النازحون بين اهتمامٍ واجبٍ على الحكومة والدعم الأممي

واقع الحال في قضية النازحين أنّ مهاماً استثنائية لمجابهة مطالبها الإنسانية تبقى أكبر من إمكانات الحكومات المحلية؛ ولكنّ الأسوأ في الظرف القائم، أنْ تكون تلك الحكومات بين فاشلة وبين فاسدة بالمقاييس الدولية والوطنية. وفي الوضع العراقي تتفاقم يوماً فآخر أزمات مركبة من أبرزها تلك المعاناة التي تمثل صرخة عالية في فضاء البلاد والعالم. فعلى وفق الإحصاءات فإنّ الاحتياجات الإنسانية والحماية مطلوبة لأكثر من مليوني عراقي في كل أنحاء البلاد وذلك ما كان على مدى سنة2013؛

فيما تفاقمت الأمور مع انتشار الجريمة وانهيار مؤسسات الدولة بعدد من المحافظات [الشمالية والغربية] فباتت الأرقام تشمل 1.8 مليون نازح منذ كانون الثاني/يناير 2014، إلى جانب 1.5 مليون نازح مستضافون في داخل المجتمعات المحلية بمختلف المحافظات، و1.7 مليون آخرين ينتشرون في مناطق خارج سيطرة الحكومة. ولعلّ زهاء 2.8 مليون شخص هم الأكثر حاجة إلى المساعدات الغذائية العاجلة اليوم، وما يقارب 800 ألف شخص هم بحاجة ماسة لإيجاد مأوى حيث يعيشون في العراء. فلقد نزح مئات الآلاف من العراقيين وتركوا مناطقهم إثر موجات عديدة من أعمال العنف هذه السنة، لا سيما هجوم تنظيم داعش في حزيران\يونيو إذ لجأ منهم مئات الآلاف إلى إقليم كوردستان. وما يضيف حجما آخر للأزمة ومطالبها وجود حوالي ربع مليون لاجئ سوري.

إنّ هذه الأرقام الكبيرة تتضاعف مع اطلاعنا على مركب الأزمات التي يعاني منها العراق. فالحكومة الاتحادية التي تقع عليها مهام واجبة وملزمة ليست بالقدرة التي تستطيع فيها مجابهة تلك المهام بسبب الإرث المرضي الخطير الذي تركته سابقتها من حجم مهول للفساد ولعجز في المؤسسات وفعلها المؤمل. وغير هذا وذاك فالحكومة الجديدة جاءت ومعها هي الأخرى مواقف تنتمي للطائفية ومنطقها المرضي المعوج الذي كان السبب بمجمل  ما يحصل اليوم.. نضيف إلى هذا عجز المنظمة الدولية نفسها عن جمع المليارين المطلوبين بوجه عاجل لتغطية الأمور الطارئة من مأوى وغذاء وتفاصيل الإغاثة حتى الآن على الرغم من ولوجنا فصل الأمطار والريح العاتية والبرد..

ولكن، في خضم هذا وذاك من القراءات فإنّ حيوات الناس لا تنتظر لا قرارات ولا مدارسات للتنضيج والتنظير بل تنتظر فعلا مباشر وميدانياً يستجيب للمطالب والحاجات حيث هذي الملايين بين من يعيش بالعراء وبين من لا يجد الماء والغذاء وبين من لا يجد الرعاية والعلاج. نقول في خضم هذا التركيب المعقد للأزمة وتفاقمها لابد من حراك ميداني للمجتمع المدني ومنظماته يجمع أشكال الدعم والمساعدة مهما كانت في النزر اليسير ويحشد الجهد  بما ينقذ حالة طارئة تتطلع لتلك الاستجابة…

إنّ حكومة تنشغل باستكمال تركيبتها وتتفرغ لملء فروعها المؤسسية بمحاصصة وتعجز عن صياغة نظامها الداخلي ولوائح عملها هي حكومة اللا-جدوى بخاصة إذا ما وجدناها تتجنب مباشرة المهام الرئيسة التي وضعت لها قواها الأسقف الزمنية بغاية الإنجاز حيث مهام بنيوية في إطار الانتهاء من تعطيل عملية البناء وإطلاقها فوراً كيما تكون مؤسسات الدولة جاهزة طبيعيا لتلبي مطالب الشعب العادية وربما استطاعت أن تتصدى للطوارئ وظروفها لو أنجزت الأمور بأسقفها التي رُسِمت..

وهكذا فبسبب هذي السمات التي تطبع الحكومة، وخشية تكرار ألاعيب عبث الحكومة السابقة يجب أن ترتقي القوى المدنية نحو مسؤولياتها بسلسلة من الاحتجاجات الضاغطة بمختلف الممارسات الشعبية المدنية السلمية التي تكفلها القوانين الدولية. ولعلنا هنا نضع على رأس قائمة مطالب الحراك المدني مزيد ضغط لبناء المؤسسة الحكومية وأولها المؤسسة العسكرية بطريقة أنضج تستطيع الدفاع عن السلام والأمن والأمان من أجل أرضية مستقرة تحتضن فعاليات البناء. وتؤكد جاهزيتها للظرف القائم وتتحمل متطبات توفير جسور الصلة بذوي الحاجات من النازحين في مناطق وعرة منقطعة وخطرة.

وما نريد الإشارة إليه يكمن بالجهد الموحد الفاعل الذي يتطلب تعبويا مركزية الفعل بيد حكومة وحدة وطنية جاهزة ومقتدرة. فالمواطن إنسان بمطالب وجودية لا يمكنه أن يتخلى عنها مثلما الهواء والماء. وإذا كانت الحكومة عاجزة وأسوأ من ذلك منشغلة بمطالب وجهاء إدارتها فإنه ليس بحاجة لوجودها. إذ الفراغ المؤسسي يعني تركه، أي ترك المواطن للاستباحة وهو ما وقع فعليا بجرائم داعش وإرهابها.

أما الذي يقع للنازح فهو بغير حصر، أولا فقدان المأوى والأمان. وثانيا يفقد دواءه وغذاءه ثم يتعرض لِـ مَسٍّ مباشر بالكرامة ويتعرض لجرائم الاستهانة بإنسانيته ويجري تحقيره وتعذيبه بمختلف أشكال الاغتصاب… وفي النهاية تتعمق الأزمة وتتفاقم ظاهرة النزوح العراقي حتى يصل مستوى تصويرها إلى درجة وصفها ظاهرة مزمنة معقدة.

ولكن ينبغي علينا ونحن نعالج هذه المادة أن نلاحظ أهمية التذكير بضرورة توفير معلومات محدّثة باستمرار عن معدلات النزوح العراقي وطبيعته بسبب توالي الأزمات من جهة وتفاقم أسباب هذي الظاهرة من جهة اتساع الجريمة وتنامي نمطها، بغاية توفير إجماع بصدد بعض الخطوات الملموسة التي يمكن اتخاذها لإيجاد سبل مناسبة لحلول جوهرية ونهائية لمشكلة التهجير القسري والنزوح الجماعي الكارثي بحجمه ونوعه مع ضرورة تعزيز آليات التنسيق وطنيا رسميا وشعبياً وإقليميا دولياً.. لكن تلك الضرورة تضعف إذا لم يصادف معها وجود إرادة فعل إجرائي والتزام سياسي من أجل تنفيذ الحلول الجوهرية في إطار مقاربة إقليمية ودولية شاملة في مهمة معالجة المشكلة ويتضاعف الأمر، أمر وجود الدور الدولي الفاعل مع ظروف العجز والانهيار بمؤسسات الحكومة الاتحادية ببعض المحافظات التي اكتظت فيها حركة النزوح.

على أننا نؤكد على النقطة الأبرز في فعالية إنسانية كبرى كهذه ينبغي لها أن تتشكل لجنة وطنية عراقية عليا من كل من الوزارات المعنية بالقضية ومنظمات المجتمع المدني والحركة الحقوقية متضمنة متخصصين من العلماء لرسم مفردات العمل بدقة وللبرهنة على التفات جدي مسؤول وواجب كما يتطلب وجود مثل هذه اللجنة الوطنية العليا تشريع مناسب يتيح فرص الأداء من دون روتين يصطنع الحواجز داخليا ويمد جسور التعاون والتنسيق خارجيا…

وبالانتقال إلى الدور الأممي الذي أشرنا إلى كونه يتضاعف في ضوء الظروف العراقية المعقدة فإنّه يبقى دوراً رئيساً وفاعلاً يُنتظر منه أنْ يستجمع الخبرات والطاقات البشرية والمالية اللازمة للعمل الميداني. ومن الطبيعي أن نشير هنا إلى النداءات الرسمية التي أطلقتها المنظمة الدولية لجمع ملياري دولار عاجلا واستكمال الأمر لاحقا بجمع أموال أخرى بناء على التقديرات الأولية وفي ضوء ما سيُنجز من إحصاءات لابد من إنجازها عاجلا لقراءة الوضع بدقة.

أما ماليا فيمكن للحكومة العراقية أن تضع أولوية حيوات الناس من النازحين في قمة مناسبة كي تناقل المتوافر بين يديها لتغطية مفردات الحاجات والمطالب العاجلة. من كرفانات وخيام وأشكال مواد الإغاثة المنتظرة بتنوعاتها المعروفة. فيما موضوع الموظفين والعاملين في الوسط الخدمي فيلزم وجود خبراء ومستشارين من المنظمة الأممية ومباشرة شؤون المتابعة اليومية بطريقة تنظيمية تتناسب والظرف القائم.

بقيت إشارة مهمة أكدتها التجاريب كون كوردستان قد نهضت بمهام استقبال النازحين وفي التعامل معهم بروح إنساني سليم وبوعي ناضج وبطاقات عطاء مميزة على الرغم مما تتعرض له من حصار غير موضوعي من أكثر من طرف عراقي وإقليمي. ومن هنا فإن دعم كوردستان التي استقبلت لاجئي سوريا إلى جانب النازحين العراقيين بشكل استثنائي كيما ترتقي خطى الاهتمام الفعلي بالجميع بطريقة موضوعية سليمة.

إننا نعتقد أن على الحكومة الاتحادية أن تتصرف بوجه عاجل لتشكيل اللجنة الوطنية العليا للنازحين وفي تقديم مشروع قانون للبرلمان لإقراره وتنضيج أسس عمل ترقى لاحترام المواطن العراقي الذي اُستُبيح بسبب فشل الحكومتين الاتحادية ببغداد والمحلية في  المحافظات المستباحة وتسليمها مقاليد الأمور للإرهابيين حيث تم ارتكاب أبشع الجرائم ليس أدناها ظاهرة النزوح المليوني الكارثية!

بالمقابل نتوجه بندائنا إلى الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية المعنية كيما تضع في حسابها أن العراق في ظروف بناء مؤسساته من تحت الصفر حيث تراجع مفهوم الدولة وبنيتها وشيوع الفساد حد تشخيص الدولة العراقية بكونها من بين أول سبع دول عالميا الأكثر فشلا أي القابلة للانهيار الشامل وقد حصل هذا الانهيار في عدد من المحافظات ويمكن إذا ما تُرِكت أن تتداعى الأمور وتنهار على كامل مساحتها بظروف صراعات ميليشياوية دموية. ولا ذنب للمواطنين في هذه المعارك البشعة التي تطحنهم كما أية آلة جهنمية تراجيدية الفعل…

فهلا تنبهنا على المجريات وأدركنا ما ينبغي أن ننهض به تجاه النازحين بطريقة فورية عاجلة وبمستوى يرقى لمسؤولية المهمة الخطيرة التي نتحملها!؟؟

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *