مسرحية  “لستُ أنا” تأليف: صموئيل بيكيت\ترجمة: جلال جميل \إخراج: جلال جميل

 تقديم: كلية الفنون الجميلة بغداد..  تعقيب: الدكتور تيسير الآلوسي

         لا يمكن لمن يُعنى بالمسرحِ الحديثِ أنْ يغفلَ دور مسرح العبث (Absurd) ومكانته في المسرح العالمي, فهو ظاهرة جديرة بالالتفات والدراسة الجدية, وإذا كانت الحرب الكونية الثانية قد أفرزتْ مِن بين ما أفرزَتْ في المجتمع الغربي ظواهر منها إفلاس القيم الروحية لمثل هذا المجتمع, فإنَّها أفرزَتْ (أيضاََ) ظواهر أدبية وفنية منها هذا الاتجاه المسرحي بكلِّ مميزاته التي تعكس التشوّهات الحاصلة في الواقع الذي يجسّده مِن معان أخلاقية ومن قيم جمالية.

        ويُعدّ صموئيل بيكيت من أبرز ممثلي مسرح اللامعقول حيث قدّم لنا مسرحيات, كان لها أثرها الكبير في المسرحية الحديثة مثل: “في انتظار غودو” , “نهاية اللعبة” , “كلّ الساقطين” و “الأيام السعيدة” وغيرها.

       وقد ركّزَ بيكيت في مسرحياتِهِ هذهِ على هزلية الحياة وعدَّها مجرد لعب ولهو, وهكذا فإنَّ فكرة الحياة بكونها مجرد لعبة تظلُّ موضوعاَ َ رئيساَ َ في نسرح بيكيت. إنَّ بؤسَ الحياةِ ينعكسُ فيما يملأ حوار مسرحياتِهِ مِن بؤسِِ وقتامة؛ وإنَّ كلَّ مظاهرِ الحياةِ المجسَّدة فيه لا تعدو عن كونِها ولادة, ففراغ, فموت ولذا فبيكيت لا يصارع الشرّ في مسرحِهِ بوصفِهِ طابعاَ َ سلبياَ َ في الحياةِ بل يعادي هذه الحياة نفسها. إنَّ فكرةَ مسرحه تقومُ على الانسلاخ من الواقع الحيّ وإبعاد الإنسان عن إنسانيتِهِ. وهو يلجأ عبر أشكالِهِ المشوّهة إلى قتلِ الوقت باللجوءِ إلى تفاهاتِ ِ وسخافاتِ ِ رمزيةِ ِ وإلى التوقع الملئ بالهواجسِ السوداوية, محشِّداَ َ المواقف السلبية حشداَ َ, القصد منه القضاء على كلّ أملِ ِ وعلى إبقاء الأشياء في مواضِعِها مشلولة على الرغمِ من الحركةِ الظاهرية.

      جسَّدتْ مسرحيةُ “لسْتُ أنا” خصائص مسرح العبث فهي مسرحية لمْ تحتوِ على حبكة خليقة بالاهتمامِ التقليدي, وخَلَتْ من شخصيات ذات عمْقِ ِ واقعيّ مقتصرة على ـ شخصية ـ تعددتْ وتفتت مستوياتها حتى كانت أشبه (بدمية) تحركها أصابعُ خفيّة وهي أيضا تفتقدُ جنسَها إذْ لا نعرفُ إنْ كانت الشخصية امرأةَ َ أم رجلاَ َ؟ وأية سمات منطقية يمكنُ أنْ تميّزَها غير كونها شخصية ضائعة تتصارعُ مع أقنِعتِها لأنَّ كلَّ شئِِ ………

    و”لسْتُ أنا” كحالِ بقيةِ المسرحياتِ العبثية لا تجدُ أنَّ من شانِها الالتزام بقواعدِ ولادةِ الأزمةِ ونموِّها وحلِّها؛ فقد اعتمدت في حبكتها وفي فكرتِها الأوهام والتخيّلات المشوّهة, غير أنَّ هذه المسرحية إذا كانت لا تبحثُ لها عن معنى محددِ ِ ولا عن قصدية منطقية شأن كلّ مسرحيات اللامعقول ـ فإنَّها ليست خلوا من الدلالات والرموز الموظفة, وهي بهذا المعنى قامت بدور هجائي لواقعِها ـ وطبعاَ َ ذلك من حيث الدلالة الإجمالية للعرض وليست المباشرة.

    منذ البدء, يجابهنا فمٌ يملأ خشبةَ المسرحِ حيث يُطلِقُ هذا الفمُ شخصية الراوي لتبدأَ الحكاية \ المسرحية.

إذْ تولدُ فتاة قبل أوانِها, بعد ثمانية أشهر من اتصال بين أبوين مجهولَيْن ـ لا تربطهما علاقة شرعية ولا الحب أيضا ـ إنَّها مجرد ثمرة لاتصال آلي يُمارَسُ في الحياة اليومية لمجتمعِ ِ متفَسْخِ ِ, وهذه الثمرة الطفلة (الخرساء) ستصلُ الستين وربما السبعين من العمر, لكنَّها لن تحصل على (اللذة) في ظلِّ سيادة الميكانيكية أو سيادة الآلة الصمّاء في العلاقات الإنسانية ـ ورمز الآلة هنا هو ذلك الأزيز الذي ظلَّ يستفزُنا ويستفز هذه المرأة ومشاعرها طوال العرض ـ

إنَّ كلَّ علاقاتها مع المتشردين لنْ تمنحَها اللذةَ ولنْ تحققَ ـ من ثمَّ ـ إنسانيتها.. ثم هاهي تتجاوز المراهقة , إنَّها في دور الشابة الناضجة تتدافع في السوق من أجلِ مشترياتِها, إنَّها تحاولُ هذه المرّة خلق إحساس الحياة فتتحرك (شفاهُها والخدود) والفكان والوجه بأكمله, غير أنَّ هذه الحركة لا تتجاوز كونها حركة فيزيقية شكلية مجردة لا حياة فيها حيث يعاودها الشعور الآخر بالماكنة وأزيزها وسلطتها عليها. العقل بلا مشاعر وأحاسيس, إنَّه (كومبيوتر) آلة تفكر أما هي فتحاول أنْ تستجدي مشاعر , ولكن من دون جدوى فلا جواب كما يقول النصّ, إنَّها لا تستطيعُ أكثر من الاستجداء, إنَّها لا تستطيع أنْ تصرخَ بوجهِ هذهِ الرتابة وقسوتِها, إنَّها لا ترى ضرورةَ َ لصرخة غير صرخة الولادة.. وبعدها تسير الحياة كما هي عليها الآن. إنَّها تفكّر كيف عاشت حتى وصلت الستين؟ وهل امتلكت من الحبّ شيئا في مآلِها الأخير: لكن “لا شئ توضّحه, ولا شئ تستطيع حكايته, لاشئ تؤمنُ به .. لا شئ يمكنها .. إنَّها شئ تافه صغير وُلِدَ قبل أوانِهِ بلا حبِِّ” والآن حيث تشارف على خريف عمرها ونهايته وحيث حاولت طوال عمرها وليس من جواب لاستجدائِها ودعواتِها “فصلاتها لا تُجاب أو لا تُسمَع .. ضعيفة جدا” فقط هو الفم والأزيز بهديره الكئيب هو ما تتذكره .. الفمُ رمز لوجودها الفارغ والأزيز رمز لطبيعة علاقتها بمحيطها.

                          تحاول؟ لا شئ غير أنَّها تضع إصبعها على الحبِّ الضائع الذي لا أمل فيه فالبيت بيتها مظلم ولا حياة للحبّ إلا في النور.

وبعد .. فماذا قدّم المخرج العراقي لبيكيت الإيرلندي؟ أقول للإجابة عن هذا التساؤل: تنصب لغة المسرح النموذجية في الإخراج لا على مجرد كونه درجة انكسار النصِّ على خشبة المسرح بل بكونه نقطة ابتداء للخلق المسرحي برمته.

إنَّ لكلِّ عرض مسرحي ميزَتَه سواء حافظ على النصّ حرفيا أم قدّم لنا رؤيته التي تصل إلى حدّ ولادة نصّ جديد للعرض, أقول: إنَّ الفنان جلال جميل قد أراد لنا أنْ نخرجَ من عبثية بيكيت لندخل في عبثيته هو بوصفِهِ مخرجاَ َ.

       فلقد ابتعد عن التنفيذ الحرفي لإرشادات المؤلّف ووصاياه فيما يخصّ تشكيل العرض؛ وجعل من الفم الموجود على يمين المسرح في النصّ, جعل منه فماَ َ يملأ أسفل المسرح (البروسينيوم) كلّه وحوّل الراوي إلى لسان تارة وامرأة تارة وإلى رجل في تارة أخرى .. ووظَّفَ الأسنان ليخلق لنفسِهِ ديكورا يملأ به فضاء المسرح متعاملا معه من أجواء العبثية ورموزها وعلى سبيل المثال حين يكون الحوار منصبا على غياب العقل يهبط من أعلى أحد هذه الأسنان ليغيب عنّا رأسُ الراوي \الشخصية وحين يكون الحوار متعلّقاَ َ بمحاكمة ذنوب المرأة ومعاقبتها, يوظِّف أحدَ هذه الأسنان محوِّلاَ َ إياه إلى مكتب للإدعاء أو قفصِ اتهام للوقوف خلفه.

ملاحظات سريعة:

1ـ   أراد المخرجُ من إبراز فلاش الكاميرا أثناء حالات غلق الفم وفتحه, وكذلك في أمور تقنية أخرى شبيهة أراد من وراء ذلك الإبقاء على ذهن المتلقي في جو اللعبة العبثية وقد وُفِّقَ في هذا.

2ـ   الإضاءة: رُسِمت بما يتلاءم والدلالات كلّ على (انفراد) غير أنَّها لم تصلْ بنا إلى أجواء مسرح العبث ودلالاته الأخيرة (موحَّدة), الأمر الذي قطَّعَ أوصال مسرحية (عبثية الاتجاه) هي بحاجة إلى التجميع والتكثيف.

3ـ   أداء الفنان بيات مرعي كان جميلا واستطاع التنقل بين اللسان الراوي والمرأة بأدوار حياتها المتتابعة برشاقة في الحركة وجمالية في تآلِفِهِ مع فضاء الخشبة وديكورها.. غير أنَّ هذا لا يمنع من القول: إنَّه بدا عليه ما يأتي:

      اـ   على الرغم من رشاقة حركته فقد كان منهكا مالَ إلى الكشف عن ضعف في اللياقة البدنية..

     ب ـ كانت وتيرة صوته رتيبة في أحايين عديدة , أو لنقل أنَّ نبرته كانت من وتيرة واحدة , وقد يعود هذا إلى الإنهاك الذي بدا جزئيا عليه..

4 ـ   الموسيقا والمؤثرات كانت منسجمة مع العمل وموّفقة وكذلك الزِّي  الذي ارتداه الممثل..

          في الختام ينبغي أنْ أشير إلى أنَّ الغاية من مثل هذه الأعمال هو العمل على الإفادة مما هو مفيد ومطوّر في العملية المسرحية وهو أمر له ما يسوِّغُه موضوعياَ َ على الصعيد الفني , ولكنَّ الأمرَ ليس كذلك على الصعيد المضموني.

شكراَ َ لفريق العمل وللفنان المبدع جلال جميل وشكرا لإصغائكم..

تيسير عبدالجبار الآلوسي

العراق

17\02\1992

التعقيب النقدي الرسمي الذي قُدِّم في مهرجان بغداد للمسرح العربي \ شباط 1992

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *