مسرحية اللامعقول برداء الواقعية الرمزية

 طقوس وحشية: بين شعرية الأداء وجماليات المعانم المسرحية 

* من أجل تسليط الضوء على مبدعينا العراقيين من جهة وعلى تجاريبهم الإبداعية المميزة وتفعيل ديمومة العطاء ونتائج استمرارية الفعل الإبداعي .. ومن أجل تقديم التقويم النقدي الذي يُعلي من شأن التجربة ويبيّن مفردات التطور والنمو ومن أجل المساهمة النظرية التحليلية في قراءة ملامح المدارس الإبداعية المسرحية تحديدا هنا، ووضعها في مكانها ومكانتها الفكرية والجمالية المناسبة أقدِّم هذه المداخلة البحثية للقراء والمهتمين والمتخصصين… شاكرا للجميع دورهم في إبداء الرأي والتفاعل العلمي والفني الجمالي بالخصوص…

وحشية هي تلك العوالم التي نحياها بغير جماليات حتى لو كانت جماليات “القبح” التي ندرسها في بعض اتجاهات الشعر الاحتجاجية أو الصور المسرحية المتمردة الجديدتين…  وها نحن نبحر اليوم في سفائن الأدب والفن يجتمعان في جمالية نص جديد يستولِد لنفسه خصوصية التعبير من اعتمادِ ِ لشعريةِ ِ في أداء خطابه اللغوي وتعميدِ ِ لجمالية في أداء خطابه المسرحي البصري.

المسرحية بين أيدينا هي “طقوس وحشية” وكاتبها هو العنيد في تمرده وروحه المسرحي المجدِّد المسرحي الأكاديمي قاسم مطرود وهو صاحب للروح نوافذ أخرى ورثاء الفجر  والجرافات لا تعرف الحزن، هذه وغيرها نصوص مسرحية أخذت مكانتها وحملت تشخيصها المذهبي لا من انتماء قسري أو إلحاق وتبعية تلتزم شروط مدرسة أو اتجاه بقدر ما كان لها من هويتها المخصوصة عطاؤها ومحدداتها…

وللولوج إلى عوالم السيد مطرود و”طقوسه الوحشية” ينبغي أن نستعيد عددا من معطيات الخلفية الفلسفية لاتجاه التمرد والاحتجاج في المسرح الحديث حيث الغضب والاحتجاج والقسوة وحيث اللامعقول أو العبث [ABSURD] اصطلاحا معبّرا عن اتجاه مسرحي كان مطواعا تعبيريا لحالات الإحباط بمجابهة المصير البشري والشعور بعبثية الفعل الإنساني أمام مصيره المحتوم بأساه وتراجيدياه الأزلية الأبدية!

فمنذ حدود القرن العشرين بداية ومنتهى، كانت الحروب الكونية والانقسامات الداخلية ومن ثمَّ الحروب الأهلية وتلك الإقليمية المهولة تفتك بحقوق الإنسان وكامل وجوده وبتمام تفاصيله؛ ولقد كانت تلك المشاهد المأساوية تسطو على العلاقات البشرية وتهيمن على الذاكرة الجمعية والفردية ضاغطة عليها حدَّ السحق!

ولقد نجم عن هذه الأجواء في إطار المنتج الثقافي والجمالي عدد من أشكال التعبير الأدبي والفني ومدارسهما الجمالية المستندة إلى تيارات فكرية وفلسفية وعقائد أيديولوجية اجتاحت مجتمع القرن العشرين وهيَّأت لأجواء الألفية الثالثة التي نحياها اليوم..

وكان من ذلك سريالية صورة الحياة وعبثيتها أو لا معقولها؛ فإيقاع التخريب والتدمير والضغط المتناهي المهول بالتأكيد خلق ويخلق اللاتناغم في إيقاع الحياة وموسيقاها أو امتناع الانسجام مع المنطق العقلي ورفض التناسق والتناسب كونهما قيمتين جماليتين يجري سحقهما أو تجاوزهما على صعيدي البنية ومضامينها..

وهكذا وجدنا المسرح ينطق في استجابته التعبيرية عن مدرسة اللامعقول المعبرة عن “ورطة الإنسان في الكون” كما يقول جون رسل بتلر في معجم بنجوين للمسرح أو كما يشخصه ألبير كامو في أسطورة سيزيف بالقول: “إنَّ مصير الإنسانية يمثل [انعدام هدف في وجود غير منسجم مع محيطه أو لا معقول في بنائه حركته أو معطيات علاقاته بالآخر…]”

إنَّ مشكلة البحث في الهدف المنشود إنسانيا أو المصير المؤمل أو المنتظر أو المحتوم تكمن في وعي مبدعي الأدب والفن بأنَّه يظل هدفا أو مصيرا محكوما بالتأزم حدّ ضغط الانفجار وتلك هي الخصيصة التي ركز عليها مسرح الغضب والاحتجاج والقسوة الذي مثله النقد بأنبوبة غاز مضغوطة…

 فيما يتسع مسرح اللامعقول لأمور أبعد من زاوية توصيفية، محددة بالشد والتوتر.. فصموئيل بيكيت ويوجين أيونسكو وآداموف وهارلود بنتر يمنحوننا فرصا للتعاطي مع شفرات مضمونية تتحكم بالشكل الفني لأعمالهم ومن ثم يمنحوننا قيما جمالية تحمل تناقضات وجودنا فنحن نستمتع بقراءة درامية بصرية تتناول واقعنا كما هو من جهة انشطاره وتقاطعه معنا وعليه هناك منطق في لا منطق التناول الدرامي أو بالأحرى في لا معقول التجربة المسرحية المقدمة ومعالجتها لعميق مأساتنا البشرية المعاصرة..

ولدينا إذا ما عدنا للحالة العراقية أكثر من توصيف ضغط أنبوبة الغاز حيث المشهد العراقي المليء بالحروب وأشكال السحق والاستباحة والاستهتار بكل وجود إنساني وهو ما عاشه المبدع العراقي المسرحي وجسَّده بوضوح في أعماله وإن بتنوعات بوهيمية أحيانا كجزء من الاستجابة للوضع كما هو عليه..

ولقد أوجد مثل ذاك الوضع فسحة متسعة لمفاجآت الشكل الدرامي ليس للجمهور المسرحي حسب بل للنقاد أنفسهم.. حتى أن نقاد المسرح الإنجليزي أشاروا إلى أنَّ كتاب المسرح جعلوا من أعمالهم “مركز تجمع لصراع الخيال البشري الدائم ضد القناعة الدينية وعدم الاكتراث الخلقي والامّعية الاجتماعية” [مقدمة الدراما التجريبية، لندن، 63، صفحة 9 عن موسوعة المصطلح النقدي مج2 الصفحة 18]  ما يلتقي معه دراما “طقوس وحشية” من جهة تكسير الثوابت والمطلقات والبديهيات المتكلسة كما سنرى في قراءتنا العمل ذاته..

ولعل هذا التمرد المزدوج شكلا ومضمونا يشتمل على التوظيف اللغوي الذي يتميز به مسرح اللامعقول حيث عميق الصلة والارتباط من جهة اللغة وهو ما يشبه رؤية إبسن بالخصوص في الخلق الشعري في كلام الواقع البسيط غير المستلب كما يعبر كينيث ميور في كتابه المسرح المعاصر [الصفحة113 ].. ومن جهة البناء والتشكيل تأتي حالة تعدد الشخوص منصبة في جوهر العمل الدرامي وكأنه مونولوجا يتشظى في التعددية الظاهرة أو الطافية بصريا..

ونحن سنقرأ شعرية العبارة عند قاسم مطرود ووحدة الشخصية في تعدديتها وتشظيها، مثلما سنتلمس كون ما يصادف جِدّة في الشكل سيصادف تجديدا في التناول حيث نجابه بموضوعة الالتزام طبعا ليس الحديث هنا عن الالتزام السياسي الحزبي المحض بل الالتزام بمسألة بعينها أي إيفاؤها حقها إذ ليس معنى افتقار اللامعقول الدرامي إلى الموضوع أو وحدته التقليدية وإلى الخاص بدل العام وبدل التعويم والتعميم بمتعارض مع البحث عن الأثر في المتلقي ومن ثم الكشف عن موقف جوهري لا يقل في المغزى الاجتماعي عن المسرح الواقعي الملتزم.. بل إننا يمكن أن نقول: إن العموم في اهتمامات اللامعقول بموضوعه هو ترشيح لثبات أعمق وأطول من تلك الأعمال التي تعكس واقعيا وبشكل مباشر موضوعها ما يجعلها عرضة للتقلبات السياسية منها والاجتماعية…

وهنا نستذكر القيمة الإبداعية لأعمال تسوق معطياتها الجمالية بمثل هذي الصياغة التي نجدها في طقوس وحشية وعدد من أعمال مطرود الأخرى.. حتى عندما نجابه بتلك الصعوبة في خلق التفاعل مع (التعاطف) مع شخصيات مسرح اللامعقول، لأنها دوما تحمل دوافع خفية وتصنع أفعالا بهالة من الضباب والعتمة وهو الأمر الذي يحتاج منا إلى نباهة التلقي والارتقاء للفعل إيجابيا في التفاعل مع تلك الشخصيات ومن ثم الانتقال إلى موضوعاتها ومقاصدها التي قد نُفاجأ في لحظة وصولنا إلى المنتهى الزمني للمسرحية حيث تبقى تلك الشخصيات تقدم وتفتح لنا آفاقا جديدة للتناول والمعالجة وحوارا جديدا يُخلق في دواخلنا لاتخاذ قرار بشأن لاحق مصيرنا أو تفاصيل غدنا ووقائعه المؤملة أو المنتظرة…

إنَّ مثل هذا التحليل هو ما يحيلنا لقراءة شبيهة بتلك التي أجراها نقاد المسرح الإنجليزي عند تناولهم مسرحي الغضب والعبث في ستينات القرن المنصرم وهم يشيرون في قراءاتهم إلى فساد المسرح عبر تكسير وحداته التقليدية بالقدر ذاته الذي وجهوا قراءاتهم إلى فساد العالم المنعكس على المسرح بلغتي الغضب واللامعقول بما يفيد الانتظام أو الانسجام بين الذي جرى تحطيمه واقعيا والذي جرى تصويره مسرحيا..

فلا مسرح اللامعقول يحطم اعتباطيا القوانين الحياتية وقوانين التعبير عنها جماليا ولا مطرود في طقوسه الوحشية يخرج اعتباطيا على قيمه. وفرق كبير بين الاعتباط والعبث هنا..

إنَّ “طقوس وحشية” تقدم تشخيصها لفساد العالم المحيط وقسوته كما هي مميزات دراما مسرح العبث في تعويضها بمشهد داخلي عن العالم الخارجي؛ حيث يغيب لأول وهلة ومن دون تمعنِ ِ التفريق الواضح بين الوهم والحقيقة ونجابه بموقف متحرر تجاه الزمن إذ يتمدد ويتقلص بحسب المتطلبات الذاتية..

فنحن نرصد هلامية في التحولات الشكلية ولكنها تظل محافظة على طاقة منحنا مفاتيح قراءة الاستعارات المنظورة ويظل الاستخدام اللغوي دقيقا في طقوس وحشية مثلما هو في مسرح العبث عامة لأن اللغة هنا هي الضابط الوحيد تقريبا لإيقاع المسرحية والمسيطر الأول على فوضوية تجربته..

لقد أكد هذا التصور العام في مسرح اللامعقول السيد مارتن أسلن في كتابه المعروف عندما عاد بنا إلى حيث الكوميديا ديللارتي وبريخت وآرتو وكافكا وجويس وهو ما كان مقبولا في النقد الإنجليزي؛ ولكن ما لم يكن مقبولا هو ابتعاد السيد أسلن ليقول إن لدى شكسبير وغوته وأبسن بشارات اللامعقول أيضا والرفض يتأتى من موقف كلاسي في الاحتجاج على أن يكون الأوائل الكلاسيون الكبار جذورا وأرضية مؤهِّلة أو مقدمة لظهور التالين وهنا القصد  لمدرسة اللامعقول حيث بيكيت ويونسكو…

ولكن، لِمَ لا يكون مبدع معاصر له من الأثر الإبداعي ما يضارع أو يتجاوز القديم والأقدم؟ ولماذا نضع التعارض بالضد من التطور التصاعدي؟ ولماذا نُسقِط القدسية على الأول ونمتهن أو نعتدي على حق الحديث والمعاصر؟

علينا لنثبت قيمة نقدية أو جمالية أن نأتي بما ينبغي أن يؤكد ما ذهبنا أو نذهب إليه..

وبالخصوص فقد انصب جزء من النقد على ضبط الحبكة والبحث عن مقدار الاهتمام بها وعن توصيف الشخصيات العبثية بأنها دمى آلية وهو أمر بحاجة إلى نظر.. إذ اللامعقول خرج على آلية تعبيرية تعكس في الغالب أحلاما وكوابيس هي صيغة [جمالية] فرويدية في التعاطي مع المحيط أو بجملة أخرى صيغة إعمال الوعي الباطن في معالجة حيواتنا حيث يجري هنا إظهار اللامعقول إلى الوجود والتجسيد الحي على الركح ليوضع أمام بصرنا وبصيرتنا بعيدا عن تنميقه باللغة المعقولة الكلاسية العتيقة…

إن لغة مطرود وبنيته في “طقوس وحشية” تتمثل هذا التوصيف بوضوح فعندما ننتهي من القراءة سنجد معنى الكابوس ومعنى لغة تحوم في عالم اللاشعور والعقل الباطن.. فطقوس وحشية لا تتخلى عن التزام جوهر النقد لجوهر الوجود الإنساني وليس للعارض فيه.

وعليه فإن القارئ للنص يجد الشخصية فيه منتزعة انتزاعا تمزيقيا (انفصاليا) عن التافه العارض في وضع علاقاتها بالمجتمع وسياقه التاريخي أي “التشخيص  العراقي هنا” لمرحلة زمنية في تاريخ الشخوص التي تظل باستمرار على صلة بالجوهري فيما يخص وجودها وهويتها إنسانيا مع ثيمة تخص العراقي ونكباته وآثار الحروب التي تهتك جدران استقراره الإنساني وطمأنينته…

هنا نعاود البحث عن مفاتيح للشفرات التي تساعد على قراءة العبارات الموجزة (الإيجاز البلاغي) والمقصود هنا كل من خطابي اللغة السمعية واللغة البصرية حيث يوضع التحدي كما يقول أسلن للجمهور في أن يجد المعنى في اللامعنى وأن يواجه الوضع بوعي تام لا أن يحس به في غموض وتعمية وأن يدرك العبثية في حقيقتها وجوهرها لا في معطيات التأويل غير الموضوعي…

إنَّ التوقف هنيهة أمام “طقوس وحشية” تطلب منا أن نمتلك أدوات التحليل والمعالجة كما لو كنّا بصدد تشريح دراما واقعية رمزية ولكن الأمر يظل في حدود الـ (كما لو كنّا… وليس بالضبط أو بالمطابقة التامة..) إذ معايير هذه المسرحية مثلما دراما اللامعقول تكمن في تجريبيتها وتجديدها حتى نتحدث عن وجودها المسرحي الدرامي أو تكمن في الابتكار في التناول التعبيري وفي تداخل الصور الشعرية ومن ثم في التميز والإبداع في الربط بين المشاهد البصرية في حركتها وفي ميزانسينها العميق أي في التوزيع للشفرات أو الكودات الضرورية لتعميق مسار موحد للأثر ولا نقول لوحدة الموضوع الذي يبقى موجودا فقط عبر متابعة الشخصية ومنتجها الأدائي اللغوي أي مختفِ ِ هناك في الخلفية التي يخلقها الانطباع الناجم عن وحدة الأثر المشار إليه…

صحيح أننا أمام ديمومة من حالة القلق وامتلاء بالحيرة من انعدام منافذ الحل لأزمة الشخصيات في المسرحية.. وأمام ضياع أو تشظِ ِ في أوهام ومسالك متعددة مختلفة.. إلا أننا في الوقت نفسه نجد شخصيات “طقوس وحشية” تمتلك التصميم والعزيمة لمواجهة الحيرة والوهم في إشارة جدية لمجابهة الواقع ذاته وهنا تظهر قيمة الإيحاء والدفع بإشكالية الأثر في التلقي والمتلقي بديلا عن تعويم الموضوع وعمّا نجم عن تمزيق وحدته التقليدية العتيقة…

ونحن نحيا بهذه الوسائل الدرامية تجريبية لحظات قراءة (واحتمال حفلة عرض) في النص الدرامي لنعيش عبرها ومن خلالها تجربة صوفية هي الوحيدة في التعبير الجمالي هذه التي تساعدنا على الضحك من واقعنا وتراجيدياه، بالتحديد كون أفعالنا هنا تقع تحت حصار توجيهها ضد ما لا يمكن تجنبه ما يجعلها مجرد عبث لا طائل من ورائه وهنا تكمن تراجيديا العصر التي تطلقها مسرحية اللامعقول، بالخصوص هنا مسرحيتنا طقوس وحشية التي تمثل صرخة صمت أخرس في عوالم تراجيديا عراق الأمس واليوم؟

ومما يمكننا تلمسه في طقوس وحشية مجيء علاقات الكلمات بعضها ببعض بشكل متحرك متغير ولكنه ليس اعتباطيا كما يحصل في عدد من مسرحيات العبث ويمكن الرجوع إلى دائرية الحوار في “طقوس وحشية” وإلى تبادليته وتساويه أحيانا وتكراريته ولكننا باستمرار نجد تراتبية تمتلك في جوهرها وبنيتها العميقة ما ينسج وحدة أو علائقية من نمط بنائي ما..

ولعل كون الشخصية في طقوس وحشية تمثل اختيار قضية لتعادل أو تساوي بنيويا تلك القضية في آلية حركتها ومسار تناولها ومعالجتها، لعل ذلك هو ما يعيد للغة امتلاك الكودات المناسبة والوحدة الداخلية والتنقلات العبثية ولكن ليس الاعتباطية بالتأكيد..

وأيا كان اختلاف الشخصيات مع خالقها في المعالجة وفي التناول وجملة الحركة فإنَّ خطابها أو لغتها لا يمكن أن تقف عند حدود اليأس من الحياة والإحباط بقدر ما تنفتح على الأمل في حياة أخرى بديلة لتلك التراجيدية البائسة…

ومن الطبيعي أن يكون مطرود في خطاب مسرحيته “طقوس وحشية” متعاملا بذكاء عندما يتمثل مضمون ما قاله أسلن في كون مسرح العبث لا يجادل بل يعرض وطبعا هو لا يتمثل الفكرة مجردة ولا بشكل تطابقي تماثلي بل بإبداع  يجعله يضع الحوار ونصه اللغوي في موضع رصين بنيويا وفي حال من التأهيل لعرض تام لصور حسية حياتية ستشكل لاحقا حفلة العرض أو الحياة المتجسدة في ذهن المتلقي القارئ..

وبتناول مباشر لطقوس وحشية سنجد في تعليقات المؤلف المبدع توكيدا على اللامعنى وعلى هذه (اللا) قبل كل ما هو صحيح وصحي في حياة الإنسان سواء بشكل مباشر كما يرد في توصيف السيد مطرود عندما يستخدم مفردة “اللامعنى” أم بشكل غير مباشر عندما يستخدم مفردات “القلق والخوف وغيرهما” قاصدا اللااستقرار واللاطمأنينة  مثبِّتا التعارض مع منطق الصائب إنسانيا…

ومن هنا فإنَّ شخصياته في “طقوس وحشية ” تذهب إلى أداء الحوار في الآن الواحد وليس مهما ألا يصل المتلقي لما تنطق به تلك الشخصيات أحيانا؛ ولكنه يريد فقط أن يشير إلى حركة تدب في شخصياته ليقول إنها موجودة بيولوجيا ولكنها مسلوبة مسحوقة الهوية البشرية بالمعنى لا البيولوجي البحت بل الوجودي الفسلفي. إذ نحن أمام أصوات يتم مداخلتها إتلافيا عن عمد كما هو الحال في لا معقول المسرحية أداء تجسيديا وفلسفة. ولكن السؤال الذي يظل يؤكد وجوده يكمن في القول: إذا كانت العبارات التي يريد من شخصياته أن تنطقها مضببة لا تصل كما هي، فلماذا كانت تلك العبارات منتقاة ولم يتم تركها للارتجال؟ وإذا كانت كذلك فلماذا الدقة في مسار تلك العبارات وتنقلاتها في البنية العميقة للعمل؟

وفي الحقيقة لابد هنا من العودة إلى كون لا معقول ABSURD  المسرحية الحديثة قد شق لنفسه خصائص جديدة فلم يعد يعتمد منطقا عبثيا معوَّما بل  صار للهدف الدرامي الموضوعي حضورا واضحا فصار يبحث عن تنسيق في بنيته العميقة عبر تشفير مقصود لمسار تلك البنية حيث نصل مع النهاية الفيزيائية والبنائية الشكلية الممثلة في العمل المسرحي المعين إلى افتراضات مفتوحة قد تكون بعدد حالات التلقي ولكنها المحسومة من جهة الإشارة التي تحيلنا إليها معالجة النص وتناوله مادته. وبالتأكيد تظل تلك الإشارة وجودية المنحى كما أسلفنا القول وإنْ تعددت صور التعامل مع تلك القيم من إقرار بالهزيمة والقدرية في منحاها ولكن مع إبقاء لفرصة الإصرار على التصدي لها وللتالي من معركة الحياة والوجود..

إننا بهذه الحقيقة نشارك الشخصيات حالة تشظيها من بعضها البعض وتوالدها وتنقلها بإيقونة سيجسدها الممثل على الركح [أو خيالنا في تبنيه التصوير الدرامي للكاتب].. وبذلك تتحقق متابعتنا وجود الهدف ووحدة الأثر في خلفية وجود تلك الشخصيات وحركتها عبر مسار الوقائع التي تشكل الفكرة المنتظرة من لا معقول “طقوس وحشية” ورموزها..ولدينا في طقوس وحشية مستويات عديدة لمتابعتنا مسار الحدث الدرامي فيها:

فالفضاء المسرحي الموصوف في النص هو خلق لتلك الأجواء التي يريد الكاتب نقلنا إليها لنلتقي شخصياته هناك بل لنراقب معه وجودنا فيها قبل وجود شخصياته. ومن هنا نتعرف إلى خصوصية ديكور طقوس وحشية بامتلائه بحشد لا ينتهي من الإيقونات المناسبة لرؤية المسرحية.. ولاحظوا معي على سبيل المثال العربة السرير أو السرير العربة وما عليها من إكسسوارات بكل ما تحمله من معطيات دلالية بما ينقلنا الأمر ذاته مع بقية الإشارات من مثل رمي الكتب عند قدمي المرأة لحظة تقمصها دور المعلمة ورمي الحبل أمامها عند الحديث عن الإعدام وظهور إشارات أخرى تنهض بدور تقريري تفسيري في مفردات الحدث وجزئياته…

أما المستوى الآخر لرسالة مسرحية طقوس وحشية وخطابها فيصلنا عبر اللغة \ الحوار، فالتعبير اللغوي تعبير موجز مختزل يظهر بعبارة اللغة البرقية وهو هنا مقطَّع الأوصال؛ الجملة فيه يُحذف منها حتى المسند إليه أو ركنها وعمادها الأساس بغايات مقصودة بالتأكيد ومع ذلك تظل تلك الجملة إبلاغية تزودنا بكفاية دلالية بالحجم الذي يختار أخذه الكاتب من شخصياته المستقلة…

وبانتقالة لمستوى آخر من المسرحية نستقرئ مشاهدها وما تعكسه من بنية ففي المشهد الاستهلالي لها يُسمِعنا الكاتب أصواتا من خلف العتمة حتى يُنار لنا الركح نكون قد تعرفنا إلى صوتي المرأة والرجل وهما يتصلان ببعضهما متقاطعين في أسلوبية أنتَ وأنتِ التي تُشهِر التعارض في موضع والتداخل الاندماجي في آخر.. وبدخولنا الجزء الثاني من المشهد الاستهلالي تكشف لنا العبارة فيه أننا بصدد علاقة عامة لا خاصة جمعية لا فردية شخصية وهو ما يدخل في ضوابط رسم الشخصية في مدرسة العبث…

وتتبادل الأيقونتان [الشخصيتان بل الشخصيات التي سيتم تقمصها لاحقا] عبارات تشير إلى رمزية الدخول إلى المكان حتى يتم تشفير فضاء العرض أو العمل (طقوس وحشية) فلقد دخلا من ثقب باب الحياة.. دخلا إلى الحياة ذاتها من شدة وأزمة واختناق، من بوابة مضغوطة فتركا المنافذ كلها ودخلا عالمهما من موضع التلصص على هذا العالم أو أنهما دخلا من حيث ينبغي أن يكون مفتاح الباب فكأنهما عين الكاتب على عالم معوَّم مجهول يريد الكشف عنه بلعبته المسرحية أو أنهما استبدلا مفاتيح ألغاز هذا العالم المتخفي فحلا محلها..

في هذا الموضع يبدأ رسم الوضعية الأساسية للمسرحية في خلفية الكودات أو الشفرات التي تمثل دوالا أو أدوات حمل المقاصد المنتظرة من الأثر المتولد عن لقائهما مع المتلقي قارئا أو مشاهدا..

أما البحث عن معجم لفك لغة الحوار فليس معقدا على الرغم من تقطيع أوصال العبارة وتمزيقها بتوزيعها بين صوتي المرأة والرجل.. فبجمع جزئيات النص الموزعة سنجد ما يريدان قوله لبناء نسيج الفكرة الذي يمكننا رسمه أو تلقي أثره واضحا بمتابعة مسار المشاهد.. على أن ذاك الجمع لا يمكنه النجاح في توفير المعجم الدلالي آليا بل بمفاعلة جزئيات الحوار فيما بينها وبتداخل مع الخطاب البصري المتشكل من أوضاع التجسيد وعلاقاتها مع الفضاء المرسوم بخصوصية كما أشرنا..

فضلا عن ذلك سنشهد بقراءة النص الدرامي طقوس وحشية ولادة شخصية ناطقة داخلنا من مجموع تلك الحوارات ودلالتها المركبة وهي شخصية تنجم عن تفاعلنا مع العمل وعن إحالتنا إلى نواقصنا الوجودية عبر اشتراكنا جميعا في الوقائع حتى منها تلك المتعارضة مع وجودنا ذاته.. ولكننا هنا نكون قد دخلنا اللعبة التي لا قِبل لنا أن نخرج منها بعد أن مرَّ سيف الزمن الممتد أو الزمن الذي اشتركنا خلاله باللعبة..

ولكن بالضد من شرك اللعبة المسرحية تظل حقيقة حرية وجود الإنسان تحمِّله مسؤولية المحافظة على تلك الحرية في الوجود الإنساني البشري ولكن المربوطة قدريا في القيم الوجودية ولعبتها خارج إرادته وداخل إرادة القدرية كما في سطوة الزمن الذي يمضي بلا إمكان استعادة أو إعادة..

وهذا ما تسعى شخصيات طقوس وحشية إليه وهي تناطح القدرية في الجدران المتوهمة لحصارها المزعوم.. ولابد هنا من التوكيد على فضاء مطرود في طقوسه الوحشية كونه فضاء محاصرا بالجدران وألبواب المغلقة التي لا يتم اختراقها على أسطوريا كما حال الدخول من ثقوب التلصص! فهناك دوما رفض للامعقول عند إدراجه في السياق المنطقي لتسلسل الوقائع في الحياة البشرية لأن كل شئ سيكون مفهوما مع الزمن وسَتـَحسِم المنجزاتُ الحضارية للعقل العلمي كلَّ شئ فتكسر وهم قدرية الفعل الإنساني وتبعيته وهزيمته…

إن الصوت المتحقق دراميا يظل بين امرأة ورجل وهو ما يأتي فقط استجابة لحالة إسقاط فلسفي بحت وإلا فإن الصوتين يمكن أن يكونا بين رجل ورجل أو امرأة وامرأة ولكن ليس بين إنسان وشئ ما آخر أي أن الحوار الدائر أمامنا ليس بين الإنسان والكون وسُدُمِهِ أو كائنات الطبيعة بقدر ما هو بين الإنسان في هذا الكون ومصيره المرسوم بإرادته حيث الإنسان ذاته هو من يكون طاغية مرة وعبدا خانعا مرة أخرى ولكن في هذا الانقسام تُخلق عوالم متناقضة لا تلتقي بل تظل متوازية على أحدهما أن يزول ليبقى الآخر وتلك إشكالية حرية الإنسان وأزمته فيها..

وفي المسرحية يتلبس حوارها حالات الأقنعة والتخفي حيث يكون فيها الطرف المستغِل العدائي هو المحتاج للتخفي تحت طاقية الأقنعة المزوقة من أجل إطالة أمد خطوط الاستغلال ونهمها لاستلاب المجموع..

ومن هنا جاء خيار الكاتب لوضع المرأة على وفق الذاكرة الجمعية للبشرية لتمثيل الإنسان المستلب المقموع كما واقعها في تاريخ البشرية فيما الرجل بموضع الخشونة والقمع والعدوانية كما حال مجيئه أبا وزوجا وأخا وبقناع شرطي حارس للمرأة من متعطش لدم البشرية الذي يكونه فيما بعد…

وسنلاحق في المشهد الذي يعقب المشهد الاستهلالي الافتتاحي استكمال رسم الوضعية الأساسية حيث يقدم الرجل نفسه حاميا حارسا للمرأة من شر الرجل\الجريمة المتعطش للدم وسنجد أن مسار الوضعية الأساسية بهذه الطريقة من تخفِّي الرجل هي مقدمة للكشف الذي سنصل إليه عندما نتعرف إلى حقيقته وإلى تخفيه لتنفجر الوضعية الأساسية وتقع المرأة الرمز في مصيدة الحبكة أو مكيدة الاستغلال في نهاية العمل وكأن الأمر مرة أخرى مؤداه دوما إلى إحباط وخيبة..

ومنذ هذا المشهد سنجد أنفسنا أمام  تتابع منطقي للأحداث برمزية أقرب إلى الواقعية وفي استطالة للعرض لا يسوِّغها سوى أمر وجودها البنائي لحاجة تالية تدخل في عملية حبك إيقاع الفكرة ومسارها بين نسج المكيدة المصيدة وبناء الوضعية الأساسية من جهة والاتجاه نحو الحل الدرامي من جهة أخرى؛ وهذا المسار محكوم لغةَ َ بواقعية ملغومة بشفرات معجم المفردات المختارة لإغناء ذاكرة المتلقي وحرثها لما تروم حصاده المسرحية من  وراء ما زرعته من قيم ومعلومات..

ومع ذلك فنحن لا نغادر لامعقول أو عبثية البناء فالشخصية تعلن في المشهد التالي عبثيتها حيث هي جملة من الشخصيات بل جهاز كامل من الوجود الإنساني فقد جسَّد الرجل قائد حرس وصانع أحذية ومستشارا وسائس خيل وعامل بناء وشارك في حروب بلاده مثلما هو أيضا المنفي المشرد والمهاجر إلى أصقاع الأرض الباكي دوما على تفاصيل حياته..

والأحداث التي تصل إلينا في لحظة التعريف بهذا المركب تعميق لتشظي الشخصية ولطابعها الجمعي المتشظي وجوديا عن الإنسان الفرد مثلما هو المنتمي إلى الوجود الجمعي المتعدد المتنوع.. وبعامة فإن المشاهد التالية تتضمن لغة منسابة لبناء تتابع واقعي فيما يوظف الكاتب في بنية مسرحيته لعبة المسرحية داخل المسرحية وهي آلية تجد حاجتها في كيفية بناء الحدث الدرامي بالدخول في تعقيد جديد على صعيد مسار الفعل الصاعد عندما توضع شخصية المرأة بعد اكتمال نسج الوضعية الأساسية بصور تجعلنا نتعاطف معها ولنوضع نحن أيضا أمام مركب الشخصية العبثية عند كليهما المرأة بوصفها الآنف الذكر والرجل بأدائه شخصية الجريمة كائنا ودلالة أو بأدائه دور (القاتل المنتظر) على وفق الحبكة…

وستتصل مسارات الحدث عبر تشكيلات متداخلة وتبادلات في الأدوار وتقمص لعديد الشخوص بما يتيح مزيدا من العمق في إدارة اللعبة المصيدة حتى ننتهي إلى الوقوع في الفخ شكلا أي في بنية اللعبة المسرحية وهو المتوهم المتخيل والواقعة الفكرة التي تمثل قدرية الأحداث والمصير البشري الممثل للحقيقة المقابلة للوهم.. ولكن بين لعبتي الوهم والحقيقة في “طقوس وحشية” نكون قد استنفدنا أسئلتنا الوجودية القدرية لتقرير حقيقة التصدي المنتظر منّا لمشكلات واقعنا وهي حقيقة يفرضها عيشنا مع (أمل) التغيير وانتصار إرادة حرية الإنسان على عبثية الاحباط والاستسلام ومن ثم تقمص مهمة رفض إسقاط العبثية على الفعل الإنساني الإيجابي…

وخلا ذلك كان علينا عرض حبكة العمل والمرور على شخصياته والتعريف بها ولكننا آثرنا بخصوص “طقوس وحشية” أن نترك للقارئ تمعّنه في القراءة لما لذلك من انسجام مع توفير فرص مضافة للمتعة في العوم بين أسطر شعرية النص مثلما هي إبحار في بنيته وجماليات التصوير والقيم البصرية المتاحة في رسوم الكاتب لحركة شخوصه في ميدان عوالمها أفقيا وفي فضائها عموديا..

إنَّ نصّ “طقوس وحشية” بحاجة لقراءة تشريحية مخصوصة لنستجيب لأهمية ملموسة في الحداثة والتجديد فيه وللتجريبية في معطياته البصرية السمعية أو في بنيته المركبة كما مرَّ سريعا وباختصار في قراءتنا هذه. وبالمرة نقطع بأن نص قاسم مطرود يتقدم من عمل مسرحي لآخر وهو يعطي لكل نص توكيدا لكيفية كتابته وشيئا من الخصوصية المضافة والاستقلالية للنص الجديد ما يعني وضوحا في اتجاهه إلى بناء شخصية لها هويتها في الدراما العراقية والنص المسرحي العربي بعامة وهذا ما يجعلنا نأمل في نص السيد مطرود كثيرا من التطورات البعيدة…

كتبت هذه المداخلة البحثية التخصصية مقدمة لمسرحية الكاتب قاسم مطرود التي صدرت في كتاب قبل مدة قصيرة وللاطلاع على نص المسرحية يمكن العودة للرابط الآتي:

http://www.kasimmatrood.com/Nsoos9.htm

 

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *