة قيم معرفية اجتماعية تتضمن تقاليد الناس وسلوكياتها ولا أظن أنَّ مثقفا عراقيا قد استبدل قيمه تلك كما يستبدل قميصه؛ لنقول عنه إنه قد تغير وانشطر منفصلا عن زميله مثقف الداخل، فوجب لإدارة حكومية [كوزارة الثقافة وموظفيها مثلا] أن تصالحهما بهذه الطروحات السياسية الساذجة…

إنَّ الثقافة ** تعني زراعة القيم الأفضل بالتعارض مع ترك العفوية الفطرية والعشوائية الطبيعية والاعتباطية في طرائق  العيش. وهي الإرث التراكمي مثلما هي القيم الأخلاقية والأعراف والمعتقدات ومن ثمّ هي السمة الجوهرية لوحدة أسلوب الحياة والسلوك الإنساني الجمعي المؤنسن لجماعة بشرية بعينها.. وليقل لي بعد ذلك أي طرف كيف له أن يقسِّم الثقافة العراقية تناحريا بين ثقافة الداخل وثقافة الخارج وفي ضوء ذلك مثقف الداخل ومثقف الخارج؟ هل يمكن تقسيم الإرث العراقي ثقافيا بين هذين القسمين لما يحيل للخصام والتناقض؟ هل أخذ مثقف الداخل إرثا سومريا بابليا كلدانيا آشوريا إسلاميا أو مسيحيا أو مندائيا غير ما أخذه مثقف الخارج؟؟ أليست الثقافة تعارضا مع العشوائية وإعادة تنظيم وأساسا لوحدة الأسلوب الحياتي للهوية الوطنية للثقافة العراقية..؟ وإذا كان هذا هو جوهر الثقافة والمثقف فمن أين جيئ بالانقسام وأكثر من ذلك من اين جيئ بالتعارض والخصام في وسط الثقافة بما يتطلب مصالحة (ثقافية)…؟؟!

الأمر لا يعدو عن فرض أسس خطاب على آخر؛ أي فلسفة الخطاب السياسي وآلياته على الخطاب الثقافي بما يخرّب الثاني ويشوّه طبيعته وهويته بهذا الفرض القسري.. ويعطل دوره الوظيفي الحقيقي سواء كان جغرافيا، في الداخل أم في الخارج… إذ أنَّ الهوية تظل واحدة من جهة الإرث الثقافي بجذوره التاريخية وتظل الثقافة واحدة في تمثيلها المعاصر لتجسّدها الوطني وفي القيم المشتركة أعرافا وطقوسا وتقاليدا.. وأيّ افتعال لتمزيق أو تشظية المشهد الثقافي الوطني هو تأسيس خاطئ لا ينتهي إلا إلى خطيئة بل جريمة بحق الثقافة والمثقف وطنيا وإنسانيا… فالمثقف لا ينطوي على حمل السمة الوطنية الواحدة حسب بل على الجوهر الإنساني بقواسمه المشتركة الموحدة التي تمثل التآلف والتآخي بطبيعة الثقافة ومكنون خطابها ومستهدفاته…

من هنا يمكننا اختصار طريق هذه المعالجة لنقول: إنَّ مضمون الخبر وأسلوب صياغته لا ينمّان إلا عن خطيئة التقسيم القائمة على فرض آليات الخطاب السياسي واستباحة ميدان الثقافة والمثقفين بكل خطايا (السياسي) وثغراته الراهنة بخاصة منها ظواهر التشرذم والانقسامات والصراعات بألوانِ أسُسِها المدّعاة من طائفية ودينية وعرقية قومية وغيرها.. وفي مسيرة الصراع لمكسب أو آخر، يزعم كل طرف أنه يستهدف توحيد الصفوف وتخليصها من الانقسام والفرقة والتشرذم مفترضا أن المعركة تجري بين مكونات الشعب وثقافته التي يتوهم انشطارها التناقضي المحتدم حربا على جبهات منها كما يروي إعلام القوى السياسية الحاكمة اليوم جبهة الداخل \ الخارج!!

إن الثقافة العراقية وحاملي راياتها المشرقة ما زالت غنية معطاء وعصية على الانهزام أمام لغة تسطيحها واستلابها طبيعتها الوطنية الإنسانية ولطالما هُزِم العراق (وادي الرافدين وحضارته السومرية) عسكريا ولكنه دوما كان ينتصر ثقافيا ويطوِّع غزاته ومن يتحكم فيه سياسيا.. وتلك عبارة وجدناها على اللوح المخطوط بلغة التراث الإنساني (السومرية) الأولى. وستنتصر الثقافة العراقية اليوم وتخرج شامخة كالعنقاء والجبل وشموخ النخلة ضاربة الجذور. وانتصار الثقافة العراقية والمثقف العراقي اليوم يكمن في رفض أداء السياسي ومحاولاته إدخال أمراض خطابه بل والعمل على تعديل المسار الوطني العام ومعالجته من أمراضه بمقدار مسؤولية الثقافي عن اي وجه من إشكاليات حاضرنا…

وانتصار الثقافة العراقية يتمثل أيضا في قوة أداء المثقف واستقلالية خطابه وآليات اشتغاله ومن ثمَّ في عطائه المميز المتقدم الذي ما زال يُعلي من قوة الوحدة الوطنية هوية عراقية راسخة لا تشرذمها أية مخططات وأحابيل… وعطاء المثقف العراقي يمكنه أن يصب الماء في بساتين الوطن لا يوقفه عن ذلك وجوده جغرافيا داخل الوطن أم خارجه.. فقيم الثقافة وفعلها لا تحده حدود الجغرافيا وهذه لا تمنعه أو تقطع أوصاله.

إنَّ التشويه الذي يأتي للثقافة كونها قيما روحية ومادية هو من بوابة فرض آليات خطابات أخرى لأسباب خارجة عن أهداف الثقافة وطبيعة خطابها كما في تسطيحها وتحويلها لبوق إعلامي دعائي بحت مثلما حصل بالأمس غير البعيد عندما تحكَّم الطاغية بالحياة العامة.. حيث فرض قسرا: أما هذا التسطيح وقبول مفاهيمه المرضية أو التصفية أو التهجير القسري. وقد نجا كثير من مثقفينا ومنتجهم عندما اضطروا لاتخاذ البلدان القصية موئلا ليواصلوا عطاءهم من هناك حتى تتوافر الظروف المناسبة كيما يقرروا العودة إلى موئل جذورهم وسبب عطائهم الدائم المستمر…

إن من بعض مفردات الثقافة وخطابها يتمثل في الإبداع الفلسفي الجمالي الأدبي منه والفني ولمثل هذا الإبداع شروطه ومحدداته من جهة امتلاك الحرية والاستقرار الأمني بل الحياتي بكل تفاصيله.. فهل توافرت هذي المحددات والشروط في داخل الوطن؟ إذن لماذا تستمر حملات التصفية الدموية لمئات من العلماء والأساتذة والمهندسين والأطباء والاختصاصيين من التكنوقراط العراقي ومن المثقفين والكتّاب والصحفيين والفنانين؟ هل يصح في ظرف عدم تطمين أبسط شروط الاستقرار ممثلة في الأمن والأمان أن تدعو جهة لإعادة عناصر الثقافة العراقية؟ أم هي مطاردة جديدة ومحاصرة تستهدف القضاء على من نجا وتقديمه لمذبح الصراعات السياسية المرضية الجارية…؟

هل من الصائب، استعجال إعادة آلاف من هؤلاء حتى لو توافرت أوليات تطمين أمنهم الشخصي ومن دون خطة جدية مسؤولة لتوظيفهم ومنع التبطل والتعطل المستشري اليوم في وسط خيرة أبناء شعبنا والنخبة العلمية والأدبية الثقافية منهم؟ ألا تشكل البطالة وعدم توفير فرص العمل المنتج للمبدعين جريمة مبيتة للقتل والتصفية؟ فإذا كانت النية صادقة وطنية وإنسانية مخلصة : ألا توجد حلول بديلة مناسبة يمكنها أن تحافظ على هذه الطاقات من جهة وتجيِّر أنشطتها لصالح الوطن عبر خطط مرسومة موضوعيا وبمنطق عقلي قويم ينتمي لخطاب الثقافة ويخدمه حقا؟

لقد طالب المثقفون العراقيون ..الأكاديميون منهم والمبدعون من أدباء وفنانين بحق الرعاية المادية والمعنوية ولكنهم واجهوا الرفض والازدراء وسوء المعاملة من (مسؤولين) في حكومات السنوات الخمس الأخيرة مثلما السابقين.. وتـُرك أعلام كبار أما لفرص رعاية من جهات ودول أخرى أو للتصفية الصامتة وإنهاء وجودهم وعطائهم.. فلماذا لا يجري العودة إليهم ولقرارات مؤتمراتهم الثقافية ومطالبهم وما رسموه من خطط ومعالجات؟

المثقفون العراقيون.. ليسوا بحاجة لفتات مادي رخيص بمستوى يهبط باستراتيجية عودتهم اإلى مجرد مؤتمر يتصيد أسماء بعينها ويحتفي بأسبوع [ثقافي!] يقول الخبر إياه أو بلاغ وزارة [الثقافة] أنه “سيتضمن إقامة معرض للكتاب وعرض مسرحية وفلم وثائقي ومعرض للرسم والصور الفوتوغرافية وتقديم عروض للفنون الشعبية وعرض للأزياء و… ويا حيف ويا رخص الرخص كما يقول أهلنا في مثل هذه الأحوال؟!!!!

إنَّ تسويق حملة بعض المسؤولين في الحكومة الحالية القائمة على تصريحات ولقاءات سياسية واتفاقات يتم عقدها اليوم مع عدد من بلدان استقبلت العراقيين بالملايين والآلاف هو إضرار بالعراقيين داخل الوطن وخارجه. نظرا لأنه يقوم على أسس غير مدروسة وفيه من التعجل ما يوقع العراق في أزمات فوق تلك الموجودة.. إذ لا استعدادات حقيقية في سوق العمل ولا عجلة الاقتصاد العراقي يمكنها أن تستقبل كل هذه الملايين كما أن الوضع الأمني ذاته لم يطمن الاستقرار وهو على شفا هاوية إن لم تتم عملية تطويره بإدامة العملية السياسية وتطويرها أو دفعها لمراحل جديدة.. وإذا كان الأمر كذلك مع جمهور العراقيين المهجرين قسرا فما بالك مع النخبة العراقية من مثقفيه ومفكريه وعلمائه؟؟

أم أن أي مسؤول ممن يتصدى لهذه الدعوة يريد تكرار وضع أمثال العالم العراقي الذي كان يعمل في وكالة ناسا ووضعه نظام القمع والدكتاتورية في حينها في مزرعة للدواجن.. ولا عجب؟

إنَّ قضية عودة النخبة العراقية من تكنوقراط وعلماء وأساتذة وأدباء وكتّاب ومفكرين وفنانين بحاجة لصياغة استراتيجية مناسبة في إطار خطة شاملة في الوضع العراقي بعامة. وهذا يعتمد على دعم نزيه مستقل لقوى الثقافة العراقية كافة لكي تعقد مؤتمراتها وتنسق جهودها وتوحّدها.. كما يقتضي الأمر القبول بقرارات المثقفين العراقيين ومجالس وتجمعات التكنوقراط ووضعها موضع التنفيذ وبميزانيات حقيقية.. وبخلاف ذلك فإن الحديث عن مؤتمر لمثقفي (الخارج) كافة ينعقد في دمشق هو قطعا خديعة ستوقع ضحايا في ميدان الثقافة والمثقفين…

فالمؤتمر لا يمكنه أن ينعقد في مدينة لا يستطيع الوصول إليها كثير من مثقفينا لأسباب تتعلق بتأمين حيواتهم وما زال الدكتور الدجيلي لم يظهر وهو الذي اختفى في تلك المدينة ولم يعد له من أثر.. وهذا الأمر يعني حاجة واقع الحال لعقد مؤتمرات متعددة لا مؤتمر واحد بسبب من الانتشار الجغرافي وبسبب من الموانع السالف ذكرها.. أي تطمين أمن المثقف وحياته.. وفي الحقيقة إذا كانت الوزارة لا يعنيها أمنه هنا فكيف سيعنيها أمنه في داخل الوطن؟ وماذا وفرت له غير حفنة دولارات [ما يعادل 450 دولارا!!!]  تقول إنها ستمحنها له عند العودة باتجاه المجهول الذي تجمّله في تصريحاتها واتفاقاتها؟!

أيها السادة القضية ليست عودة مثقف أو تكنوقراط أو متخصص أو مبدع وهي ليست مصالحة مثقف مع زميله داخل الوطن أو خارجه وهي ليست كما يتوهم موظف حكومي ويعتقد بأنها قضية أمر إداري ينفذه بصرف مبلغ بخس ثمنا لتقديم مبدع قربانا وأضحية لمسؤول سياسي وخطته [العصماء] لتوجيه العملية السياسية.. القضية قضية استراتيج يعود فيه المسؤولون إلى العقل العراقي في داخل الوطن وخارجه وإلى ما يقدمه قادة هذا العقل العراقي من رؤى ومعالجات عبر الشروع الجدي المؤسس على منطق سليم في متابعة خطى متصلة مستمرة في العمل لإعادة بناء الحياة العراقة سليمة صحيحة ووضعها في خدمة أهلها…

ويمكننا بعد ذلك وبلا إطالة أن نسأل الجهة التي أدلت بالتصريحات ووضعت مثل هذه التصورات وصاغت مصطلحات المصالحة الثقافية وخطة إعادة المثقفين ولملمتهم (جميعا) في مؤتمر دمشق: من سألت في خطتها من منظمات الثقافة؟ وإلى من عادت من المثقفين والعلماء والأساتذة والمبدعين من أدباء وكتّاب وفنانين؟ ولماذا لم تراجع الدراسات والمشروعات المقدمة من البرلمانات والمنظمات والروابط الثقافية والأكاديمية الموجودة بالفعل؟ وأسئلة ستتصل لتشير إجاباتها إلى خطل وإلى مخاطر مثل هذه التوجهات ولكنها على أية حال محاولات سياسية في مسلسل التحكم والفرض والقسر على شؤون الحياة وخطاباتها وهو ما لا يمكن أن ينجح مع خطاب الثقافة والمثقفين.. اللهم إلا إذا جرت مراجعة الأمور بالعودة إلى أصحاب الشأن ومنطقهم ورؤيتهم ومشروعهم الثقافي بحق…

وإشارة أخيرة: أمل بألا تكون وزارة الثقافة أداة إدارية لتنفيذ مشروعات الساسة في وسط النخبة وأن تتم مراجعة مشروعات منظمات الثقافة والتوجه لدعم جدي لها ولوضعها موضع التنفيذ بدل إعادة فلسفة النظام المهزوم وخطابه الدعائي [ولو بغير قصد] على حساب عمق الثقافة وميادينها الحقيقية… وبورك في كل خطوة إيجابية بناءة بالخصوص ونحن أولا وآخرا لا نجد في معالجتنا هذه أي تقاطع مع شخص أو شخصية أو مسؤول أو جهة بقدر ما نحاول أن ندلي برأي لوضع الأمور في نصابها..

وفي الإطار هذه دعوة لجميع مثقفينا ليقولوا كلماتهم بالخصوص… وبالتأكيد سيكون لمنظمات الثقافة مواقفها التي ننتظر سماعها قريبا مثلما نثق بأن وزارة الثقافة فيها من المخلصين الذين سيضعون أيديهم بأيدي جميع مثقفينا بطريقة ناجعة مفيدة صحيحة وصحية تعود بالخير على عراقنا وعلى ثقافتنا الوطنية ويتخلص المثقف العراقي من زمن مطرقة الخارج وسندان الداخل ليستقر منشغلا بعطائه الإبداعي فقط لا غير، مزيلا بشكل حاسم عقبات كفاف العيش وعلل الأمراض البدنية والضغوط النفسية والاجتماعية وغيرها نهائيا وإلى الأبد..

 

*نص الخبر

العراق يطلق مصالحة ثقافية ويسعى لإعادة مثقفي العراق من الخارج

04/08/2008

بغداد: نصير العلي :ارجع الكثير من المراقبين للشأن العراقي مسألة تحسن الأوضاع الأمنية إلى نجاح مشروع المصالحة الوطنية، الذي تبنته الحكومة بالتنسيق مع جهات عديدة، من أهمها العشائر العراقية ورجال الدين، وهذا ما شجع جهات أخرى على المطالبة بمصالحات أخرى، كان آخرها تلك التي أطلقتها وزارة الثقافة أخيرا وهي «المصالحة الثقافية»، بعد أن انتبهت إلى أن أكثر من 60% من مثقفي العراق يعيشون في الغربة. وبحسب الوكيل الأقدم لوزارة الثقافة العراقية جابر الجابري، فان هناك حاجة لإعادة مثقفي العراق لبلادهم، بعد أن يتم تحقيق المصالحة بينهم وبين مثقفي الداخل. وأكد الجابري لـ«الشرق الأوسط»، أن آخر الاحصائيات المتوفرة لدى وزارته تؤكد وجود ما يقرب الـ60% من شريحة المثقفين العراقيين في الخارج ويمثلون نخبة الشعراء والرسامين والمسرحيين والممثلين والأكاديميين والكتاب والصحافيين ومن مختلف أنواع الثقافات الأخرى، وان اغلبهم غادر العراق بعد عام 2003 وتوزعوا بين مختلف الدول، وخاصة أوروبا وسورية والأردن، وأضاف «خلال عودتي من صربيا التقيت بعدد منهم واغلبهم أبدى رغبته بالعودة للعراق، وهذا ما شجعني على إطلاق مشروع جديد يمهد لهذا الأمر». وبين الجابري أن الوزارة انتهت من الإعداد لإقامة الأسبوع الثقافي للمصالحة الثقافية، الذي سيقام في دمشق خلال النصف الأول من الشهر الجاري، ستتم فيه دعوة جميع المثقفين العراقيين ومن كافة دول العالم، مؤكدا «سيكون لقاء مهما بين مثقفي الداخل والخارج، وسيعلن خلال اللقاء عن آليات جديدة لإعادتهــم، مثل تخصيص مبلغ 500 ألف دينار عراقي، أي ما يعادل 450 دولارا، لكل مثقف عائد وتنظيم رحلات مجانية لهم من البلدان الموجودين فيها للعراق، إضافة إلى تسهيل دخولهم من خلال التنسيق مع الجهات المعنية». وأكد مصدر مخول في وزارة الثقافة لـ«الشرق الأوسط»، أن الوزارة وجهت دعوات لجميع المثقفين، بغض النظر عن توجهاتهم السابقة أو الحالية، لان الهدف وحسب المصدر هو «الثقافة وليس شيئا آخر، ولهذا ستحضر للأسبوع الثقافي شخصيات معروفة من أبرزها الشاعر العراقي الكبير عبد الرزاق عبد الواحد، وسيكون من بين المدعوين للعودة لبلده لان العراق هو بلد الجميع وشريحة المثقفين تختلف عن بقية الشرائح، فهي الأقدر والأقرب على نسيان الماضي والبدء من جديد في عراق جديد تسوده المحبة». من جهته، قال جهاد زاير، المسؤول في دائرة السينما والمسرح العراقي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسبوع الثقافي العراقي في سورية كان المقرر له أن يبدأ الأسبوع القادم، لكن جملة من الأمور ساهمت في تأجيله لمنتصــف الشهر، منها تزامنه مع فعاليات أخرى ستقام في دمشق، منها إعلان دمشق عاصمة للثقافة العربية لهذا العام، ومهرجان الحبوبي في العراق. مضيفا ان تســلم وزير الثقافة العراقي الجديد لمهامه هذا الأسبوع كان ايضا وراء تأجيل الموعد. وأضاف زاير، أن الأسبوع سيتضمن إقامة معرض للكتاب وعرض مسرحية وفلم وثائقي ومعرض للرسم والصور الفوتوغرافية وتقديم عروض للفنون الشعبية وعرض للأزياء وغيرها، مضيفا ان الاسبوع الثقافي سيكون «أشبه بالفعاليات المشجعة على إعادة المثقف للعراق، والاهم من ذلك ستعقد ندوات نشرح من خلالها الوضع العراقي الحــالي، وكيفية تحوله من وضع خطر إلى آمن، وان الحياة عادت لسابق عهدها وليس هناك داع للتخوف من العودة». وبين زاير أن «وضع القطاع الفني في العراق اختلف تماما عن الأعوام القليلة الماضية، فهناك فرص فنية ضخمة جدا أمام الفنانين، وهناك دعم تقدمه الوزارة للمثقف في مختلف تخصصاته، وسيصار الى تقديم رواتب للمثقفين والفنانين لتحسين واقعهم الاقتصادي والمعيشي، وان فرص العيش داخل العراق أصبحت أفضل بكثير من الخارج». وكشف زاير عن قيام دائرة السينما والمشرح أخيرا بتوقيع اتفاقية عمل مع شبكة الاعلام العراقي والمتمثلة بقناة العراقية الفضائية، يقضي بان تمول الأخيرة أعمالا فنية على أن تكون دائرة السينما والمسرح المنتج المنفذ لها، وأضاف، «قريبا سيعلن عن البدء بإنتاج أعمال درامية وتلفزيونية ومسرحيات وأفلام قصيرة وغيرها، وهناك مذكرات تفاهم أخرى ستوقع مع فضائيات أخرى سيعلن عنها قريبا وبذات الاتجاه وجميعها تصب في مصلحة الفن العراقي وتقدمه والعودة بقوة للساحة الفنية العربية والعالمية، وأيضا هي فرص متاحة أمام الفنانين والمسرحيين للعمل داخل بلدهم وتحسين مستواهم المعيشي».

الاثنيـن 02 شعبـان 1429 هـ 4 اغسطس 2008 العدد 10842

جريدة الشرق الاوسط

 

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *