المسرحيون العراقيون ومهام المرحلة؟

توطئة

بدأ المسرح العراقي مسرحا لثقافة وطنية وإنسانية فاتخذ من القيم الاجتماعية والوطنية مسارا لنصوصه ولأساليب معالجته.. ومع تطور العمل الفني المسرحي ورقيِّه صار المسرح العراقي يلعب أدوارا مهمة على صعيد شحذ الوعي السياسي العام والمشاركة في التعبئة الجماهيرية حتى صارت الجماهير تخرج من قاعات المسرح في مظاهرات ناضجة الرؤى والمطالب، كما هو الحال فيما كان يحصل في أربعينات القرن المنصرم وخمسيناته..

ولم يتخلَّ المسرح العراقي عن مستوياته الفنية واهتمامه بالبنية الدرامية وبمنجزه على صعيد الإخراج والأداء والفنون التكميلية الأخرى ما عمَّق من مصداقية التأثير وتفتيح الرؤى جديا على مستوى مطالب العراقي الروحية متمثلة في مطالبه في زاده الثقافي الحي ملخَّصا في منجزات المسرح العراقي وروّاده..

وبالمقابل بقي المسرح والمسرحيون يتحملون هجمات من مختلف الأشكال والتوجهات ولكنها جميعا كانت تتقصد تشويه صورة المسرح والمسرحيين بغاية قطع العلاقة بينه وبين العراقيين بمساواة المسرحي المفكر والمبدع بمنتسبي  كابريهات رخيصة في سوقية أنشطتها ومنتجها وفي مستهدفاتها المعروفة ملخَّصة في آليات أدائها وما يلحق بعد هذا من تشويه لمنتج المسرح العراقي من رؤى مبدعة خلاقة تلتزم قيم المجتمع الروحية وترقى بأدائها لمستويات حضارية إنسانية عليا…

واليوم يجابه المسرحيون العراقيون هجمات ومصاعب مركبة في إطار ما يتعرض له عراق التغيير العراق التعددي المنشود من هجمات مختلفة المصادر متحدة الهدف.. ولأنَّ القوى التي تهاجم العراق تريد التعمية على ما تقوم به فإنَّها تقف بالضد من القيم الثقافية عامة ومن كل زاد روحي للعراقي، وفي الإطار تقف ضد وجود مسرح جاد يمارس دوره الحي التنويري ويساهم في خلق الوعي الثقافي الحضاري المميز لشعبنا..

وبالتأكيد يساهم في مسيرة بنائه في تسليط الضوء على القيم الجمالية للحياة ما يساعد على خلق الاستقرار النفسي والتوازنات المجتمعية التي يتعارض معها توجه أجواء العنف والدم والتقتيل أجواء الإرهاب ولغتها في إرعاب الناس ومطاردتهم ومنعهم بالتأكيد من ممارسة حياة إنسانية وادعة باستلاب فرص تمتعهم بحيواتهم الإنسانية التي تعني البحث عن الجمال والجميل وعن ثقافة السلم والاستقرار وروح الإبداع..

الحرام والحلام في الإبداع؟

لقد أمرت كل الشرائع والديانات المقدسة بأن يعمِّر الإنسان الأرض التي استخلفه الله عليها، والله جميل يجب الجمال ولكن أوباش التطرف والتشدد السلبي المريض يؤججون فتاوى بتحريم كل شيء جميل وكل صناعة للجمال وهي جزئية أو مفردة من مفردات تعمير الأرض والتمتع بخيرات ما تصنعه يد الإنسان، خليفة الله على الأرض حسب تعاليم الديانات كافة.. ولكن أصحاب المصالح المرضية لا يعجبهم ولا يناسبهم مثل هذه القيم السليمة..

وهم في ضوء فلسفتهم المريضة يحرِّمون قيم الجمال ويكفرون مبدعيها وفوق ذلك هم يستبيحون ما عمَّره الإنسان بأمر ربِّه فيهاجمونها ليل نهار بمتفجراتهم ومفخخاتهم فأين الإيمان الذي يدعون؟ وأين الدين الصحيح الذي يزعمون؟ وهل إجماع الأمة كله كفر وهم الأفراد الذين لم يحفظوا سورة أو آية بشكل صائب صحيح وحدهم المؤمنين الأقحاح؟

ليس الجواب إلا فضحا لكونهم أصحاب مصالح يحاولون تمرير عنفهم ودمويتهم وساديتهم ومازوخيتهم بقدسية زائفة، أولئك التكفيريون البائسون فكرا ومنطقا وأهدافا.. إنَّهم قبل أنْ يكونوا أعداء البشر والحياة والسلام والكرامة، هم أعداء الله والدين السمِح، دين السلم والاستقرار والتعمير لا دين التقتيل والتفجير والتخريب والتشويه واستلاب حيوات حرَّم الله قتلها قطعا وبتاتا!

ولكلِّ فرد ما زال يعتقد بفلسفة العنف الدموية التخريبية المبرَّرة بمقاومة جهة أو فئة أو المموَّهة المتخفية باسم مقاومة شريفة أو غيرها والمتوسِّلة قدسية الدين وتفسيراتهم نصوصه بلوي الحقيقة وتأويلها المعوج، لكل فرد ما زالت لديه غشاوة أو التباسا أو خلط أوراق، أنْ يراجعَ إجماع الأمة وعلماء القوم لكي يرى ببصيرة لا ببصر وليفتح عقله على تنوير حقِ ِ صائبِ ِ صحيّ صحيحِ ِ فيلتحق بصانعي الخير والعَمَار، مبدعي الجمال والاستقرار..

مَنْ يصنع مَنْ؟

هل السلم والاستقرار يصنع فرص الإبداع أم الإبداع يساهم في صنع الاستقرار والسلام؟ إنَّ المسارين صحيحان وفي نظرة سنجد معنى الأدب والفن ومساهمتهما في تفجير الثورات ودعم تعبئة الحياة بتصورات الخير وصنعه والتأثير في ترسيم الفعل المناسب للإنسان وهكذا كان أدباء الثورات الشعبية منذ زولا وهوجو وغوركي وبيلينسكي ومرورا بالزهاوي والرصافي والجواهري والسيّاب أبناء بغداد المحلات والضواحي الشعبية وأبناء النجف الثائرة والبصرة العريقة المفكرة المتبصرة أبناء وادي العَمَار والحضارة…

وهكذا أيضا كان رواد المسرح العراقي منذ نعوم فتح الله ومرورا بمبدعي العشرينات والثلاثينات الذين رسموا التاريخ القومي والوطني والسلوك والقيم الإيجابيتين لمجتمعنا العراقي.. وليس انتهاء برواد  الأربعينات والخمسينات الذين كانوا تأسيسا ثانيا لمسرح العراق فنا وجمالا وبناء وقيم إبداعية وبالتأكيد فكرا وثقافة وسياسة.. ولن ننسى مظاهرات شعبية ظلت تنطلق من مسارح تلك الحقبة الفائرة في حياة شعبنا بكل معالم غليانها..

ومن الطبيعي إذن في ظل هذه المعادلة أن نجد تبادل التأثير في مسار الإبداع الذي يمكن أن يكون في ظل الاستقرار والسلام حيث يتفرع الإنسان لحياته وقيمها الروحية الثقافية ومن ثمَّ  لإبداع قيم الجمال والمحبة والكرامة.. وبالمقابل في كون الإبداع ذاته يهيئ ما يدفع باتجاه التعبئة والتفكير بكيفيات البناء والتعمير ومقاومة الشرور ومصادره ومعالجة الأمراض الاجتماعية والمزالق الخطرة ومنها رفض الحروب البشعة التي تقمع الإنسان وقيمه النبيلة…

رواد المسرح وبُناته؟

وطبعا ليس منّا من ينسى جاسم العبودي في واقعيته ومنهجه لصنع الجمال وليس منّا من ينسى إبراهيم جلال بين واقعيته وتغريبيته وما كانت معالجاته وأدواته تدفع إليه.. وليس منّا من ينسى يوسف العاني الرائد الذي ما زال حيّا بيننا بكل عطائه وإبداعه وهو الذي شيَّد عالما من الأخلاقيات والسلوكيات الإنسانية بكل عمقها ونبلها وتنويريتها.. ألم تكن الخرابة تعبير عن ثقافة إنسانية متفتحة تجمع بين الوطني والقومي والإنساني. ألم تكن مسرحية أنا أمك ياشاكر وصورة جديدة والمفتاح تنبع من حيوات أبناء شعبنا فتعود عليهم بسراج الأدب والفن في ليل التخلف؟

أليست عشرات أعماله ومئات وقفاته على الركح علامة كما نصب الحرية وكما جلجلة المهلهل وصهللة المتنبي ونفحات ابن الفارض وتيجان الحلاج؟ بلى وهو طودنا الذي يشارك كبارا كخليل شوقي وسامي عبدالحميد وبدري حسون وقاسم محمد والراحلة نجمة الجبل والسهل زينب والصامدة ناهدة الرماح وجيل من لوامع كواكب زمننا الذين ينبغي أنْ تظهر بهم الأضواء والفضائيات العراقية والعربية والعالمية بدل أضواء تُسلَّط على قتلة ساديين لا يفقهون لا في دين ولا في دنيا..

أنتجه أمسية يومنا لرؤية الجمال والحب والمودة والخير وعَمَار الأنفس أم نقعي في بيوتنا خانعين لضغوط الدمويين المازوخيين؟ أنفكر في تكريم مبدع بالوقوف معه في إبداعه الجمال وخلقه الحياة والخير والعمار أم نخضع لسلطة رصاصة مخرِّب أو انتحاري إرهابي؟ أنُضيع حيواتنا في الرعب والخشية والتوهان والحيرة بين فتوى جاهل متخلف مريض عقليا ونفسيا وبين رؤى مثقف مبدع للجمال ولنور العقل وموضوعيته ورصانته وسداده؟

المسرح بيت العقل والجمال

لنقرأ مسرحية عراقية ونحكم .. لنشاهد مسرحية عراقية ونصدر قرارنا في الموازنة بين مشهدين. مشهد الخراب الذي يزعم قدسيته دينا [وهو ليس كذلك] ويدعي مقاومته الاحتلال [وهو الذي يديمه ويواصل مشوار وجوده بخلق الذرائع والمبررات].. لا نتردد لنجد لأنفسنا متنفسا للإبقاء على صلتنا بالحياة الإنسانية فحيثما نسينا القراءة والمشاهدة لمعالجة فنية جمالية مثقفة متنورة ابتعدنا عن وجودنا الإنساني ومتنا..

وحيثما أبقينا على رابطة بيننا وبين الإبداع فكرا وجمالا ربحنا المعركة ضد التخلف والجهل والظلام والتضليل وكل ما يتستر وراءه الإرهابيون وأعداء مجتمعنا العراقي الحر الكريم الأبي… ألا فلنعيد صلاتنا ولتحتشد جموعنا في قاعات مسرح عراقي عظيم بتاريخه وبمنجزه وبوجوده ودوره المؤثر في صنع خيارات الحياة الجديدة..

المسرح ليس مكان للهو وتضييع الوقت فهو باني العقل ومحييه ومفعِّله وهو التأسيس للحركة والتغيير والتعبئة وهو بالتأكيد يُجري كلَّ ذلك في إطار الجمال والفن والراحة النفسية والتفريغ من أعباء يومياتنا المعقدة فلنمنح~ أنفسنا فرصتها في العمَار وفي الاستقرار…

المسرح الأكثر أمانا للقاء الجماهيري اليوم:

وفي ظروفنا القائمة يمكن أن يلتقي الجمهور في مباني المسارح وقاعاته بأمن حيث يجري التوثق من امتناع دخول أي سلاح أو متفجرات أو ما شابه مما يهدد أمن الناس وسلامتهم وهو ليس مكانا مفتوحا كما الشارع وكما مناطق أخرى ويمكن لفرصة تأمين المبنى المسرحي أن تكون مفيدة لكي ندعو لتواصل الأعمال والأنشطة المسرحية الجادة لا التهريجية بالتأكيد وتلك التي تحترم الإنسان وعقله ومكانته وكرامته ولا تضحك عليه…

أما المسائل الأخرى فتكمن في دعم مؤمَّل من وزارة ثقافة تحرَّرت من دكتاتورية الطاغية وزبانيته وأبواقه وينبغي لها اليوم أن تكون قد انعتقت من سلطة التخويف وتهويمات الإرعاب وخطط الجهلة لتدخل اليوم في برامج مستمدة من رؤى القوى الحية في مجتمعنا ممثلة في واحدة من مفرداتها في المسرحيين العراقيين روادا ومجددين مبدعين.

مهام منتظر النهوض بها؟

ينبغي للمسرحيين العراقيين هنا أن يواصلوا مشوار الريادة وينهضوا بتقديم أعمال جدية مسؤولة تعالج مأساة اليوم وتعيد الطمأنينة وتخلق الفرص الإنسانية ولمحاتها المستقرة لتمنح تفاصيل اليوم العادي علامة من الهدوء والسكينة وسط همجية رعناء لقوى الجريمة من إرهاب دولة [الاختراقات الموجودة في مؤسسة الدولة الناشئة] ومن إرهاب الدخلاء على الوطن والعناصر المريضة السادية من مخلفات النظام المهزوم والتكفيريين الجهلة ..

يلزم من أجل ذلك تصعيد برامج مهرجانية واسعة ومواسم مسرحية مجددا تستخدم نوافذ مثل مسرح الغرفة لجمهور أصغر وأماكن يمكن معالجة طاقاتها الاستيعابية وظروف الوضع العام ومسارح كبرى مجهزة بشروط الأمان وقريبة من الأحياء الشعبية مثل مسرح الخيمة بشروط حماية أكيدة ومسارح في المناطق الآمنة من عراقنا والتي سيتم تأمينها قريبا.. كما في كردستان الآمنة وكما في عديد من محافظات الجنوب والوسط وحتى في بغداد ومحافظات غزاها الإرهاب لأسباب شتى باتت معروفة..

المرحلة تسأل وتريد أجابات المثقف العراقي وليس السياسي لوحده من يخلق ويؤسس لأجواء الديموقراطية فالديموقراطية تربية وفلسفة ومعرفة يلزم توضيحها والمسرحي الكاتب والمخرج والممثل والديكورست والموسيقي ومديرو الإضاءة والتقنيات  كلهم مسؤولون لكي يطوِّعوا جهودهم في الإجابة وفي التحضير لعراق جديد عراق الأمل والسلام والكرامة والديموقراطية..

ومن مهمات مسرح اليوم خلق ثقافة التعددية التداولية واحترام حقوق الإنسان واحترام الآخر بمقدار احترام الذات واحترام العمل المؤسساتي والابتعاد عن الروح الفردي والمصالح الانتهازية المرضية الرخيصة وتلك قيم يلزم لها وسائل كبيرة لا تتوافر عند طرف قدر توافرها في المسرح ودور المسرحيين في النهوض بتلط المهمة ولا نقولن حتى حين فلقد قدم المسرح عروضه في ميادين القتال ولم يتوقف فما بالنا والناس يسألوننا أين المثقف؟ أين المسرحي؟

ها نحن هنا موجودون وهذي أعمالنا الإبداعية المميزة ومبدعونا الكبار وإنّا الفائزون بوجود أعلام مسرحنا من جيل الريادة يوسف العاني و سامي عبدالحميد وقاسم محمد  ومرورا بشفيق المهدي ومحمود أبو العباس  وعقيل مهدي حتى الجيل المبدع الجديد قاسم مطرود وأحمد شرجي ورسول الصغير وغيرهم العشرات من عظماء المسرح الإنساني الجديد…

ولنا وقفة مع تلك الأعلام ومع أعمالها وإبداعاتها ليكون للنقد المسرحي دوره التفاعلي في حركة مسرحية ناشطة اليوم ولنبدأ المشوار مجددا أيها المسرحيون العراقيون…

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *