الحرب والسلام وأمن الشعوب واستقرار البلدان

ما دور المواطن في تغيير موقع البلاد بمؤشر السلام العالمي؟

صدر مؤشر السلام العالمي لعام 2015؛ وهو المؤشر الذي يصنف تسلسل الدول عالميا في ضوء مقياس يقرأ درجة تمتع البلاد بالسلم والأمن الداخلي والاستقرار في ضوء معدلات الإنفاق العسكري نسبة إلى إجمالي الناتج المحلي وحالات عسكرة المجتمع من مثل انتشار الميليشيات وسطوتها ودرجة انتشار الخوف والقلق من تهديدات عنفية، فضلا عن  مقدار خلو البلد من النزاعات والجرائم ومعدلات القتل والانتحار وحال انتشار الإرهاب والحروب. ..

وقد أدرج المؤشر قائمة بـ162 بلداً، كانت البلدان الأوروبية بين قائمة أول 30 دولة عالميا فيه. فقد جاءت آيسلندا في المرتبة الأولى بين بلدان العالم، حيث تمثل أكثرها تمتعا بالسلام، تلتها حسب التسلسل: الدنمارك، النمسا، نيوزيلندا، سويسرا وأوروبياً تراجع موقع فرنسا بسبب هجمات شارلي إيبدو، بعكس اليونان التي شهدت ارتفاعا في التصنيف بـ (22)  درجة على الرغم من التدهور الاقتصادي والأزمات التي تمر بها..

فيما قبعت مجدداً دول تتسم بالفوضى والانفلات الأمني وبالأعمال الإرهابية والحروب الميليشياوية في ذيل تلك القائمة. فقد احتلت سوريا المرتبة 162 فيما احتل العراق المرتبة 161 بفارق درجة واحدة عن ذيل القائمة..

وفي وقت تم إنفاق ما مقداره 13% من الناتج القومي العالمي على الحروب كانت دول مثل سوريا والعراق تنفق أضعاف هذه النسب عليها لتطيح بالأوضاع المعيشية لمواطنيها بشكل أكثر تراجيدية وتتفاقم مشكلات البطالة والفقر فوق ما هي عليه بسبب تعطل الدورة الاقتصادية من جهة والتفرغ لظواهر العسكرة ومعالجة الواقع الأمني المضطرب!

لقد استطاعت حوالي إحدى وثمانين دولة تحسين ترتيبها لكن رقما قريبا من هذا دفع بـ 78 دولة للتراجع في المؤشر.

الأخطر في معطيات المؤشر العالمي للسلام يتجسد في تنامي الميزانيات العسكرية في العراق وتفاقم الانفلات الأمني وشموله ميادين جديدة فيه مع تصاعد نجم الميليشيات ودخولها في نسيج البنى المؤسسية التي توجه الحدثين الأمني والمعيشي في العراق! وتؤثر أكثر فأكثر في القرارات الحكومية العليا…

كما أن مزيدا من الضحايا يسقطون يوميا ليس بفعل جرائم الإبادة وجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها قوى الإرهاب الميليشياوية حسب بل بسبب فتك الأمراض والأوبئة والتلوث البيئي وبسبب تفاقم حالات اليأس والاحباط ومن ثمّ الإقدام على الانتحار وأيضا ما سجلته ظواهر القتل لأسباب اجتماعية كالثأر والانتقام وكما جرائم تُسمى غسل العار التي يجري التستر عليها من بعض الأطراف المجتمعية والرسمية بحجج بعضهايُنسب إلى القانون والتحايل عليه.

وفي ضوء التدهور الاقتصادي واتساع ظاهرة الفقر أفقيا وعموديا وتعمق أزمة البطالة صار القلق أكثر حدة وتحول إلى درجة من الخوف والهلع بشكلهما المرضي.

إن قضية السلام ليست حصرا بالعلاقات بين الدول واستخدامها العنف فيها من عدمه ولكنها اليوم باتت تُقرأ بمعايير أشمل وأكثر عمقا في المجتمعات.. ولهذا السبب فإن قضية السلام تمس أول ما تمس في المجتمع النساء والأطفال بوصفهما القرابين الأولى للعنف الهمجي بكل وحشيته وعدوانيته وتمس المواطنين جميعا على وفق درجة فاعليتهم وإيجابيتهم أو تنحيهم وسلبيتهم… الأمر الذي يتطلب وعيا وتنويرا عندهم جميعا وكافة للمشاركة بفاعلية أكبر بمهام التصدي للحروب والصراعات والنزاعات ومحاولة إشاعة الأمن والاستقرار والسلام…

إنّ ظاهرة وقوع العراق في التسلسل الأسوأ بين المؤشرات التي تشير إلى البلدان الأكثر فشلا والأكثر فسادا والأكثر عنفا والأكثر جريمة والأكثر فقرا والأكثر تعاسة والأقل سلاما والأقل أمنا والأقل سعادة والأقل نزاهة والأقل إيجابية، إن ذلك يجب أن يجعل العراقيين أمام مراجعة نوعية جوهرية لأدائهم ومواقفهم تجاه أنفسهم ليكون أكثر إيجابية وفاعلية في تغيير المشهد..

ولقراءة الأمر بوضوح فعلي عملي لنرصد نموالأزمات التي تطحن اليونانيين وهم لا يملكون ثروة كالتي يملكها العراق وطناً، فيما يتقدمون بمقاييس ومؤشرات الإيجاب ويمكن رصد نماذج أخرى وقراءتها وهي بالعشرات جميعها أن وعي المواطن وثقافته وتفتحه وعدم إيكال مصيره وقراره لزعامات الطائفية السياسية ومرجعية منطق الخرافة هو أول التغيير ليكون مواطنا يصنع وجوده ليستحق الحياة الحرة الكريمة.. أما إذا بقي يضع صوته في خانة أو أخرى بسلبية، كما يجري أحيانا من بعض المواطنين في العراق، فإنّ تلك السلبية تجعله عرضة لأبشع أشكال الاستغلال وتحيل المواطن إلى مجرد أضحية وقربان لمصالح أو مآرب الفاسدين وإرهابهم الفكري السياسي العقيدي والعنفي الدموي التصفوي..

فهلا تفكرنا بهذه المؤشرات التي تشتغل بمنطق العقل العلمي وهلا استفدنا من دلالاتها ومعانيها وغيَّرْنا ما بأنفسنا كي نغيّر بيئتنا ونبنيها لخدمة مطالبنا وحقوقنا وحرياتنا؟

الإجابة عند كل مواطنة ومواطن

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *