نداء من أجل تشكيل الجمعية العربية لأساتذة الأدب المسرحي

إلى الأكاديميين المعنيين وإلى المؤسسات الرسمية والمسؤولين في اتحاد الجامعات العربية وفي رئاسة الجامعات العربية عامة

لم تكن ولادة المسرح إلا بالارتباط مع الوجود المدني للبشرية، ولم تكن ولادة المسرحية عربيا إلا بالارتباط مع أوجه النهضة العربية بتفاصيل أوجهها الحضارية المتعددة. ومنذ أول نص مسرحي عربي التأليف في العام 1875 بمصر وفي العام 1892 بالعراق حتى يومنا جرت تطورات جدية عميقة في مجال الأدب المسرحي عربيا في إطار نمو المسرح العربي من جهة. وأول الأمر أنَّ حركة النقد الدرامي تقدمت وتنامت حتى صار بمقدورها أن تفرض الحاجة لولوج الجامعة ومن ثمَّ التناول العلمي دراسة وبحثا واستقصاء…

ولم يكن ولوج بوابة جامعة عربية بالأمر السهل العادي.. فلطالما ظل ازدراء “المسرح فنا والمسرحية أدبا” أمرا متمكنا من الرؤية المحافظة السائدة في أجواء دراسة الأدب العربي الحديث… وكان نهج استبعاد إدخال مادة تخص دراسة الأدب المسرحي مؤثرا بقوة في أقسام علوم اللغة العربية وآدابها ورُفضت طوال عقود بعيدة إمكانات تناول هذا اللون من التعبير الجمالي الأدبي بحجج وذرائع واهية عكست في أبرزها رؤية أيديولوجية وفكرا سياسيا للصراع بين التقليدي المحافظ والحداثوي المجدد في مجالات الإبداع الأدبي الفني… مثلما حصل فيما واجهته قصيدة الشعر الحر وغيرها من أشكال تعبيرية مجددة عديدة..

لقد أثبتت الأعمال الإبداعية من نصوص مسرحية أنها خطابات جمالية تعبيرية أمينة على استخدام اللغة بطريقة وظيفية إبداعية تفيد اللغة نفسها مثلما تقوم بذلك القصيدة التقليدية المعتد بها وبدراستها في الوسط الجامعي المتخصص.. وهذا هو ما كان المقدمة أو الأرضية المكينة الوطيدة التي فرضت ضرورة مواكبة النمو والتقدم في إطارها بدراسات لا تكتفي بالنقد الصحفي بل يلزمها أن ترتقي للدراسات العلمية في أروقة الجامعات وأقسام اللغة العربية تحديدا وهي المعنية بالتخصص من زاويته الأدبية..

فدخلت أمثلة من النماذج المسرحية في الدراسات الأدبية والنقدية الأولية بتوظيف من الأساتذة المتخصصين ثم تمَّ تفعيل الأمر بقيام عدد من  الأساتذة بتوجيه الطلبة إلى إنجاز بحوث علمية للمراحل الجامعية الأولية تعالج الأدب المسرحي.. وتطور الأمر بقبول عدد من الجامعات لتبني رسائل الماجستير فأطاريح الدكتوراه في الأدب المسرحي فاتحة أوسع أبواب البحث العلمي لهذا التخصص في أدبنا الحديث… وقد تأخر هذا حتى أن أول دكتوراه في الأدب المسرحي في جامعة عريقة كجامعة بغداد (العراق) لم يكن إلا في العام 1992  (*أنجزها كاتب هذه الأسطر)… وفي الحقيقة ما زالت جامعات عربية عديدة ترفض مثل هذه الدراسات وهذا التخصص المجدِّد حتى يومنا فيما تسجل الإحصاءات ندرة المتخصصين على مستوى البلدان العربية وجلّ المتخصصين يأتون بتخصصهم من جامعات أجنبية وبدراسات تنصب على الأدب المسرحي العالمي تحديدا الغربي…

إنَّ عديدا من التخصصات العلمية تمتلك جمعياتها الأكاديمية على المستويات الوطنية والقومية وهي جمعيات ذات أهمية أكاديمية علمية كونها تُعنى بتطوير الأكاديمي ودراساته وبحوثه وتسجيل منجزه ومنحه اللقب العلمي بعضويتها التي تؤكد الدرجة العلمية التي يحملها في ضوء بحوثه وسياقات العمل الجامعي المتعارف عليها.. فيما بقي تخصص الأدب المسرحي من دون هيأة تجمع الأساتذة والأكاديميين على المستويات الوطنية والقومية..

وسيكون من دواعي الدفع إلى الأمام والارتقاء بالجهود العلمية في تعزيز العناية المنتظرة والتطور المؤمل للاهتمام بالأدب العربي الحديث والدراسات العلمية الفاعلة في مجالات علوم اللغة العربية وآدابها، تحديدا عبر منفذ الأدب المسرحي (النص الدرامي)؛ أنْ تتشكل هيأة أو جمعية على المستويين الوطني والقومي تضم أساتذة الأدب المسرحي وإن كانوا من جهة العدد قلة (نسبيا) فهم في الحقيقة من جهة التأثير النوعي يملكون تأثيرا فاعلا كبيرا كونهم يمثلون خطابا علميا مجدِّدا حداثويا في تناول قسم مهم من أقسام أدبنا العربي الحديث…

لذا أضع مقترحي هنا بين أيدي الزميلات والزملاء المتخصصين في مجال الأدب المسرحي من العاملين في الجامعات العربية تحديدا في أقسام علوم اللغة العربية وآدابها و أقسام المسرح لكي تتشكل لجنة تحضيرية ترسم خطة مناسبة للدعوة لمؤتمر عام يجمع المتخصصين ويعلن عن إنشاء هذه الهيأة الأكاديمية على المستوى العربي عامة للنهوض بمهمة تفعيل قيام مؤسسات أكاديمية على المستوى الوطني أو فروع أو أعضاء ارتباط بحسب الحالات المتاحة في كل بلد عربي من جهة توافر الاختصاص..

وسيكون على اللجنة التحضيرية أن تضع النظام التأسيسي للجمعية [ويمكن شخصيا أن أرسل مقترحي بالخصوص] فضلا عن أية أوراق عمل أخرى.. على أن مثل هذا المشروع بحاجة لرعاية جدية مسؤولة من اتحاد الجامعات العربية وأمانة الجامعة العربية نفسها ومن أقسام علوم اللغة العربية في الجامعات العربية العريقة لما لهذا التوجه من تأسيس لتفعيل ميادين العمل الأكاديمي في تخصصات أخرى مثلما سيثمر هذا التوجه في ميدان الأدب المسرحي فعلا تحديثيا تجديديا في الاهتمام بمفردة من مفردات مؤمل تفعيلها بشأن علوم اللغة العربية وآدابها بصورة عامة… وهذا أمر مهم من جهة النظر إلى أهمية دور اللغة العربية في التنمية المنتظرة عربيا…

وعمليا سيكون الأمر بين منطلقين:- أول بفعل تجمع عدد من الأساتذة الاختصاص والعمل الطوعي على إنضاج مشروع متكامل يُقدَّم لجهة رسمية ترعاه لاحقا لتفعيله أو منطلق ثان بأن تكلّف المؤسسات الأكاديمية أو مؤسسات الجامعة العربية المختصة أساتذة متخصصين ليشرعوا في الإعداد المناسب.. وثقتي أنني شخصيا سأتلقى تفاعلا إيجابيا مهما من الزميلات والزملاء ومن الجهات المسؤولة للتصدي لهذه المهمة واستكمالها على خير وجه تفعيلا لكل دراسة موضوعية تخدم تفعيل دور لغتنا العربية في تنمية واقعنا وتحريكه في مجمل الصورة النهائية المستهدفة.

وإذ كانت الكلمة في البدء فليكن منطلقنا العملي اليوم من كلمة نراكم ونبني عليها حتى يُشاد الصرح الأبهى وبانتظار رؤى الجميع…

هذه الكلمة موجهة لكل زميلة وزميل في تخصص الأدب المسرحي لكي يتقدم برؤيته بالخصوص في سقف زمني مناسب.

وهذه الكلمة موجهة لكل مسؤول في قسم مختص وفي جامعة عربية ويرى أن من واجبه دعم كل ما يصب في تفعيل دور لغتنا العربية في التنمية وإشادة صروح التقدم …

وهذه الكلمة بالتأكيد موجهة لرئاسة اتحاد الجامعات العربية وعبره إلى الأمانة العامة للجامعة العربية لتبني مشروع الجمعيات الأكاديمية التخصصية  على المستويين القومي والوطني العربي بما يعود مردوده باتجاه خدمة اللغة العربية ودورها التنموي… وإذا كانت الورقة قد تقدمت بمقترح محدد لتخصص الأدب المسرحي فلكي لا تبقى الأمور مجرد رؤية عامة بغير مفردة عملية تفيد في إطلاق المشروعات التالية… كأن يكون المؤتمر عاما يحتضن ورشا عملية لولادة الجمعيات الأكاديمية المقترحة في عدد من التخصصات في إطار علوم اللغة العربية وآدابها…

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *