أولويات العلاقات الإقليمية والدولية في المرحلة الراهنة

أصل الأمور في العلاقات الدولية يكمن في توطيد جسور التعاون وآلياته؛ وفي تبادل العلاقات على وفق المصالح المشتركة وحظر التدخل في الشؤون الداخلية واحترام الآخر وحقوقه  وإنعاش علاقات التعايش السلمي على الرغم من وجود التعددية والاختلاف. ولطالما خضعت تلك العلاقات لمنطق مجريات الأمور واقعياً على الأرض من قبيل فرض سلطة دولة مركزية وذات نفوذ وقوة بالمعنى الأوسع والأشمل لمصطلح قوة. وربما خضعت دول للاحتلال في ضوء ظروف بعينها أو صارت تابعة بشكل من الأشكال بينما القصد الصحيح يتجسد في انعتاق الشعوب وتحررها وفي أن تكون بظلال دولتها أو خيارها في الاتحاد مع دولة أخرى.

وتاريخياً فرضت حال التجاوز من دولة على أخرى إعادة النظر وضبط العلاقات بقوانين دولية تحكم الأمور وتمنع أية خروقات كما تحظر الأفعال التي تستلب حق دولة أو أخرى أو تخرق سيادتها أو تتجاوز عليها. لكن ذلك لم يمنع من إثارة المشكلات الأمر دفع لعقد اتفاقات ثنائية ومتعددة الأطراف في أحلاف وأشكال علاقة تنضبط بمحددات المعاهدات والاتفاقات التي تستدعيها الظروف المخصوصة. ولربما جرى إضافة ملحقات للاتفاقات وتعديلات مستمرة في ضوء المتغيرات ثنائيا وجماعيا.

ولابد من الإشارة إلى ولادة الأحلاف الدولية الاقتصادية منها والعسكرية وغيرهما من أسس الأحلاف؛ ثم ما دفعت إليه تحولات أخرى من ولادة المنظمات الدولية وقوانينها ولوائحها وبعضها الملزم في إجراءاته ميدانيا الأمر الذي يفرض تدخلا مباشراً عسكرياً عند الاقتضاء. كما ظهرت المحاكم الدولية ومنها محكمة العدل والمحكمة الجنائية بصيغ تستجيب للقوانين الضابطة.

وهناك تفصيل معقد للقضية أي للعلاقات الدولية؛ لكن ما يهم في هذه المعالجة هو مجريات تلك العلاقات بمنطقة الشرق الأوسط.. وما استجد وفرض أولوياته على سماتها إقليمياً. فلقد ظلت الأمور محكومة لعقود بالإشارة إلى الصراع الاستراتيجي بين إسرائيل والدول العربية وإلى تلك الاختلافات بين هذه الدول من جهة وبينها وبين دول المنطقة شمالا شرقا بالإشارة إلى تركيا وإيران وما وراءهما.

إنّ متغيرات كبيرة وجوهرية جرت على طابع الصراعات بخاصة في ضوء الانسحاب الإسرائيلي من سيناء وأراض لبنانية واتفاقات السلام التي عقدتها القيادة الفلسطينية باتجاه حل الدولتين، المعتمَد في المبادرة العربية مع ضمان حق تقرير المصير لجميع شعوب المنطقة. وبالمقابل جرت متغيرات أخرى بسقوط أنظمة شمولية مع صعود نجم ظاهرة الإسلام السياسي ومن ثمّ انتشار الخطاب الطائفي وحركاته واستقطاباته محليا دوليا، واختلال الأوضاع الوطنية في بلدان المنطقة وفي ضوئه انقلاب الموازين وبروز ظاهرة المراكز الإقليمية ومواطن ثقل واستقطابات بوجود ولادة لأدوات بلطجة أو تدخل وتأثير سلبي مستجدة في العلاقات.

من جهة البلدان العربية، سقطت الأنظمة المركزية التوتياليتارية  ولكن من دون ولادة البديل الديموقراطي بسبب انحراف الهزات الراديكالية بوساطة سطوة قوى الإرهاب الإسلاموي على مجمل الأوضاع، فكان هذا مناسبة لمزيد من التهاوي والسقوط في براثن التمزق وانهيار الوضع العام وانعكاس ذلك على طبيعة العلاقات البينية إقليمياً دولياً.

لقد كان من بين ما أدى إلى هذا الوضع المأساوي  المطامع الأنانية للأنظمة الحاكمة في بعض البلدان العربية وسياساتها المرضية في التعاطي مع قضايا الأمن القومي الأمر الذي ولَّد سلبيةً قامرت بشعوبها وأمنها استراتيجياً بإهمالها التكامل بل بانتهاجها سياسة مشاغلة شعوبها بافتعال الخلافات والاصطراعات التي مهّدت الميدان للقوى الإقليمية كيما تخترق الحدود وتؤسس لنواتات التدخل!

لقد باتت العلاقات محسوبة بحجم الميليشيات والحركات والأحزاب الموالية بأسس مذهبية وفكر طائفي ماضوي سطا على الرأي العام بوساطة البلطجة الميليشياوية والفساد والإفساد المافيوي للمال السياسي… وهكذا فإننا غادرنا لبنان بتعدديته وثراء تركيبة شعبه لنلج في ظلال سلاح ميليشيا حزب طائفي معروف لبنان التمزق المأسور إلى تأثيرات دولة إقليمية كبيرة [إيران] ومثله تنامت الأوضاع في اليمن بوجود جهات طائفية الأسس في حراكها وصلاتها الخارجية على حساب علاقاتها بمكونات شعبية أخرى لليمن!

وما بعد العام 2003 جرى تغذية ميليشيات مدربة لعقود في إيران  لتسسطو على الأوضاع المحلية في العراق وتقدم نفسها بصيغ حركات سياسية وأحزاب انتهجت جرائم التطهير الطائفي والعزل بين المدن والمحافظات وتدريجا أنهت وجود التعددية بشكل شبه نهائي. فأخرجت المسيحيين والمندائيين وحتى المسلمين من مذاهب أخرى من مدن الجنوب العراقي! ومن تمسك ببقائه أما جرت بلطجته وإكراهه على تغيير دينه ومذهبه أو جرت تصفيته!! والكارثة الأنكى أنّ تلك القوى انفردت بالسطة الاتحادية وفرضت نهجها على بقية جغرافيا البلاد…

في ظل هذه الأوضاع وتشرذمها داخليا صارت فرص فرض علاقات بينية لدولتين أو أكثر أو في الأداء الإقليمي محكومة بطريقة الاستقطاب الطائفي.. إذ أشاع الضخ السياسي الإعلامي مصطلح إيران (الشيعية) والسعودية (السنية) وفي ظلال ما يجري يعيد المواطن البسيط الأمور التي تجري معه إلى هذا الاستقطاب ؛ كما يعيد السياسيون ورجال الحكم الطارئين على السلطة وممارساتها والمندرجين بفلسفة الطائفية وحراكها الأمور التي تخص الدولة وعلاقاتها إلى الاستقطاب نفسه!!

ومن هنا يمكننا قراءة لماذا يرى الرئيس اليمني أنّ ضغوط الحوثيين عليه وعلى صنعاء العاصمة وعلى مجمل الوضع اليمني هو في الحقيقة انعكاس لإرادة إقليمية ممثلة بإيران التي ترغب بمقايضة دمشق بصنعاء! ولربما صحت (بعض) مفردات هذا من حيث التوصيف الخارجي والمباشر للحالة، إذ أنّ جوهر الصراع عميق ضارب بجذوره داخليا…!؟

كما يمكننا قراءة أسباب محاولة الدولة اللبنانية النأي بنفسها عن الصراع  في سوريا وهو ما دفع بخلافه إلى تدخل حزب الله، ما ارتدَّ على لبنان باضطرابات لها أول وليس لها آخر.. فامتداداتها مازالت بخاصة في معادلة العلاقات الإقليمية سواء من جهة ضمان الهدوء على الحدود اللبنانية الإسرائيلية بعد انسحاب الأخيرة واتفاق الهدنة أم بشأن الحراك المتشدد المتطرف للقوى الإرهابية بسوريا التي تخترق الحدود بدوافع طائفية مفضوحة..

 ولنا أنْ نقرأ جانب من الأزمة السورية في ارتكاب النظام السوري جريمة عسكرة صراعه مع الشعب الثائر ومحاولة سحب أرجل الآخر نحو ميدان يطيل أمد الصراع فيما يتسفيد هو من تدخلات النظم الإقليمية بوساطة دفعها الميليشيات الطائفية الإيرانية والعراقية فضلا عن التسليح.  إنّ لعبة العلاقات بين دول المنطقة وضعتها بين دول استقطاب كبرى وأخرى جرى إضعافها وتفكيكها وجعلها تابعة في فلك التحالفات القائمة على منطق الأداء الطائفي المزعوم بغايات الدفاع عن مكونات منغلقة على وجودها في البنية الوطنية..

الآن في مثل هذه اللحظة التاريخية شعوب المنطقة بحاجة لدراسة بدائلها من أجل استعادة الاستقرار محليا وطنيا وإقليميا. لمنع أشكال الاحتراب في إطار الدولة الوطنية بخاصة هنا القائمة على افتعال الشحن الطائفي والعزل بين مكونات الدولة ووضعها بمواجابهة تقتتل فيها بما يأتي عليها ويجعلها جاهزة للاستغلال والابتزاز ولمزيد من الاختراقات والتدخلات المستغِلّة لعناصر وأصابع محلية… وكذلك لمنع أشكال الحروب الإقليمية غير المبررة بعد أنْ أوقعت ضحايا من الأبرياء بأحجام كارثية…

إنّ قيم الانتقام وافتعال الاحتراب وتشويه العلاقات بين الشعوب لمآرب قوى تتحكم بها، هي من ماضي الصراعات المصطنعة. بينما ينبغي للشعوب ألَّا تبقى محكومة بمنطق مضلل يعزف على العنف والحرب. فمصالح الشعوب تكمن في إقامة جسور التآخي وحسن الجوار والتعايش السلمي والتكامل في خطى  التنمية والبناء. فهذا هو منطق العيش الإنساني الأنجع والأفضل…

وهذه الخطى تتطلب الخروج من عنق زجاجة الأسر بماضويات عفا عليها الزمن. لأنَّ الشعوب يجب أنْ تقرر مصائرها سواء بخصوص رسم نظام الحكم ديموقراطيا أم الانعتاق والتحرر من الماضويات السلبية من قوانين دافعة نحو علاقات التوتر إلى قيم ضابطة لجسور الإخاء والتعاون البنائي… إنّ بعبع هذا الطرف ((العدو الوجودي)) الذي يلزمني بتصفيته قبل أنْ يصفيني هو أحد أخطر تلك الخطابات المرضية التي تركوها تعشعش فينا جيلا بعد جيل ما يتطلب منا وعيا جديداً وإرادة حرة تثور على تلك الفروض الاستعدائية…

إنّ أول طريق التغيير يعتمد على تحويل الإيمان بمبدأ إلى واقع شامل من الإجراءات المنتظرة من دون تردد أو خشية مع الانتباه على ضرورة قطع الطريق على ردود الفعل السلبية واحتمالات التقوقع والانعزال خلف متاريس الرعب من التغيير بخاصة في ظل التشوش والتداخلات غير الطبيعية بكل نتاجاتها المريعة…. ومن هنا يمكننا البحث في خطى التغيير وطنيا باتجاه رفض فلسفة الانقسامات على ((كانتونات طائفية)) أو دويلات هزيلة الوجود بأسسها الطائفية المحكومة ببلطجة ميليشياوية لكن هذا لا يجب مطلقا أن يكون بتعارض مع تطلعات الشعوب في رسم خياراتها بالانعتاق وأخذ حقها في الوجود المستقل كما في حالتي شعب فلسطين وشعب كوردستان بعيداً عن الفروض القسرية المسبقة لشكل الخيار…

ومن الطبيعي في ضوء التغييرات التي تستجيب لإرادة شعوب المنطقة وطنيا، أنْ تستجيب الخطى التالية لإرادة الشعوب في تحقيق علاقات دولية مفتوحة، تقوم على التعايش السلمي ومدِّ جسور العلائق خارج العقد والعقابيل التي ترى في الآخر وحشاً يجب مناصبته العداء الأبدي! وبهذا فإنّ ارتفاع أعلام جميع الدول والشعوب سيكون من رموز التفاهم والتفهم وإدراك التطلعات التي وجَبَ  أن نشرع بها اليوم لا أنْ نؤجلها ولا أنْ نتردد في المبادرة ولتكن خطى العلاقات بمضامين تحترم مصالح الشعوب وتغادر مفاهيم الحرب لقوى غاشمة تحكمت بدول المنطقة طوال عقود وجودها منذ الحربين المنصرمتين…

وفي ضوء ذلك سيكون علينا التبشير بعلاقات شعبية تؤسس لعلاقات دولية إقليمية مختلفة نوعيا وهذه هي الصورة التي تحتاج لخطط استراتيجية تنظر من جهة لردود الفعل وتجنب الاستفزاز والتركيز على ما يعالج كل ما يعرقل فرص بناء علاقات سليمة بدءا من التخلص من قوى الإرهاب ومرورا بإنهاء فلسفة الطائفية التقسيمية وليس انتهاء بتلبية حق تقرير المصير ووحدة إرادة شعوب المنطقة ومصالح دولها المشتركة وضرورة تبني أسس التكامل البنيوي…

فهلا تنبهنا على قراءة جدية جديدة تتخلص من عقد الماضي وآلياته بتغعيل ثقافة سلمية جديدة!؟؟؟

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *