أبادة الأمم من منظور متنوري الأمم المسيطرة

في بلدان شمال أفريقيا وغرب آسيا عاشت حضارات إنسانية مهمة كان منها حضارات وادي الرافدين السومرية فالكلدانية البابلية والآشورية وفي وادي النيل عاشت الحضارة الفرعونية وتعايشت في هذه البلدان منذ قرون بعيدة شعوب وأمم عديدة منها الصابئة المندائيون والأيزيديون ومنها الكلدان الآشوريون السريان والميديون الكورد والتركمان والفينيقيون والعبرانيون والأقباط والنوبيون والأمازيغيون والأزواد الطوارق والفور وغيرُهم… كل هؤلاء انتشروا على مساحات واسعة من بلدان وُسِمت بالعربية بعد مجيء العرب وتوسع حضارتهم جغرافيا واستقرارها بتلك المواطن…

وفي منطق التاريخ كان لسيادة أمة وثقافتها وحضارتها دوره في التوازنات المستجدة وفي حكم العلاقات الراهنية لصالح المنتصر الغالب… كما كان لطبيعة العلائق الناجمة عن غلبة الحضارة العربية الإسلامية أن أوجدت فرصا جديدة لاحقا للحديث عن تشكـُّل أغلبيةِ ِ وأقلية جديدتين تدريجا حيث بدأت سلطة العربي تتمظهر في أشكال من الصراعات والتوجهات الستراتيجية البعيدة التي أفضت إلى جانبين، فأما الجانب السلبي منهما فقد تمثل في اندحار المجموعات السكانية الأصلية وهزيمتها عسكريا وتقوقعها ومصادرتها ثقافيا الأمر الذي ظهر جليا في حالتي سطوة العربية  واستعراب مجموعات كبيرة نتيجة عاملين متناقضين من التهميش والفوز بالسلطة…

وأنا أتحدث هنا عن تاريخ قرون خلت ما زالت تحيا بآثارها عبر سيادة فلسفة الغالب ومحاصرة المغلوب بكل مجالات الحياة… ولنلاحظ أن المنطقة وشعوبَها قد انتفضت في العصر الحديث في ثورات قدمت فيها قرابين من التضحيات بمئات ألوف وملايين من أبنائها للتحرر من الاستعمار الأجنبي الذي رسم حدود الدول قبيل الحرب الكونية الأولى، في حدث خطير تقرر بوساطته مصير الشعوب الأصغر حجما سكانيا…

وللدارس المتمعن أن يقرأ عددا من قضايا التحرر  وطلب العدل والإنصاف ويمكننا بإيجاز هنا أن نسلط الضوء على قضايا جرى التستر عليها طويلا… فإذا بدأنا من البلاد المغاربية فسنجد قضية الأزواد والأمازيغ فأما شعب لأزواد الطوارق  فيناهز الـ  4 ملايين في تعداده، 85% منهم في مالي والنيجر ويشكلون حوالي 20% من إجمالي سكان البلدين ويحيا قسم مهم منهم  في الجزائر وليبيا. وكما ترون فإن استخدام تسمية الطوارق قد تلغي في الذهنية الشائعة للأغلبية العربية استقلالية هذا الشعب وخصوصيته وتنظر إليه كونه مجرد بُداة يشكلون قسما لهجيا عربيا ضالا في الصحارى.. ولم تسمع أو لم تستسِغْ الأذن العربية إيماجغن الأوزاد أو لغة تماشق وحرف تيفيناغ الفينيقي الذي يكتبون به!

وطبعا لم يُلتفت لدراسة مجتمع لأزواد وطبقاته من السادة \ إيماجغن وإينسلمن وطبقة الصنّاع \ إينادن وطبقة العامة \إيكلان كما ترفض فلسفة المجتمع العربي ما تحظى به المرأة الأزوادية من مكانة مميزة ما زالت تحيا من ميراث المجتمع الأمومي للطوارقيين. ذلك الشعب الذي ما زال يتمسك بتقاليده الحية والذي قاوم الاستعمار الفرنسي ببسالة واشتـُهر بهذا الشأن قتل الفرنسيين عام 1916 لرئيسهم الأمنوكال (الشيخ) فهرون قائد أولدمن (كل أترام).

ومنذ استقلال الدول التي وجد فيها الأزواد الطوارق وعاشوا منذ قرون التاريخ البعيدة وعلاقة الأنظمة المتعاقبة بهم غير ودية خاصة في مالي والنيجر.  وكان أول تحرك سياسي للطوارق الأزواد سنة 1963 مطالبين بحقوقهم السياسية في مالي، إلا أن حكومة الرئيس السابق مودبو كيتا قمعتهم بشدة وزجت بأغلب نشطائهم في السجون.

ومع بداية تسعينيات القرن الماضي نشطت حركات مسلحة للأزواد الطوارق في مالي والنيجر، وقامت الجزائر بوساطة بين مالي والمسلحين فتم توقيع اتفاق سلام بـ تمنراست في يناير/ كانون الثاني 1991، وهو اتفاق لم يحترم في الغالب. فعاد العنف ليتزايد من الجيش المالي الأمر الذي دفع الآلاف من الأزواد وعوائلهم للجوء إلى موريتانيا والجزائر وبوركينا فاسو. وعرف طوارق النيجر هجرة واسعة إلى ليبيا في عهد الرئيس السابق سيني كونتشي، الذي جرت بُعيد رحيله سنة 1987 محاولات للمصالحة بين المعارضين الأزواد الطوارق في ليبيا وخلفه الرئيس علي سيبو، غير أن مواجهات دامية عاد فقادها الجيش النيجري ألغت المحاولة ووأدتها سريعا وأشعلت حملة من القمع الساحق الذي تعرض له الثوار.

وعلى الرغم من رعاية دول مجاورة (الجزائر وبوركينا فاسو) لعدة اتفاقيات سلام بين الثوار الأزواد وحكومتي  مالي والنيجر، لم يصل الوضع بعد إلى حد السلام والاستقرار، فلا الأزواد \ الطوارق حصلوا على حكم ذاتي فضلا عن الاستقلال، ولا مالي والنيجر استطاعتا السيطرة على مناطق الأزواد \ الطوارق الواسعة الأرجاء صعبة المسالك.

والقضية التي تفرض نفسها ونختار الإشارة إليها هنا هي القضية الأمازيغية بعمومها.. فشعب الأمازيغ تاريخيا هم على وفق سطوة الرومان وسحقهم للشعوب التي اجتاحوها بربر بمعنى همج.. ولأن العرب هم أصحاب الغلبة التالية فقد استخدم معجمهم اللغوي مصطلح البربر بهذه الدلالة العنصرية المتعالية وكثرما نجد استمرار مصطلحات من هذا النمط في المعاجم الفلسفية والسياسية بدلالاتها السلبية الخطيرة التي تصادر ثقافات الشعوب وحضارتهم بالتحديد لدى الأمم المهيمنة الغالبة…

لقد كان لتشبث الأمازيغ بالثقافة الأم وإغلاقهم لمداخل قد تكون منفذا لشرور الغزو الروماني أو غيره الدور المهم في رفض محاولات طمس ثقافتهم المتوسطية التي تعرضت لغزوات متعاقبة. ولقد أظهر سكان شمال أفريقيا تلك الإرادة الصلبة في المقاومة، إدراكا منهم بل ومنعا من الانصهار في بوتقة المستعمر وثقافته، ما يؤدي بهم تدريجا إلى الانسلاخ عن الأصل الذي تعتز به كل هوية.

ومما تمسك به شعب الأمازيغ اسمهم الذي يشير إلى دلالة حرية الإنسان، فكانت تلك  الدلالة التاريخية والسياقية تحيل إلى أن أمازيغ هو الأب الروحي للأمازيغيين في إشارة اعتزاز باستقلالية الهوية. واعتمادا على ما ذهبت إليه الحقائق الثابتة وعلى الرغم من رؤى تحيل بأصل الأمازيغ إلى أوروبا بالاستناد لقراءة التماثل اللغوي مع لغة الوندال وأمور عرقية بعينها أو أخرى تشير إلى العمق الإفريقي أو المشرقي العربي إلا أن الراجح أن شعب الأمازيغ يمتلك استقلاليته وهويته من قرون تاريخية بعيدة ممثلا لموطنه المغاربي ولا يضير استقلاليته اختلاطه بالأعراق والهويات المجاورة طالما بقي متشبثا بهويته اللغوية والثقافية وحقوقه المشروعة التي يتمسك بالنضال من أجل تحقيقها أبناء هذا الشعب وحركاته التحررية…

أما إذا التفتنا إلى الجنوب قليلا فإننا سنجد  الاستعمار الحديث يضم سلطنة دار فور إلى السودان في رسمه للخريطة المعاصرة ودرءا لوقوف سلطان شعب الفور مع الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى… ودار فور   منطقة في غرب السودان، سميت بهذا الاسم تيمناً بشعب “الفور” الذين كان لهم سلطنة فيها قبل الاستعمار الإنجليزي… ويتركب سكانها من  الفور، الماساليت، الزغاوة ومن العرب وغيرهم. وشعب الفور يتعرض لمجزرة طاحنة وما تزال حرب الإبادة مستمرة على الرغم من كل الجهود.

ولقد استباحت القوى الغاشمة دارفور بكل أنواع الجريمة من أشكال الإبادة الجماعية ومن الاستلاب والاستغلال ومنه جرائم الاغتصاب الجماعي حتى أن عام  1995 وحده كانت وقعت فيه حوالي 355 ألف حالة اغتصاب أو تحرش جنسي، والمطـّلع على الدراسة التي تناولت هذه الجريمة يلحظ أن أغلب الحالات [حوالي  76.4%]وقعت  نهاراً على مرأى من الحكومة ومسمع، وليس في أوقات غفلة، ما قد يعني مسؤولية الدولة ومشاركتها في التستر على الجريمة.

وإقليم دارفور يمثل أكبر أقاليم السودان، وتبلغ مساحته أكثر من نصف مليون كيلو متر مربع ( 510 ألف كيلو متر مربع) التي تمثل خمس مساحة السودان وتقطنه عرقيات إفريقية وعربية؛ أهمها “الفور” التي جاءت تسمية الإقليم منها، و”الزغاوة”، و”المساليت”، وقبائل “البقارة” و”الرزيقات”. ويعدّ شعب الفور منأكبر الجماعات العرقية الأفريقية التي تحيا هناك، ولأبناء الأقليم تاريخ طويل من الصراع حول الأراضي وحقوق الرعي مع الرعاة من القبائل العربية‏، ولكنّ هذا الصراع لم يظهر بصورة واضحة حتى السبعينات  حيث بدا ضعف الحكومة مع زيادة انتشار السلاح في الإقليم بخاصة وضعه بيد  عصابات جهوية محددة كانت تستغل النزاعاتالقبلية  العرقية‏.‏

حتى انقسم الأقليم عام 1994 نتيجة تلك الصراعات المتعاظمة على ثلاثة أقاليم متجاورة لكنها ظلت مختلطة الأعراق‏ حيث تبلغ نسبة الجماعات الإفريقية نحو‏ الثلثين  بينما تبلغ نسبة العرب الثلث علما أنه توجد في السودان حوالي 572 مجموعة عرقية تمثلهم أكثر من ثلاثين حركة تحرر.. ويبلغ عدد سكان إقليم دار فور نحو‏6.7‏ مليون نسمة،  يقطن منهم في الريف ‏75%‏ من السكان، بينما يمثل الرعاة الرحل حوالي‏ 15%‏، والباقون يقيمون في  المدن الرئيسة مثل الفاشر وجنينة، ونيالا،وزالنجي…وهذه إشارة واضحة لطبيعة الإهمال في توجيه التوزيع السكاني بين مناشط حياتية وعلى وفق ما يعود على الشعب بخدمات التطور والتمدن…

وتنقسم قبائل شعب دارفور على قسمين هما : “القبائل المستقرة” الموجودة في المناطق الريفية مثل “الفور” و”المساليت” و”الزغاوة”، و”الداجو” و”التنجر” و”التامة”، وهم من الأفارقة، ويتكلمون لغات محلية فضلا عن لهجات عربية، والقسم الثاني من شعب دارفور هم: “القبائل الرحل” التي تتنقل بحثا عن الماءوالمراعي، وهي قبائل وفدت للمنطقة مثل: “أبالة” و”زيلات” و”محاميد” و”مهريه” و”بني حسين” و”الرزيقات” و”المعالية”، و غالبية هؤلاء عرب بينهم أفارقة أيضا.

وجذور الصراع  في دارفور تاريخية تعود لمئات السنين، لم ينجم بدءا عن اضطهاد عرقي أو ديني ولكنه نتج عن موقع الأقليم المتاخم لتشاد ومصر وليبيا وأفريقيا الوسطي ما جعله منطقة للقبائل الرحل التي ظلت مصدر قلق واعتداءات وصراعات عديدة في الأقليم… ولكن الأمر في السودان لا يقتصر على الصراعات في دارفور فحسب، فمنذ عام ‏1983‏ تشهد مناطق عديدة في السودان وبينها جبال النوبة التي تمتد علي مساحة ‏80‏ ألف كيلومتر في وسط السودان حربا أهلية بين أبناء  تلك المناطق والحكومات المتعاقبة في الشمال. وقد حصدت تلك الحروب أرواح أكثر من مليوني شخص‏.‏ ومازال سكان جبال النوبة يطالبون بحكم ذاتي يعقبه استفتاء لتقريرالمصير‏.‏ دعك من الثورة في جنوب السودان وتمرد قبائل البجا‏ في شرقه…

 أما أصل الصراع بخاصة في دارفور فترجعها الحكومة لأسباب بيئية مثل الاختلاف على المراعي، لكن دارفور شهدت حركات تلو الأخرى منذ الستينات من القرن الماضي، فكان هناك حركة سوني و جبهة نهضة دارفور،‏ وجبهة الدكتور دريج وحرير وأخيرا حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودانوالتحالف السوداني الديمقراطي الفيدرالي‏،‏ وتحدثت أغلب تلك الحركات عن مسألة اقتسام الثروة بطريقة عادلة تعود على أبناء الأقليم بالخير وبمعالجة مشكلات القحط والجفاف وضآلة الموارد إلى جانب الانتهاء من تدفق الأسلحة على ميليشات محددة ومنع مشاركة شعب دارفور من تسلم السلطة حتى في إدارته كما جرى فيما سُمِّي يومها 1994 إعادة التنظيم الإداري لإقليم دارفور الذي اُستبعِدت فيه أغلبية الفور والمساليت وجرى تقويض دورهما في تقرير المصير…

و نشبت الاشتباكات الطائفية المسلحة في عامي ‏1998 و‏1999‏ عندما بدأ العرب الرحل في النزوح مع قطعانهم نحو الجنوب حيث تمَّ إحراق ما يزيد على ‏60‏ قرية من قرى ‏المساليت‏ مقابل قرية عربية واحدة ‏..‏ وقتل من أبناء المساليت ستة أضعاف من قُتِل من العرب ونزح ‏(آلاف)‏ من أبناء المساليت إلى‏ تشاد‏  وتكررت الصدامات في العام ‏1999‏ واتسمت الاشتباكات الجديدة بالمزيد من سفك الدماء‏ حيث تعرضت ‏125‏ قرية من قرى المساليت للإحراق والهجمات‏ وسقط الكثير من الضحايا‏.‏

وفي أوائل عام ‏2003‏ دخل الصراع منعطفا جديدا، عندما قام جيش التحرير السوداني وحركة العدل والمساواة بمهاجمة أهداف حكومية في إقليم دارفور ليفضحوا وقوف الحكومة السودانية بالتحيز لصالح جهات بعينها ضد الأفارقة من شعبي الفور‏ والمساليت.‏ فلقد اُضطر شعب الفور نتيجة طول تلك الصراعات واتساعها في التصفيات الدموية وبطريقة الإبادة الجماعية لتنظيم نفسه في حركات سياسية عريضة مع أجنحتها العسكرية المقاومة، وتعدّ “جبهة تحرير السودان”‏ وجناحها العسكري “جيش تحرير السودان‏” التنظيم الأكثر نشاطا ويترأسها محامٍ سوداني هو عبد الواحد محمد نور الذي ينتمي إلى قبيلة الفور، بينما يحتل “أركو مناوي‏”‏ موقع أمينها العام، ومعظم القادة العسكريين في صفوف الحركة كانوا ضباطا سابقين في الجيشين السوداني والتشادي.  وتنتقد الحركة التهميش الذي تعرض له إقليم دارفور واستبعاد أبنائه من قسمة السلطة، وانعدام الخدمات الأساسية فيه، كما تنتقد هيمنة الوسط النيلي على أقدار السودان، وتنادي بحكم ذاتي موسع، وإعادة بناء السودان على أسس جديدة.

أما التنظيم الثاني فهو “حركة العدالة والمساواة”‏ التي يقودها‏ “خليل إبراهيم”‏، بينما يقود عملياتها العسكرية‏ “التيجاني سالم درو”‏ ‏.‏ وتدعو‏ “حركة العدالة والمساواة”‏ إلى فصل الدين عن الدولة وبناء سودان جديد مدني وديمقراطي، وتتحدث عن تحالف المهمشين ضد سلطة المركز وإتاحة دور أساس للمهمشين في عملية إعادة الصياغة هذه‏.‏

فيما التنظيم الثالث يتمثل في “حزب التحالف الفيدرالي”‏ الذي يتزعمه أحمد إبراهيم دريج، وهو سياسي سوداني من غرب السودان ينتمي إلى قبيلة الفور، لعب أدوارا بارزة في السياسة السودانية منذ النصف الثاني للستينيات إلا أن حزبه ظل متهما بالجهوية لتركيزه على مطالب دارفور.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن حركتي‏ “تحرير السودان”‏ و‏”‏العدالة والمساواة”‏ قامتا ببعض المعالجات  التصحيحية لإزالة صفة القبلية أو الإثنية عنهما لنضجهما وإدراكهما حاجات التطور السياسي الفكري المؤمل‏.  هذا بخلاف  ميليشيات الجنجويد [العربية] التي ما زالت تهاجم الثوار مدعومة بشكل أو آخر من السلطة.. وينسب إلى هذه الميليشيات قيامها  بعمليات قتل واغتصاب وتشويه ونهب وإحراق البيوت، وتشريد الأشخاص، وكان نتيجة ذلك أن فر نحو مليون نسمة من ديارهم بينما قتل ما لا يقل عن‏ (10)‏ آلاف شخص حسب إحصاءات الحكومة لكن الأرقام الدولية ترصد أوضاعا مهولة بالخصوص،‏ إلى جانب تعرض الآلاف لمخاطر الآفات الطبيعية وما ينجم عنها من المجاعة والأمراض التي تجتاح المخيمات .

 

 

هذا غيض من فيض في دول شمال أفريقيا العربية أما الدول المشارقية ومنها العراق فسنجد مشكلات شعوب وقوميات ومجموعات دينية كالصابئة المندائيين والأيزيديين ونجد شعب ناء الحضارة من بقايا سومرية ومن الكلدان الآشوريين السريان كما نجد التركمان ونجد جناح الوطن الآخر الشعب الكوردي…

ولنقرأ تباعا تلك القضايا ولنبدأ بقضية الصابئة المندائيين بجذورهم السومرية وتطلعات حاضرهم ومستقبلهم إنسانيا ووطنيا فالصابئة مجموعة قومية تشكلت من بين أولى المجموعات السومرية في أحضان هذا الإقليم الذي شهد ولادة الحضارة البشرية الأولى.. ومع امتداد الزمن يتحدث اليوم أبناء هذه المجموعة مستخدمين المندائية اسما علما لهم في إشارة لتراث ثقافي حضاري يحتضنونه ويواصلون مسيرة تعبيرهم عن شخصيتهم القومية والدينية…

              وما تنبغي الإشارة إليه هنا هو غنى تلك الشخصية ودورها المميز في الميدان المحيط بدل حالة الإنغلاق التي تعانيها مجموعات أكبر تعدادا سكانيا في أماكن أخرى من العالم. وهذا الغنى يتأتى من فاعلية الاندماج بالمحيط الوطني العراقي المعاصر وتقديم خيرة أبناء البلاد المبدعين والمفكرين المعروفين عراقيا وعالميا..

               ويهمنا هنا  تشخيص ما يقف وراء الحملات التصفوية الدموية الجارية وأعمال التهجير والإبعاد للمندائيين من وطن التصقوا به وبمسيرته التاريخية والوطنية المخصوصة عبر آلاف السنوات العجاف من دون أن ينفصموا عنه للحظة ..

                            والدفاع عن المندائية دفاع عن هوية عراقية.. ودفاع عن تاريخ العراق، ودفاع عن حضارته التي سجلت تراث البشرية في المسيرة المطبوعة بالسلم ونهجه وبالتعايش المتفتح المتفاعل إيجابا، وهو دفاع عن بقاء روح التنوير وروح الوحدة وروح التقدم والعطاء الأخوي لكل العراقيين يمتلكون حقوقهم الإنسانية كاملة ويؤدون واجباتهم تجاه بعضهم بعضا..

فإذا كان هذا ما أصاب المندائيين فإنَّ الأيزيدين مثلهم مثل الآخر ما زالوا يبحثون عن المكان والمكانة في العراق الجديد فلقد  تعايش الأيزيديون مع نسيج المجتمع العراقي عبر تاريخ بعيد وعريق. ولم يكن العراقيون يوما إلا في حال من الوئام والسلام وطيدة متمكنة من قلوبهم مع المجتمع الأيزيدي، على الرغم من محاولات عزل الأيزيديين سواء بتجهيل المجتمع العراقي معرفيا بهم أم بفرض السلطات الغاشمة لستار حولهم بما يمنع من تواصلهم مع مكوِّنات المجتمع العراقي عامة.. وهكذا بقيت اللحمة بين الأيزيدية وعموم المجتمع العراقي صحيحة على الرغم من أطواق العزل..

وللأيزيديبن وجود في دول المشرق العربي كما في سوريا حيث يمثلون أقلية تبحث لها عن هوية مغيبة لتزيح عنها التساؤلات والتشكك بحقوقها  ونصوصها المتداولة التي تميل إلى الاندثار قسرا  وتعدادهم بسوريا يصل إلى 50 ألف شخص على وفق إحصاء محكمة سيغمارينغين الألمانية  وهم ينتشرون على طرفي نهر الجراح بسوريا ببلدات القحطانية ودريجيك ومزكفت وأوتلجة وألارشا وتسكن الحسكة عشائر التورنا والدنا والملا والسوعانا  إلى جانب منطقة عامودا وعفرين وحلبوهو ما يجعلهم ببعض هذه المناطق أقرب لشمال كردستان حيث يلتقون مع تجمعاتهم في العراق …

لقد تعرض الأيزيديون للاضطهاد  الذي  اضطرهم للتجمع في مناطق خاصة تجمعهم ككل الشعوب التي عانت من الاضطهاد مثل الدروز والعلويين في سوريا وعلاقاتهم بالآخرين قائمة على الحذر والخوف بحسب التجربة التاريخية لهم مع السلطة السياسية الدينية للإغلبية السائدة (لعرب المسلمين)… ولكن معذلك فإنهم يحبون التجمع والمناقشة الحرة والعيش مع الآخرين في سلام وأخوة ويتعاملون مع الغير بكل احترام وأدب والأيزيديون عشائر وقبائل وهم يعيشون بين الحياة البدوية في التعامل والحياة المدنية ونلحظ مجتمعهم ببعض الخصوصيات مثل كيفية الزواج ومثل الكريفانية فكما هو معروف يتألف المجتمع الأيزيدي من  ثلاث فئات:
الشيخ  \ البير  \المريد ويحدث الزواج ضمن كل فئة  فلا يجوز لفئة من تلك الفئات الزواج من غير فئتها أو من أتباع الديانات الأخرى  وهم محرومون من التعليم على الرغم من شغفهم به ودينيا طقوسهم من المحظورات  حتى أنهم قانونيا يخضعون للديانة الإسلامية وأحكامها… وتعداد الأيزيديين في سوريا  حوالي 15000 ولهم مرجعيةدينية (مجلس روحاني) في مركز الديانة الايزيدية في شمال العراق يرأسها أمير الايزيدية في العالم السيد تحسين سعيد بك ومحجهم الأول لالش الذي هوجم قبل مدة…

والأيزيديون في مركزهم بالعراق احتفظ لهم العراقيون بمكانة أخوّتهم ومكانهم، ولكن ذلك لم يكُ بيِّنا لأسباب تتعلق بالنظم المتعاقبة على عراقنا في ظروف جرى فيها حظر التعددية بجميع مستوياتها. ولقد اُرتـُكِبت جرائم عهد ذاك، وتجري متابعة لها ولعمليات إجرامية بحق الأيزيدية اليوم من قبل أولئك الذين ينتمون إلى فكر العزل والفصل العنصري الفاشي المهزوم..

فتقوم فرق إجرامية ومجموعات التطرف الأسلاموية وغيرها باغتيال ومطاردة متعمدة مفضوحة المقاصد. ولقد شهدت السنوات الأخيرة عددا من الجرائم المقصود بها أبناء عراقنا من الأيزيدية تحديدا..

المسيحيون

وبالمرور من هاتين المجموعتين القوميتين الدينيتين ننتقل لموجز في  المسيحي بحثه عن أمان المكان والمكانة وتفعيل مشاركته في الحياة العامة ولم يتوقف أمر المسيحي عند لون من الاضطهاد بل ضرب في عمق وجودهم عندما صاروا يتناقصون في نسب وجودهم بعد الهجرات القسرية لهم والتصفيات التي جرت بحقهم ففي لبنان تراجعت نسبة المسيحيين من 60% من تعداد السكان قبل عام 1975 إلى  %25اليوم، والأهم تراجع نفوذهم السياسي بشكل كبير وفي فلسطين تراجعت أعداد المسيحيين من 17% من تعداد السكان إلى أقل من 2% حاليا وبفعل أسلمة قضية فلسطين وسيطرة المتشددين على الشارع أُفرغت أحياء كاملة في بيت جالا وبيت لحم وبيت ساحور من سكانها المسيحيين، وتراجع عدد السكان المسيحيين في القدس من 50% عام 1920 إلى أقل من 10% في التسعينات… وفي وقت أصبح انزلاق العراق إلى مستنقع حرب طائفية أشبه بواقع الحال صار شبح تلك الحرب يهدد بجرالعراقيين جميعا إليها بما يتهدد بصورة خاصة مجتمع المسيحيين الصغير ويتوعده بالإبادة التامة.

إن المجموعات المسيحية في العراق تُـعَـد من بين أقدم الطوائف المسيحية التي مارست عقائدها الدينية في المنطقة منذ عهد السيد المسيح. إذ يرجع تاريخ الكنيسة الأشورية الرسولية إلى العام 34 بعد الميلاد على يد القديس بطرس. ويرجع تاريخ تأسيس الكنيسة الأشورية في الشرق إلى العام 33 بعد الميلاد على يد القديس توماس. واللغة الآرامية التي يتداولها المسيحيون في العراق اليوم هي نفس اللغة التي كان يتحدث بها هذان الرسولان ـ والمسيح ذاته.

وليس غريبا ذكر حملة الإبادة الجماعية الأرمينية التي شهدتها الفترة من 1914 إلى 1918، التي قُـتِل فيها ما يقرب من 750 ألف آشوري ـ وهو حوالي ثلثي تعدادهم آنذاك ـ على يد الأتراك العثمانيين.ولقد كانت مذابح سميل العام 1933 واقعة أخرى دفعت قسرا بالآشوريون للهجرة الإجبارية واستكمل الجريمة الطاغية بحرب الأنفال ليبيد قرى كلدانية آشورية بأكملها في كردستان فضلا عن الممارسات التضييقية من التسميات العربية والتعريب في السجل المدني إلى أمور التوظيف وما إليها …

لقد كان تعدادهم في عام 1987 في العراق حوالي 1.5  مليون مسيحي. واليوم لم يتبق منهم في البلاد إلا حوالي 600 إلى 800 ألف يتركز أغلبهم في سهل الموصل.  فر منهم مؤخرا حوالي ستين ألفاً، وربما أكثر، وأثناء عام 2004 تسارع خروجهم مع بداية حملة التفجيرات الإرهابية ضد الكنائس المسيحية على يد إسلامويين. وطبقاً لتقرير حديث أصدرته الأمم المتحدة، أصبحت الأقليات الدينية في العراق تشكل “هدفاً منتظماً للتمييز، والمضايقات، بل والاضطهاد في بعض الأحيان، حيث تتعرض لحوادث تتراوح ما بين الترهيب إلى القتل، وحيث يُـسْـتهدف أعضاء الأقلية المسيحية بصورة خاصة”.

الكورد وحملات الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها بمناسبة ذكرى جريمتي حلبجة والأنفال:

 

عاش الكورد في منطقة كردستان عبر تاريخ بعيد تنوعت فيها ظروفهم  العامة حتى وصلنا لعضرنا الحديث الذي تقرر فيه تقسيم كردستان على الدول المتجاورة  المعاصرة مع وعد بتحقيق دولة سرعان ما تمَّ سحبه باتفاقية لاحقة (سيفر) في عشرينات القرن الماضي.. ونهضت حركة التحرر القومي الكوردية بنضالات عنيدة وثورات قدمت فيها التضحيات الجسام فيما تم قمعها دمويا وتعرض الكورد لمذابح وفظائع كان أقساها وآخرها استخدام السلاح الكيمياوي ضد الشعب وإبادة آلاف القرى بساكنيها من النظام القمعي الديكتاتوري.. وللحديث عن هذه الذكرى ينبغي أن نصف الجريمة ونشحص بعذ مفرداتها:

فالأنفال من كبريات جرائم العصر الحديث عصر التحرر من عبودية النـُظـُم الفاشية وطغيان الدكتاتوريات بمختلف أشكالها. لقد كانت العقود الثلاثة الأخيرة سنوات الجمر من أجل ظهور شعارات الحرية وحقوق الإنسان وفي ظلالها حقوق الشعوب والقوميات المتطلعة إلى الاستقلال والتخلص من زمن التبعية والانتهاء إلى الأبد من كل مظاهرإلغاء الشخصية والهوية..

لقد خيضت الحرب ضد شعبنا الكوردي منذ إعلان آذار نفسه الذي كان انتصارا لنضالات القوى الوطنية العراقية ولكنَّه في الوقت ذاته تمَّ استغلاله ليكون غطاء لحرب الإبادة القذرة بذرائع مطاردة أعداء السلام والاستقرار والقانون وهو قانون العصابات الإجرامية وليس دولة الشعب ومصالحه. وهنا نسجل مشكلة انقسام قوى السلم والحرية وما تخلقه من ظروف غير طبيعية وتعقيدات للنضال الوطني التحرري…

ففي شهرين فقط من سنة 1978 تمَّ إبعاد 28 ألف عائلة أي حوالي 200ألف نسمة من القرى الحدودية وبدأت ما تُسمى اللجنة العليا لشؤون الشمال بقيادة الطاغية صدام نفسه والمأساة ستأتي بعد ذلك عندما يتم اعتقال آلاف من رجال المنطقة وصبيانها وشيوخها ونقلهم إلى جهة لم يُكتشَف أثرهم جديا حتى يومنا ولكن التقارير والوثائق المكتشفة في المقابر الجماعية تؤكد إعدامات بالجملة…

ومنذ آذار 1987 وحسب المرسوم 160 من مجلس قيادة الفاشست يبدأ علي كيمياوي حملته الإجرامية وتحت أمرته ما يسمى مكتب تنظيم الشمال والفيلقان الأول والخامس والقوات الخاصة وقوات الطوارئ وآخرين..وفي أيام معدودة جرى حرق القرى التي بُنيَت بجهود أهلها طوال عشرات السنين وقد عملت البلدوزرات على تنفيذ الأوامر مع طائرات الهليكوبتر وتمَّ في مرحلة أولية من تلك الحملة الواسعة هدم حوالي (703) قرية  منها 219  في أربيل و122 في كرميان و320 في السليمانية وبادينان… وتمَّ توزيع أبناء قره ته به في الرمادي وفي حزيران 1987  تمّ بأوامر علي كيمياوي شمول ألف قرية أخرى باسم القرى المحظورة التي يجري محوها من الخارطة…

وفي أيلول سبتمبر 1987 كان قرار حجز الذكور بين أعمار 12  ـ  50  حسب علي كيمياوي  وهنا قائمة ببعض الضربات الكيمياوية التي تمت في إطار حملات الأنفال لكي نؤكد فيها على أنَّ مسألة الكيمياوي ليست التباسا أو جريمة من طرف غير معروف ولكنّها عملية اعتادت قوات الموت الصدامية على ممارستها مع أبناء شعبنا العراقي وبالذات مع شعبنا الكردي كما توضح هذه الأرقام:

15.04.1987 قصف [هه له وت\به ركه لو\كاني توسيروان\جنارته\اوزيه\نولجكه وكلها تابعة للسليمانية]

16.04.1987  قصف جوي وادي بيلسان شيخ وسان حيث موت كل سكانها الـ 400 نسمة [توتمه\كاني به رد\باليسان \ زيني \ بيراوه \ ئالانه \ دراش\ جبال آراس وده \ شيرو ساو سيوه وكلها تابعة لأربيل]

ضد مواقع الثوار في خه جه له رووك \ تويرتك \ دوبرا \ قه يوان \شاخه سور \ قوله بوشين أثناء ملحمة تحرير كردستان من جند الطاغية

17.04.1987 قصف جوي قزلر \سنكر \ ميولاكه \ وهي تابعة للسليمانية

18 إلى 20 ابريل 1987 أطنان من القنابل على الثوار في مرتفعات خه جه له رزوك \كويرنك \ دوبرا \ مريوان \ ماوه ت\ شاخه سور \ قوله بوسنين \جبال بيره مه كرون السليمانية

20 أبريل قصف جوي مدفعي لقرى باليسان

21 أبريل  مدينة قره داغ سليمانية

أول أيار قصف جوي مدفعي زيوه دهوك

5 أيار قصف جوي مدفعي حوالي 100 مائة قنبلة نازنين كاموسه ك  اسبينداره  علياده وه رى سماقولي

23 أبريل   ماله كان  كوره شير  نه ندوره  +  في أربيل

25 أيار قرى باليسان كاني بهرد وه رى

6 حزيران  سفح جبل كيوه ره ش  سليمانية

7 إلى 8 حزيران قرى باليسان سماقولي  ته ره وان  بني حرير

 9 حزيران   قرى باليسان

27 حزيران قرى زيوى

3 أيلول  به رنه لو  سليمانية وأربيل

25 شباط     سليمانية أربيل

منتصف آذار 1988  قمة القصف

21 – 22 آذار مناطق حدودية

14  أكتوبر 88 ريزان في السليمانية شيخ بزين في كركوك

إنَّ جريمة الأنفال لا تقف عند حدود القتل والتصفية والإخفاء وما يُدعى جرائم الإبادة الجماعية ولكنها فوق ذلك تضمنت لمن لم تطاولهم جريمة الإبادة أيضا جرائم ضد الإنسانية من جهة الحجز التعسفي وتحقير السكان والتمييز العنصري وما ظهر في ضوء تلك الجريمة من إرهاب وما أثاره من قلق وخوف وخلق الرقيب الداخلي وانقطاع عن العمل الجمعي لانعدام الثقة لأمور من مثل وجود العملاء وغيرهم وهكذا فإن الاعتداء النفسي هو جزء من الجريمة التي شخصتها اتفاقية ضد التعذيب الدولية في موادها العاشرة والثالثة عشر..

ولعل الإشارة هنا تسجل ما يثيره الرعب والإرهاب من شل للقدرات العقلية بما يُفقِد الشخصية هويتها ويجعلها خاضعة تابعة لإرادة نظام الاستبداد والقمع والحقيقة هنا تكمن في مخاطر موالاة بعض النخب لما يسمونه العادل المستبد التي تجد بعض أصولها في فكر قوى متأسلمة تضليلية مثلها مثل استغلال النص الديني كما في مسمى الأنفال لحملة نقيضة لقيم الإسلام السمحاء. وهذه الموالاة التي تجد من يتبعها في أرضيةِ شخصيةِ ِ تتقبل الصيغ اللاعقلانية والغيبية ومعارضة الحركات الليبرالية كونها إفساد للمجتمع حسب التشويه والتضليل الذي عشنا بعض فصوله ونعيش فصول أخرى منها اليوم…

 ولابد لنا في إطار معالجة آثار تلك الجملات الإجرامية بعد سقوط مرتكبيها أسرى العدالة، لابد من مواصلة إجراء المحاكمات المطلوبة بحقهم لكي لا نترك فرصة لطرف آخر ليفكر بتكرار الجريمة المهولة تلك.. ولكي نمحو الآثار الناجمة عن وقوع الإبادة المادية بالقتل والاعتداء الجسماني وإعاقة التناسل.. والإبادة المعنوية كالاعتداء النفسي والإخضاع لظروف العيش المهينة والنقل لظروف معيشة مختلفة لغة وتقاليدا كما يمكن هنا الإشارة لجريمة بشعة تمثلت في بيع نسوة كرديات في سابقة الرقيق الأبيض في عصرنا بوصفها وصمة عار في جبين زمننا حتى يجري الانتهاء من المحاكمات العادلة التي تقدم شيئا من الإنصاف للضحايا إذ لن يعوض الضحايا ما سُرِق منهم…

ولابد هنا من تصنيف جملة من العواقب التي يمكن أن تنجم عن إهمال قراءة الجريمة والانتصاف للضحايا:

  1. العواقب الأخلاقية التربوية:  وما تتركه الجريمة من آثار نفسية تحفر عميقا في الأنفس عند الأبناء والزوجات وعند مجموع الشعب الكوردي.. وسيكون التأثير السلبي أكبر وأعمق إذا ما وجد هؤلاء قلة الاكتراث وعدم التعاطي مع حجم الكارثة الإنسانية التي حصلت بحق ذويهم والشعب الكوردي عامة.
  2. العواقب القانونية الدستورية: فجريمة الأنفال هي مجموعة متنوعة من الجرائم من الإبادة وضد الإنسانية وهي من ثمَّ ليست جريمة عادية بسيطة إنَّها جريمة لا تنتهي بالتقادم الزمني إذ ما زالت وتبقى آثارها من دون معالجة جدية بمستوى خطورتها وحجمها الحقيقي.. ولكننا هنا نشير إلى أنَّ العواقب الدستورية ستكمن في أنَّ إغفال الجريمة سيعني صعود نجم التعاطي مع المركزية بوصفها التعبير القانوني عن الوحدة الوطنية ومن ثمَّ استلاب الكورد وغيرهم أيضا من حقوقهم القومية حيثما تمَّ التقليل من حجم الجريمة وجرى إغفالها أو إهمال قراءتها الصحيحة..
  3. العواقب السياسية: حيث ستفضي حالة إهمال دراسة الجريمة وآثارها إلى القبول بطروحات رفض الفديرالية ومن ثمَّ رفض الحقوق القومية العادلة للكورد.. بينما لن يضمن تلك الحقوق إلا العيش في ظلال اعتراف مسؤول بحق الكورد في الوجود القومي المخصوص بهويته عبر إجراءات سياسية محددة ومنتظرة اليوم قبل الغد.. وهي هنا أي العلاجات ينبغي أنْ تصبَّ في إزالة الحساسيات في العلاقات بين الأطراف جميعا بخاصة بين أطراف سياسية عربية وأخرى كوردية أي بين أقسام الشعب العراقي وقواه السياسية الوطنية الصادقة وتقديمها الصحيح عبر مواقفها المسؤولة من هذه الجريمة النكراء.. ويقع على الشخصيات العربية بالتحديد مسؤولية مضاعفة في هذا المجال لما لهذا الأمر من خصوصية التأثير…
  4. العواقب الإنسانية :   حيث الضحايا بلا تعويض فحتى ضحية الجريمة العادية يجري تعويضها ولكننا هنا بصدد جريمة كبرى مركبة جرت بحق مئات آلاف الضحايا وبحق شعب بأكمله فأين التعويضات التي تسد جانبا من بقايا آثار الجريمة وهي لن تردَّ القتلى إلى حيواتهم ولكنها معنويا تعيد حقوقهم وماديا للشعب المُضام ما يُنتظـَر من تعويض جدي مناسب…
  5. العواقب القومية: تلك التي تقوم على جلد الذات وتأنيب الضمير القومي تجاه عملية التجاهل من الآخر والسكوت عليه من قوى القومية الكوردية ما يفضي إلى قطيعة تحفر مزيدا من التطرف القومي الذي لا يصب في الروح الانفصالي على المستوى العراقي في الظرف التاريخي الحالي بل إلى الانفصال العدائي بين القوميات المتآخية على المستوى التاريخي المقبل وهو أمر سنكون مسؤولين عنه حيثما أغفلنا التعاطي مع خطورة الجريمة وحجمها..لأنَّ إشكاليات الشعور بالقصور في الرد لضحايا الجريمة أمر سيصب في تعزيز التعصب القومي في زمن نحتاج لانفراج بين القوميات وتآخِ ِ وتوحّد … بخاصة اليوم على الصعيد الوطني العراقي حيث من المصلحة البقاء في وحدة تاريخية مشهودة للوطن العراقي حتى تحين الظروف التاريخية الملائمة لأية متغيرات أخرى..

وبخصوص مؤتمر اليوم لتكن شرارة القرار منطلقة من هنا في دعوة صريحة واضحة بالخصوص بتشكيل مركز للدراسات والبحوث الوطنية العراقية لمعالجة الآثار والمشكلات الناجمة عن الجريمة ولتشكيل وزارة للقوميات العراقية تكون مسؤولة عن تصفية كل ما من شأنه التأثير سلبا على الوضع العراقي وعلى مستقبل القضايا والحقوق القومية المشروعة التي ترفض القسر في أي قرار على المستوى العراقي أو مستوى قومياته المتآخية اليوم في إطار السيادة العراقية والتي من حقها تحديد شكل العلاقة في كل مرحلة من المراحل اللاحقة…

خلاصة ونتائج:

إذن تتعرض المجموعات القومية والدينية في العراق لهجمات مستمرة تستهدف حيوات أبناء العراق من الكورد والتركمان والكلدان الآشوريين السريان والأرمن وغيرهم من الصابئة المندائيين والأيزيديين من أصول وادي الرافدين وبُناتِهِ الأوائل، كما يتعرضون لجرائم مختلفة أخرى من الخطف والتهديد والتعديات بالضرب والبلطجة ومهاجمة محالهم التجارية ومصادر عيشهم ورزقهم المشروعة وأكثر من ذلك وأخطر مهاجمتهم في بيوتهم الآمنة ورمي العوائل في الشوارع ومصادرة و [فرهدة] أملاكهم.. أما بيوت الله وأماكن العبادة فقد هوجمت وأُحرِقت وفُجِّرت حتى طاولت تلك الجرائم مواضع كثيرة إنْ لم تحسب بوصفها دور العبادة فهي من ثروة العراق الوطنية وسجله التاريخي العريق؟!!

الحق هنا أن مئات ألوف العراقيين المخلصين لبناء بلاد الرافدين رحلوا أو هم في طريق الرحيل بعيدا عن موطنهم لما يتعرضون له من هجمات إرهابية وهم في وضع مكشوف بلا حماية! ومن الطبيعي أن يكون هذا القرار فيه من الخطورة على التركيب السكاني لبلادنا التي اعتادت أنْ يكون وجود هذه الفسيفساء لأطياف البلاد سببا موضوعيا جديا لإثارة أجواء التسامح والاعتدال والتعايش بين مجموع مكوِّنات شعبنا على أساس من التعايش السلمي والتفاعل الإيجابي بين تلك المكوِّنات..

وهكذا سيكون مثل هذا الترحيل القسري سيكون سببا في تحضير أرضية التطرف وهيمنته وفي تحضير أرضية العداء والتنافر والاقتتال وفي مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية في بلادنا.. كل ذلك بناء على أهواء ساديين من المجرمين العتاة الذين يزعمون دفاعا عن دين بعينه وهو براء منهم.. أما حقيقتهم فتكمن في إرهابية توجهاتهم العنفية الدموية المعادية لقيم الإنسانية والتسامح بين المجموعات البشرية المتعايشة بروح المواطنة الصحيحة..

إنَّ الجريمة أخطر من تلك التي جرت بحق يهود العراق عندما جرت عمليات [الفرهود] المعروفة بحقهم وتهجيرهم بما قدم خدمات مجانية لضرب الحركة الوطنية وإضعافها ووضعها في زوايا ضيقة في ميدان الفعل السياسي الوطني العراقي المحلي والإقليمي.. واليوم نحن نجابه ما هو أوسع لنسبة وجود العراقيين من مجموعات قومية متعددة تدين بالمسيحية والمندائية والأيزيدية وتنتمي للعراق مواطنةَ َ: مشاعرا واعتقادا.. وليس لنا بالخصوص إلا مزيدا من الدفع بواقعنا نحو وقف الجريمة وتوفير الحماية الحقة الكافية لأخوتنا من مواطني العراق…

أما كيف نعالج الأمر سواء في العراق أم على امتداد البلدان العربية جميعا؟ فبودي بعد هذا العرض الموجز السريع لهذه القضايا أن أتحدث عن عوامل العلاقة بين أمة الأغلبية الغالبة أو المنتصرة وبين مجموع شعوب هذه البلدان المسماة أقليات وينبغيهنا الآتي:

  1. إقامة علاقات التآخي على أساس من المساواة وإلغاء الهيمنة والمصادرة والاستلاب في العلاقة بين الأطراف كافة…
  2. ينبغي للحركات والتيارات السياسية والاجتماعية أن تُجري عمليات تطهيرذاتية ومراجعة للبرامج بما يجعل الوطنية والمواطنة أساسا معتمدا في العضوية والفعل وفي صياغة برامج الحياة البديلة برامج الديموقراطية الحقة..
  3. وما ينبغي أنْ يظهر بوضوح يتمثل في إدانة للسياسات الماضوية الخاطئة وللجرائم المرتكبة بالأمس وفي راهن أوضاعنا وفي اعتماد خطط موضوعية تمنح الحق لأهله من حيث نمنع أو نقطع الطريق على التدليس والمزايدة والأقنعة والبراقع..
  4. هنا يأتي دور ممثلي المجموعات القومية والدينية ليقول لا لأي تحالف مع قوى لا تتفق وروح التعدد والتنوع والتفاعل بين مكوِّنات شعوب هذه البلدان.. ومن الطبيعي أن يكون مكشوفا بوضوح نهج هذه القوى الطائفية فليس من منطق يجمع بين الطائفي والاعتدال والتنوّر! أما ما ينبغي الاستجابة له فهو مزيد من التحالف مع القوى العلمانية الديموقراطية فهي الضامن الحقيقي للحريات العامة وللعدالة ولحفظ أمن المواطن والوطن وحمايتهما سواء جرت الإشارة للتجربة العراقية أم لأي بلد آخر كما في السودان أو لبنان أو غيرهما…
  5. إنَّ الحل لا يقف عند التفكير في يومنا بل علينا وضع ستراتيج للغد وقد يكون من المناسب انتخاب برلمان قومي لأي مجموعة قومية دينية كما هو حال الكلدان الآشوريين السريان في العراق غيره..
  6. وسيكون لهذه التجربة العراقية في التحضير للبرلمان القومي أنْ  يبدأ عهدا جديدا حيث البرلمانات الاتحادية لكردستان العراق وللكلدو آشور ولبقية مكونات العراق ومن ثم يتشكل من ممثلي البرلمانات برلمان أو مجلس القوميات الذي يحفظ للجميع حقوقهم في رسم حاضر البلاد ومستقبلها ويوازن ما يجري في البرلمان الاتحادي المركزي..
  7. والصحيح في العلاقة بين مجموع الأطياف المكونة لكل بلد يكمن في إلغاء استغلال فكرة أغلبية وأقلية، فالمواطن كامل الحقوق أيا كانت مرجعياته الدينية أو القومية وعلى الجميع احترام التنوع والتعدد في البلاد لتكون حقوق الإنسان بعيدة عن  المزايدة أو أية منقصة من الآخر.. وهذا لن يتوافر بتحالفت القوى القومية ممن يسمونها الأقليات مع التيار اليدموقراطي والعلماني ضد الطائفية والانعزالية والشوفينية القومية لبعض القوى العروبية السلفية المنحى…
  8. كما لابد من الانتهاء من قضية التسميات القومية والتناسبات السياسية والدينية فهذه الشعوب مهددة وليس من قوة قادرة على إنقاذ الوضع ما لم تتحالف القوى المعنية اليوم قبل الغد على أمور جوهرية مباشرة ومع القوى الضامنة لوجود الشعوب الحقيقي في بلاد الأجداد ..
  9. وحتى يجري تطوير التشكيلات التشريعية والقضائية والتنفيذية على أسس وطنية توحد لا تفرّق وتعضد التفاعل لا تشطِّر ولا تقسِّم يلزم لنا أن نعمل بشكل جدي فاعل وبتوحيد لجهودنا بمعون مؤمل من القوى الدولية لكي تضغط وتمنع الأصابع المرضية في مجتمعاتنا من ممارسة أدوارها التخريبية لابد من:

أ‌.                 متابعة ممارسة طقوسهم وحياتهم الطبيعية بشعائها المخصوصة بكل حرية وأمان…

ب‌.            توفير الفرص لثقافتهم القومية والدينية المخصوصة بطبع كتبهم ونتاجهم بلا قيود ومصادرات..

ت‌.            منح العناية الوافية برعاية اللغة وتعليمها وبأبنية تُعنى بهوية الشعب المعني…

ث‌.            إعلان رجال الدين من المذاهب والمؤسسات الإسلامية حرمة الاعتداء على أصحاب الديانات الأخرى جميعا وإجراء لقاءات تطبيعية تعلن للملأ أن رجال الدين من كل الأطراف ضد ما يجري للمندائيين والأيزيديين والمسيحيين وغيرهم من قتل واستلاب حقوق..

ج‌.             تحفيز الأنشطة الثقافية والإعلامية المناسبة بالخصوص.

ح‌.             إدخال ما يساعد على توطيد العمل الوطني المشترك ويطبِّع العلاقات مؤكدا مسارها التاريخي الصحيح بين مجموع مكونات البلد الواحد..

خ‌.             الإفادة من مؤتمرات وطنية ودولية دورية يجري إعدادها بالخصوص لما يقدم الحلول المناسبة لحماية المجموعات القومية والدينية  وجعل حيواتهم آمنة مستقرة غير معرضة لأي ضغط سلبي بما يمنح الفرصة لتفعيل إبداعاتهم وأنشطتهم عامة..

د‌.                تفعيل تجاريب عدد من الحركات السياسية والثقافية والاجتماعية ولمؤسسات المجتمع المدني معالجتها بالخصوص على المستوى الوطني للبلاد عندما أوجدت منظمات وفروع شبه مستقلة تمثل الأطياف الموجودة في البلد المحدد..

ذ‌.                ويمكن للقوى الدينية [المعتدلة المتنوِّرة] أنْ تسحب البساط من تحت أقدام أولئك الذين يحرثون في أرض الاختلاف الديني معولين على فلسفة التكفير والتحريم وبهذا نقلل من مصيبة تسخير الديانات بطريقة تتعارض مع جوهرها في الجنوح للسلم والمجادلة كما يفعل المتشددون المتطرفون…

ر‌.              إزالة مصطلح أقليات التهميشي الظالم واستخدام أسماء المجموعات القومية والدينية بوضوح…

ز‌.              تعويض ضحايا جرائم الاعتداء المباشر وغيره وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية والخولوكوست الشوفيني التي جرت بحق الشعوب المستعبدة المضطهدة كل حسب الظرف الوطني والقومي  والديني الخاص…

س‌.           فتح كل مجالات العمل السياسي والاجتماعي في المستوى الوطني العام بلا حدود وقيود قسرية لحساب طرف على آخر…

أرقام عراقية:

العرب (الشيعة والسنة)                                           71.1%

الأكراد (السنة والشيعة “الفيلية”)                                  19%

الآشوريون والكلدانيون والأرمن (جميعهم من المسيحيين) 03.1%

اليهود                                                                02.6%

التركمان (السنة والشيعة)                                            02%

الفرس الشيعة                                                       01.2%

الإيزيدية والشبك والصابئة المندائيين                              01%

المسلمين 93.3%، وعدد الديانات الأخرى                     06.7%

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *