كيف يُضيع الطائفي حقوق أتباع الديانات والمذاهب؟ وما آليات ارتكاب جرائمه؟

ساد في العقدين الأخيرين خطاب سياسي يرتكز على إثارة الانقسام المجتمعي بما يتعارض وبنية المجتمع وطابع الصراع الأساس فيه. إن تفاصيل حياة المواطن تبقى بشكل جوهري مرتبطة بحقوقه وحرياته وبآليات عيشه بتنوع حاجاته المادية والروحية. ومن العسير واللامنطقي أن يتمَّ فرض انشغال الإنسان بعالم ما بعد الموت وأن ينسى عالمه ويضعه على الرف بانتظار وفاته.. فحتى الخطاب الديني الصحيح لم ينسَ أن يؤكد في وصاياه: “أنْ: اعملْ لدنياك كأنَّكَ تعيشُ أبدا” و “عاملٌ يعمل خيرٌ من ألفِ عابد” حيث العمل عبادة واجبة قبل الأمور التعبدية الطقسية..

وعليه، فإنَّ الخطاب الديني واضح في رعايته الإنسان وتوصيته بأنْ يتجه إلى استثمار عقله ليعمّر الأرض التي يحيا عليها ولينتج ثمار عيشه ولينشغل بحياته بعمل صحيح، فيما ربَط الخطابُ الديني قضاياه الطقسية التعبدية بالعلاقة بين الفرد وربه؛ ورفض الوساطة في تلك العلاقة بينهما، مثلما رفض تقديم الطقسي في تلك العلاقة على المدني بكل محاوره. ولطالما أثبتت الشواهد تقديم حياة الإنسان وظرفه على كل الأمور الطقسية تعبدياً وجاءت المذاهب بوصفها اجتهادات، لا تقسِّم أتباع الدين تناحريا بل لتحلّ مسائل الدين بتصورات هي اجتهادات يختار جميع أتباع الدين أياً منها في سلوكٍ أو عملٍ أو ممارسة..

لكن بخلاف ذلك، نجد أنَّ الطائفيَّ يهمُه أولا إلغاء حقيقة أنّ المذهب اجتهاد (لتسهيل) ممارسةٍ أو عمل أو حل إشكالية، ليضع حدوداً تفصل بين أتباع المذاهب وتتحول إلى متاريس يترصدون من ورائها لأتباع المذاهب الأخرى.. والأمر هنا لن يقف عند اجتهاد في أمر طقسي بل يدفعون به ليمتد نحو أمور الحياة  وتفاصيل العيش الإنساني مما لا فاصل فيها بين إنسان وآخر..

إنَّ اختلاق وصفات جاهزة لطبع أتباع كلّ مذهبٍ بسمات وألوان وتوصيفات تنفصل وتتميز فيما بينها وتعزل بين خندقين وتضعهما في تمترس متناقضٍ مصطرع، إنّ ذلك هو أسّ خطاب الطائفي.. ولكن من هو الطائفي؟ هل بالفعل هو رجل دين؟ هل ينتمي الطائفي للمذهبي؟ ومن ثمّ هل ينتمي للديني في جوهر خطابه؟

وللإجابة علينا أنْ نتذكر أنّه، أي الطائفي، في حقيقته ينشغل بالدنيوي وبحراك الإنسان وعلاقاته اليومية، إنه رجل تجارة مافيوي أو رجل السياسة القذرة، ومن ثمّ فإنّ ما يشغله هو التبرير لكل ما يخدم فلسفته ومستهدفاته الدنيوية الدنيئة وما يستغله هنا هو اللعب على مناطق الجهل في الخطاب الديني المذهبي من جهة وفي الطيبة المرافقة لبساطة الناس بخاصة منهم الأغلبية ممن جرى إشاعة الأمية بينهم، تحديداً هنا الأمية غير الأبجدية، الأمية المتعلقة بالثقافة والمعرفة وبخطاب التمدن ووعي وجود الإنسان وقوانين التحكم به من طرف النظام العام..

وبالعودة إلى المواطن \ الإنسان، الفرد والمجموعة نرصدُ حقوقه المادية والروحية وهي حقوق تتعلق بطابع عيشه المدني المعاصر. ونرصد العلاقات الاجتماعية بالمعنى الأوسع للمصطلح حيث القوانين الاقتصاسياسية تتحكم بالطبقات والفئات والأفراد.

فمن يُهمل أو يعتني بالصناعة والزراعة وبعجلة إنتاج الخيرات؟ ومن يُهمل أو يعتني بالخدمات العامة والخاصة، الأساس والتفصيلية، من ماء وكهرباء وسكن وبيئة وصحة وتعليم وغيرها؟ أليست الحكومة وبرامجها التي تستند للعلوم والتخصصات واشتغال التكنوقراط؟ ما علاقة تحريك المصانع وتشغيلها وتحديثها برجل الدين؟ ما علاقة مهندسي الصرف الصحي وتوفير مياه الشرب بالعمامة وبالجلباب؟ وما علاقة كري الأنهار واستصلاح الأراضي بالفتاوى والمقولات الدينية و\أو المذهبية؟ وكيف ستنقسم مهام البناء وإعادة الإعمار وإشادة المباني وشق الطرقات واستحداث المواصلات والاتصالات والاهتمام بالبيئة كيف ستنقسم هذه الأمور الهندسية، الصناعية، الزراعية، التجارية، وغيرها من تخصصات ومعارف وعلوم بين رأي رجل الدين من هذا المذهب أو ذاك؟؟

هل يوجد صرف صحي يتبع المذهب سين وآخر يتبع المذهب شين!؟ هل يوجد طريق لأتباع هذا المذهب أو ذاك!؟ هل يوجد طبيب أمراض باطني أو أسنان أو جراحة سني أو شيعي!؟

اسئلة بلا نهاية بقدر تفاصيل حياتنا اليومية، سيجيب عنها المرء بسخرية ونباهة.. لكن الطائفي، ليس رجل الدين من أي مذهب فرجل الدين الحقيقي سيتحدث بما أشرنا إليه في ديباجة معالجتنا وهو يحيا مع الناس يعمل وينتج ويبني علاقاته بسمات إنسانية بحتة لا رهبنة ولا انقطاع عن الحياة بينما الطائي الذي نفينا أن يكون رجل دين حقيقي هو السياسي المتاجر بكل شيء بضمنه الاتجار بالدين واستغلاله لمآربه ودناءاته.. وبهذا فالطائفي سيوجه انتباه أتباعه إلى أمور أخرى غير الواقع وغير المعاناة التي يحيونها وغير التطلعات التي يريدونها، سيوجه أنظار الناس بأسئلته نحو مشاغلات تلهيهم عن التعرف إلى السبب الحقيقي لبلائهم ومصائبهم وأوصابهم ومعاناتهم..

إذن لمعالجة آليات أو كيف يضيع الطائفي حقوق الناس وحرياتهم علينا النظر في: كيف يطرح الأسئلة؟ ما الأسئلة التي يطرحها؟ هنا سنكتشف المنبع في آليات استغلال الناس وإضاعتهم بعد إضاعن حقوقهم.. وطبعا، بعد ترتيب السئلة على وفق مآرب الطائفي، ستأتي الإجابات مفصلة على طريقة الاختلاف بين متاريس الطائفيين المنقسمة على جناحين كي يعتاشا من وراء الانقسام.. فلا وجود للطائفي من هذا الجناح أو ذاك إلا بوجود الانقسام المصطنع المختلق المفتعل بدءا بصياغة أسئلة الحياة واختتاما وانتهاء بصياغة الإجابات..

فإذا رصد المرء منا الطائفي من الجناح سين أو الطائفي من الجناح شين، فسيجدهما متماثلان بالصفات والآليات والقيم؛ إنهما ذاتهما نفس الوجود والتفكير والفسلفة والآليات، لا يختلفان إلا في الشكل أو التسمية.. إنهما يغذيان حال الاصطراع والاحتراب والحذر من الآخر مع أن الآخر ليس من بلد آخر أو إقليم آخر أو محافظة أخرى بل كثيرا ما يكون من نفس المدينة ونفس الضاحية بل نفس العائلة الصغيرة ولا نتحدث عن العائلة الكبيرة…! ولهذا السبب كي يمعنا لا في الاصطراع حسب بل في تبريره وفي إقناع أتباع الجناح المدّعى تمثيله تُرتكب جرائم التطهير الطائفي كي تبقى المدن والمحافظات نقية أولا طائفياً ويسهل إخضاعها وتوجيهها…

لا تنسوا أنهم في مرات لاحقة من جرائمهم التصفوية، سيبحثون عن التطهير على وفق التيارات داخل نفس الفريق الطائفي لأن القضية أصلا ليست قضية مذهب بل قضية مصالح وأطماع مادية أولا وآخرا.. وإلا ما علاقة مصالح مذهب وأتباعه في التعرض لمذهب آخر في نفس الدين ومطاردة أو محاربة أو تصفية أتباعه؟ هذا السؤال يُطرح ديناً.. والسؤال الحياتي العادي نصوغه بالآتي: ما علاقة التطهير الطائفي بعمليات البناء والإعمار وتلبية مطالب أبناء مدينة أو محافظة أو بلد من مطالب مادية وروحية؟

إنّ الطائفي لا ينتمي لمذهب وليس له مصلحة في تلبية مطالب أتباع المذهب الذي يدعي تمثيله.. فالطائفي صاحب مآرب وغايات وأطماع جوهرها الخواء الروحي، لأنه ضد منطق المذهب كونه اجتهادا لتسهيل أمور الدين وحل معضلاته.. وجوهرها الفساد المادي لأنه يبحث عن الإثراء والاغتناء بسرقة ونهبٍ واغتصاب وتلاعبٍ وعبثٍ بل أبعد من ذلك هو يعبث بوصايا الدين والمذهب كي يبرر جرائمه التي تصل بمنطق إلغاء الآخر حد الحض على القتل… فهل الاغتصاب والسرقة مباحان!؟ وهل التصفية والقتل مباح ديناً أو دنيا!؟

إنهم يؤسسون أجنحة مسلحة عنفية ويدربونها تدريبا همجيا ويمنحنوها قوانين ووصايا بشعة بكل المقاييس والقيم والأعراف مما ترفضها الأديان والمذاهب.. إنهم يشكلون المافيات والعصابات والميليشيات للبلطجة وضبط من يتصدى لهم، فهل هذا من حماية الناس وتجنيبهم الأذى؟ وهل انفلات الدول بأوضاعها وتحولها إلى شراذم متناحرة مقتتلة لخير الناس!؟ الإجابة بالبديهة عند كل صاحب منطق واضحة تماماً…

إنَّ كل برامج الطائفيين تنصب على تعطيل جهود البناء.. تعطيل مؤسسات الدولة وتفاصيل الحياة وما فيها من ممارسة المواطن أعماله ومصالحه اليومية.. وهم بهذا يشيعون نظام اقتصاد ريعي يمكنهم من إطعام منقوص لمن ينظرون إليهم على أنهم عبيدهم يأتمرون بأوامرهم وينتهون بنواهيهم، ينظرون إلى أتباع المذهب مجرد عناصر في ميليشياتهم يمتصون دماءهم بتقديمهم قرابين في صراعات اقتسام الغنائم من الجناح المقابل.. وبهذا يفرضون بفلسفة الطائفي والطائفية نظام الفساد بكل جرائمه وفواحشه بحق المواطن ومطالبه الحقوقية الإنسانية…

وهم يواصلون تمترسهم بوسائلهم الغابوية، فحين تقوم الدولة وأقاليمها على أساس التطهير الطائفي وتنتهي من التمترس الأول، فإنها لا تكتفي بذلك بل ستتابع لاحقا بتقسيمات بين التيارات مع اختلاق أسباب حروب مع الجيران لمتابعة جرائمهم، وتوقع بمزيد من الضحايا من نفس المذهب المدّعى الدفاع عنه…

إذن فالطائفي والطائفية يضيع حقوق المرء في كل شيء وليس في عيشه البسيط بل في حياته بتحوله إلى رقم لأضحية في طابور قرابين الطائفيين!

المواطن يحس الضيم والظلم ويعيشه ومن أجل ألا يتعرف إلى السبب الذي أوقعه بتلك النظالم، فإنّ الطائفي يطلق أسئلته وإجاباته عنها بطابع خطابه وآلياته كي يشاغل المواطن البسيط عن السر الحقيقي في ظروف إفقاره وإذلاله واستغلاله وفي تصفيته في حروب الطائفية…

ولهذا علينا أنْ نؤكد في معالجاتنا على التوعية والتثقيف والتنوير بآليات الطائفي وفلسفة الطائفية وأن نفضح وسائلهما في استغلال الناس بعد تقسيمهم بأسس دينية مذهبية في مظهرها في وقت لا ينتمي الطائفي نفسه زعيماً، حزباً، تياراً، حركة وما يرافقهم من ميليشيات ومافيات لا ينتمون لا إلى المذهب ولا إلى الدين ولا تربطهم بهما أية علاقة..

نلك معالجة عجلى في كيفية من كيفيات مشاغلة المواطن وإبعاده عن التعرف إلى سر إضاعة حقوقه وحرياته ومنعه من التصدي لمسؤولياته في وضع طاقاته باتجاه غير إيجابي غير بنائي فيبقى أسير الفقر وحاجات الاضطرار ويسهل إخضاعه ومشاغلته.. تلك معالجة تظل بحاجة لدراسات معمقة كي نوقف مد الطائفي وفكره الذي أفسد وجودنا ووضعنا أسرى في نظامه الأكثر فسادا في تاريخنا وفي عصرنا… 

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *