نوافذ وإطلالات تنويرية ح 11 الخضوع لسلطة (القديم) تبريراً للعجز وارتكاب الأخطاء

نوافذ وإطلالات تنويرية

 يكتبها: د.تيسير عبدالجبار الآلوسي

مقتبس من الإطلالة:

القديم هنا، حيث التكلس والجمود يمثل عقبة كأداء بوجه التفكير العلمي متعارضاً مع منطق التغيير، وهو بهذا يصطنع سلطةً، توظف الجهل والتخلف لتستغل الإنسان المحبط ولا تقدم له بديلا سوى الوهم”

 

نوافذ وإطلالات تنويرية ح 11 الخضوع لسلطة (القديم) تبريراً للعجز وارتكاب الأخطاء

في فقرات سابقة أشرنا بمعالجتنا إلى سمات التفكير العلمي ومنطقه وإلى بعضٍ من العقبات التي تنفرز عن عوامل ذاتية كما في سمة الكسل والتعاجز وأخرى تنفرز عن عوامل موضوعية بتأجيل ضرب الأمثلة الآن.

ولعل مما يتركب من تفاعلٍ بين العاملين الذاتي والموضوعي هو العلاقة بالسلطة وأشكال توظيفها الواعي وغير الواعي أو السليم والسلبي حيث تبقى السلطة هنا بوصفها عقبة أمام التفكير العلمي بأحد أوجهها، مبرر العاجز كي يتخلص من اللوم فينسب أخطاءه بعيداً عن علّةٍ تكمن بحقيقتها في كسله وعجزه ليُسقِطُها أو ليوقعها برقبة جهة مسؤولة عن قراراته وسلوكياته، هي عادة سلطة سياسية أو اجتماعية أو تلك التي تدعي كونها دينية تمثل القدسية الإلهية حصرياً..

ويبدو إسقاط القدسية على سلطة فكرية أو غيرها، ليس منبعه واحداً حيث يأتي بالجبر والإكراه الفوقي على جمهور ولكنه (قد) يأتي منّا نحن حيث خضوع (بعضٍ منّا) و\أو خنوعهم لتلك السلطة، فيكون ذلك مقدمة للجمود البائس الذي أشرنا إليه للتو، وللتملص من المسؤولية ومن واجبات العمل العام، التملص من مهام التغيير ومن أنسنة الوجود التي ينبغي تلبيتها بـ منطقٍ عقلي علمي يحترم آدمية البشر..

كما أنّ هذا التقديس (المُدَّعى أو المزيف تحديداً) يظل مضراً حتى للمفكرين والفلاسفة؛ كما حصل لأرسطو الذي جاء نقده بعد مئات السنين مفتاحا لتغيرات علمية عميقة، بينما ظل التحنط على طروحاته منطقاً سلبيا عائقاً لمسيرة متصلة مؤملة لخطى التقدم على وفق منهج التفكير العلمي..

ولكن كيف نرصد آلية منح السلطة الإجلال والقدسية؟ وما العلامات والخطى التي توفر الغطاء لذاك الإجلال المخصوص، وكيف تتبدى تلك السمة عقبةً أمام التفكير العلمي؟

لعلنا يمكن أن نرصد حال التكلس والجمود وقدسية فكرة أو اعتقاد فنسجل بشأن استطلاعها وفحص حقيقتها الذرائع الآتية:

وقديم غارق في عمقه التاريخي ومضى عليه دهر وزمن.. والقديم بإطلاقه يستخدم اسما من أسماء الله والقديم بخلاف الحديث يقع في الثابت وفي الثبات على أمر أو شيء مما مضى عليه زمن والقديم مما لا يجاري الحديث المعاصر والموضة.. ولكن في القديم أمور أخرى غير الحدود اللغزية المجردة.. تلك التي تدخل بمعطيات فكرية وقراءة لمنهج بعينه ومنطق تفكير بعينه.

فماذا نجد في العمق التاريخي زمناً؟ ماذا نجد في(القِدَم)؟ وفي القديم؟ للإجابة سنشير أولا إلى تقوقع بعضهم على عقبة كأداء، يُسْقِطون القدسية والإجلال عليها \ أي السلطة المصطنع توصيفها في أوهام ذلك (البعض)، ليحيطوا نهجهم بقناعات ويؤمِّنوا لأنفسهم خنادق يتمترسوا فيها، وعند أولئك يكون جلّ المعرفة والحكمة وسداد الرأي، على وفق هذا المنظور وأصحابه، كامناً في القديم؛ على مبدأ أن مسار التاريخ يتجه نحو التدهور وأن الأمس وقديمه، يظل الأسلم والأصح..! بخلاف حقيقة أننا لا يجب أن نعدّ الصائب متأتٍ من قِدَم فكرةٍ؛ إذ أنّ قِدَم الفكرة ليس دليلا على صوابها..

وكذلك فإن قدم جيل أو فيلسوف ليس دليلا على صواب طروحات أي منهما… ففي الحاضر يوجد تراكم معرفي أكبر من أية لحظة بمسار الزمن وقديمه، وهو مما مرّ توضيحه في مفردات منطق العقل العلمي وسماته، بموضع سابق. الأمر الذي يدعونا لأنْ نرى في (الحاضر) من باب التعميم وليس الإطلاق، أفضلية عن الماضي وحكم تجاريبه ودرجة صوابها…

وعليه فإن الاحتكام لسلطة القديم والقِدَم أمر غير صائب في جوهره لكن بالمقابل لا يجوز أن نتطرف فنرفض الأمر لمجرد انتسابه للقديم. فالمواقف لا تتخذ بسبب زمن تقديم حقيقة لدى البشر بل الصحيح اتخاذ القرار في ضوء فحص الحقيقة أو الأمر موضوعيا..

إنّ معالجتنا لفكرة القِدم يمكن أن تتسع وتتشعب بخاصة مع ظاهرة تقديس الجيل السابق ثم إسقاط القدسية عليه وجعله بموضع (السلطة) التي تتحكم فينا. وهو الوضع الذي حصل لأول مرة في مرحلة طفولة ولادة العقل وبدء التاريخ البشري، يوم جرى تأليه الأجداد وإسقاط القدسية عليهم في ضوء النظر إلى خبراتهم للاحتماء بها، وذلك في بواكير الامتياح البشري من تجربة الأقدم..

لكن تلك الظاهرة تجردت من النظر إلى معطى التراكم المعرفي من جهة وإلى أن الصواب لا يتربط حكماً بالزمن بقدر ارتباطه بعلامات أخرى؛ هذا فضلا عن التخلي عن واجب أخذ المعلومات والتجاريب السابقة (القديمة) للإضافة عليها وتطويرها بما يحقق أفضلية الأحدث على الأقدم زمناً…

ولكن الكارثة تكمن في أننا مازلنا حتى يومنا تطفو أمامنا، على السطح، ظاهرة إجلال الجيل الأقدم والفكرة الأعتق بخاصة على أولئك الذين يتكاسلون عن تشغيل العقل ويحيلون موضوع التثبت من صواب الفكرة إلى قِدَمها أو مرجعيتها الكامنة بجيل أقدم! وعند هؤلاء نرصد السطحية والتخلف وربما الجهل بخلفيةِ أميةِ المعني بالموضوع ومن نشير إليه هنا…

إن قضية القِدَم قد تمنحنا موضوعات وحوارات من قبيل حوار الأجيال والتصادم بين التأليه الفارغ بمعانيه وبين احترام أصحاب الخبرة الغني بدلالاته.. وفي قضية حوار الأجيال سنجد أن الأمور تتأسس على أرضية متينة من المنطق والمنهج وتدفع بتبادل الخبرات مع حيوية الحركة وتجديدها نحو آفاق تقدم جدية ملموسة.. بخلاف حال التعارض بين خواء التأليه لمجرد القِدم وغنى احترام حاملي الخبرات..

بهذا التعارض سنجد أنفسنا بمجابهة عقبة من عقبات التفكير العلمي تقف بوجه التوضيح وكسب الرأي العام، للتحرر من التأليه السلبي غير الصائب وتعرقل محاولات الاستبدال بما يحتفظ من جهة بالاحترام تجاه أصحاب الخبرات وقاماتهم المثمرة بتاريخها ومن جهة أخرى بالاستفادة من تلك القامات وتاريخها بطريقة تتناسب وإعادة العطاء مثلما تطعيم شجرة على شجرة أم يعطي طعماً وثمراً جديداً أغنى بتركيبته الجديدة..

إذن، الكارثة والعقبة الكأداء يوم يصير شيخ تمدرس على خطاب الثرثرة والسجالات السفسطائية الروزخونية، اقول يصير مرجعاً بمجرد ما يملك من ألفاظ بطلاء لا فحوى مفيد فيه، سوى الانجذاب نحو مُسمى مرجعية تمنح الأوهام بديلا عن تغيير الواقع…

تلك المرجعيات (المزيفة)، عادة ما تكون كهنوتية تتجلبب بالتدين الكاذب المزيف وبارتداء جلباب التعمية والتضليل ويصير صاحبها أكبر سناً أو عمراً ويبدو من جيل (القديم) المبجل المقدس ممثلا له فيتبعه المؤمنون به بغير مناقشة أو حوار كعميان يقودهم إلى حيث يشاء..!

وقد يصل الوهم بعد درجة إحباط ويأس يتمكن من الأنفس، إلى تسويق عالم ما بعد الموت بديلا؛ فيدفع بعض المضلَّلين إلى أعمال انتحارية خطيرة.. كما عند من يكفِّر الجميع ولا يصدق ويؤمن إلا بهذا الذي يمثل (القديم) زمناً بوصفه المرجع النائب عن الإله في كل ما يأمره به!

القديم هنا، حيث التكلس والجمود يمثل عقبة كأداء بوجه التفكير العلمي متعارضاً مع منطق التغيير، وهو بهذا يصطنع سلطةً، توظف الجهل والتخلف لتستغل الإنسان المحبط ولا تقدم له بديلا سوى الوهم والقديم هنا بهذا الوضع، حيث الثبات والتقوقع يرفض الحراك ويشكل فرص التغيير؛ إنه الظلامي الذي يستغل الأميين وانفعالاتهم، حيث سطوة الاحباط واليأس فيوجه تلك الانفعالات إلى بديل ليس سوى الوهم المرضي كما أسلفنا القول…

إن سلطة من يرتدي جلباب التضليل يجري توصيفها عند المحبطين المنكسرين اليائسين بكونها سلطة القديم أو المقدس وهي من ثمّ سلطة ممثل (الله) على الأرض، إنها عندهم سلطة دينية بامتياز، ولكنها ليست سوى سلطة تسوسهم فتضحك على عقولهم وتلعب بعواطفهم وتسخر منهم وتستغلهم أبشع استغلال..

والسلطة التي يصفونها بالدينية (زيفا وبهتاناً) عادة ما تجمع بين أمرين: السطو على المال السحت الحرام بمافيات فساد معقدة الحسابات إلى جانب السلطة السياسية وعنفها.. ما يعطينا سلطة هي نسيج وحدها في الاشتغال وذات (قوة) وطبيعة طغيان واستبداد هو الأسوأ في التاريخ الإنساني على وفق معادلة تؤكد أن تلك السلطة لا تساوي أكثر من ثالوث البلاء والفساد:

  }دين (مزيف) + مال (السحت الحرام) + ساسة (فساد){

إن تحالفا معقداً كهذا، هو الذي يفضي بالدجل إلى مرحلة الوصول لدرجة سحق حركة الانعتاق والتحرر الإنساني. وإلى ظاهرة الخضوع لعبثية (القديم) أو من يمثله بجلابيب تنتمي إلى ذاك القديم شكلاً وهي تتعارض مع كل إيجابي في القديم وتجتر كل سلبي ظلامي منه لتضخه (سلباً واستلاباً) في حاضر البشرية، إنها ليست سوى إسقاطات يجب التوقف عند مهامنا تجاه فضحها وكشف ما تتستر عليه وإلا استمر تردي أوضاع الناس وتدهورها ووضعها بحال من الاحتراب والاقتتال والهمجية…

فهلا تنبهنا؟ هلا تلمسنا منطق التفكير العلمي بطريقة صائبة تصل إلى الأغلبية المستباحة؟؟؟

 

 

زاوية نوافذ وإطلالات تنويرية حلقات 1- 11 الروابط أدناه

زاوية نوافذ وإطلالات تنويرية \ د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

sedahnet11111111111111111111111

موقع الصدى.نت

توطئة: اخترتُ تسمية نوافذ، لأنّ كل معالجة تتجسد بموضوع بعينه يمثل (نافذة) من النوافذ ليمر إلى جمهوره عبر تلك النافذة؛ في حلقات.. تمثل كل حلقة (إطلالة) من الإطلالات التنويرية. ومن هنا جاء اختيار اسم الزاوية كونها (نوافذ) تمر عبرها (إطلالات) تنويرية الدلالة والقصد. بمعنى أنّها تجسد محاولة لـ تلخيص التجاريب الإنسانية بجهد لمحرر الزاوية؛ متطلعاً لتفاعلات تجسد إطلالات المتلقين بتداخلات ورؤى ومعالجات مقابلة، يمكنها تنضيج المشترك بين مقترح النوافذ وإطلالاتها التنويرية وبين توصيات المتخصصين والجمهور وما يروه حاسماً في تقديم المعالجة الأنجع.

مرحبا بكنّ، مرحباً بكم في زاوية ((نوافذ وإطلالات تنويرية))، إنها محاولة لتفتيح النوافذ ومن ثمّ تفتيح البوابات وجعلها مشرعة للحوار الأنجع والأكثر تنضيجاً لمعطيات تجاريبنا

 sedahnet111111111111111111113113

نافذة (1) بعنوان: منطق التفكير العلمي.

 سلسلة إطلالات تنويرية للنافذة الأولى كل إطلالة هي حلقة من سلسلة حلقات المعالجة التي تصب بتناول منطق التفكير العلمي ومنهجه:

الخضوع لسلطة (القديم) تبريراً للعجز وارتكاب الأخطاء

زاوية نوافذ وإطلالات تنويرية ح11\إطلالة11 الخضوع لسلطة (القديم) تبريراً للعجز وارتكاب الأخطاء 

زاوية نوافذ وإطلالات تنويرية ح10\إطلالة10 عقبات تجابه التفكير العلمي فتسطو على وجودنا ونظمنا الاجتماسياسية

زاوية نوافذ وإطلالات تنويرية ح9\إطلالة9 عقبات تجابه التفكير العلمي بين جذورها وتمظهراتها اليوم 

زاوية نوافذ وإطلالات تنويرية ح8\إطلالة8 منطق التفكير العلمي ومبدأ التجريد في تفاصيل وجودنا الإنساني

زاوية نوافذ وإطلالات تنويرية ح7\إطلالة7 منطق التفكير العلمي وإشكالية الدقة والغموض في قراءة الواقع

زاوية نوافذ وإطلالات تنويرية ح6\إطلالة6 اليقين في منطق التفكير العلمي يبقى بالأساس موضوعياً لا ذاتياً

نوافذ وإطلالات تنويرية ح5\إطلالة5 منطق التفكير العلمي بين سمتي الخصوصية والشمولية

نوافذ وإطلالات تنويرية ح4\إطلالة4: إدراك أسباب الظواهر مقدِّمة لمعالجتها وتجنب سلبية الوصف

نوافذ وإطلالات تنويرية ح3\إطلالة3 طابع التنظيم في منطق العقل العلمي وتناقضه مع عشوائية الاشتغال

نوافذ وإطلالات تنويرية ح2\إطلالة2 تساؤلات بشأن محاولات قطع الصلة بمنجز الأمس التنويري وتشوبهه لمنع مراكمة الإيجابي

نوافذ وإطلالات تنويرية ح1\إطلالة1 تساؤلات بشأن اشتغال منطق العقل العلمي لوقف تداعيات خطاب الخرافة

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *