عزلة الرائي .. رواية كاتب مطارد بأفكاره

كتب الشاعر والإعلامي التونسي المقيم بلندن السيد أحمد عمر زعبار مقالا نقديا تعريفيا برواية (عزلة الرائي) للكاتب بسام علي فأورد ما فيها من أواليات سردية ومن نهج سردي أفضى لنهايات مفتوحة مضمونيا مغلقة بصيغة البنية الدائرية شكلا.. نضع هذا المقال في موقعنا دعما لتلك القراءات التي تدعونا بقيمتيها المضمونية الأسلوبية لذياك الدعم المتواضع لكنه المستحق من جهة المعالجة الواردة.. نأمل مزيد نصوص مهمة مثمرة كهذه للكاتب أحمد زعبار الذي عادة ما تميز بمنجزه وذخيرته الإيحائية .. 

هي رواية القلق والحيرة؛ رواية الأسئلة الجدلية المتناسلة، وإجاباتها ليست مقنعة حسب بل مستفزة ومستجلبة لمزيد من الحيرة والقلق وبالتالي لمزيد من الأسئلة

عزلة الرائي هي الرواية الأولى للكاتب العماني الشاب بسّام علي صادرة عن دار عرب في لندن لصاحبها الشاعر العماني ناصر البدري.

يُحيل عنوان الرواية (عزلة الرّائي) إلى أكثر من تأويل فالرائي بالمعنى الذي يشير إليه العنوان؛ هو ذلك الذي يرى ويدرك ما وراء الظاهر، والرؤية هنا ليست بالضرورة رؤية العين بل هي رؤيا البصيرة التي تتجاوز ما أمامها لتدرك أبعد من المُدركِ العام والعادي.. ومن هنا كانت رحلة بطل الرواية عبر الأماكن والأزمنة بحثا عن طمأنينة يبدو أنها لا تُدرك، وتذكرنا رحلة البطل برحلات وأسفار الباحثين عن سر الحياة وعن إجابات الأسئلة الوجودية الكبرى، مما يجعلنا ننساق أحيانا خلف الحكاية ونبدو وكأنّنا بصدد متابعة رحلة بطل أسطوري أو قراءة أسطورة!  لكن دون أحداث كبرى أو خارقة، وينكشف لنا من خلال متابعة البطل أن رحلته هي خوضٌ في الآراء والأفكار والبحث وليست رحلة أحداث أو تفاصيل واقع اجتماعي أو سياسي؛ إذ أنّ كل حدث في الرواية هو في الواقع توطئة تنطلق منها الأسئلة والحوارات فالحدث ليس مهما إلا بقدر ما هو مُنطلق لصراع الأسئلة والأفكار.

من هنا ربّما يمكننا ايجاد تفسير لغياب التفاصيل المتعلقة بالأبطال وبالأحداث فكأن أبطال عزلة الرائي هي الأفكار وليس البشر أو لنقل هي الأفكار التي يتصارع معها الكاتب وهذا ما يجعل الرواية تبدو أحيانا وكأنها حوار دائم مع الذات.

تسعى الرواية لمناقشة القضايا الوجودية وليس لمناقشة القضايا الدينية ولكن أجوبة الأديان القطعية بخصوص الأسئلة الوجودية الكبرى وهيمنتها على حياة الناس هو ما يجعلها عرضة لسياط النقد وما يفسّر حضورها بكثافة في ثنايا الرواية. وهي أيضا ما يجعل البعض يعتقد أن موضوع الرواية هو رحلة البحث عن الله في حين أنها مع قليل من التجاوز ندرك أنّها رحلة البحث عن الذات وعن مكانها ضمن سياق الوجود وما بعده.

من ناحية الأسلوب وبرغم أنّ الرواية مكتوبة سرديا بلغة وأسلوب القصة الطويلة إلاّ أنها ترتقي في مفاصل كثيرة إلى أسلوب روائي جميل لكنها سرعان ما تنساق وراء أسلوب الجدل الفكري الذي اتّسم به كتاب “فصام الأديان”*1 نظرا لأن هاجسها الأول هو جدل القلق الوجودي والقلق الفكري الذي يسكن روح كاتبها وأبطالها ورُبما هذا ما يفسّر تسارع الأحداث وتسارع تتابعها حيث يضطر القارئ لملاحقتها بسرعة من دون إحساسٍ بملل أو رتابة إذ يسرع في متابعة كاتب يكتب وكأن هناك من يطارده وقد لا يكون الكاتب مطاردا من غير الأسئلة والأفكار وهاجس القلق.

ولأن الرواية لا تنتهي أو يجب أن لا تنتهي فإنها تعود في نهايتها إلى بدايتها الأولى حيث يقول الكاتب في آخر صفحاتها: “سأبدأ مشواري بالكتابة فهناك من سيخطو خُطاي يوما ما باحثا عن الحقيقة” ويؤكد ذلك مجددا في آخر سطورها، يقول : إلى أين؟ وسرعان ما يجب: إلى البحث مجدّدا.

نكمل قراءة الرواية من دون أن نظفر بأجوبة ومن دون أن تكتمل الأسئلة أو ننتهي إلى يقين سوى يقين الشك وسؤال تثيره القراءة .. هل هي عزلة الرائي؟ حيرته؟ أم خطيئته ؟؟

  

1-    فصام الأديان تأليف بسّم علي نشر 2018 عن دار عرب في لندن

 

 

******************************************************

اضغط على الصورة للانتقال إلى الموقع ومعالجاته

********************يمكنكم التسجيل للحصول على ما يُنشر أولا بأول***********************

تيسير عبدالجبار الآلوسي
https://www.facebook.com/alalousiarchive/

للوصول إلى كتابات تيسير الآلوسي في مواقع التواصل الاجتماعي
http://www.somerian-slates.com/2016/10/19/3752/

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *