العراق (الفديرالي) بين رؤيتين فلسفيتين متناقضتين 2

العراق (الفديرالي) بين رؤيتين فلسفيتين متناقضتين 2 \\  نموذج كوردستان بين مسيرة بنائها ودوافع ما تتعرض له من اتهامات..  توظف نظم الفساد مختلف الأضاليل لترحيل ما تسببت به من أزمات، ووضعها على كاهل الآخر؛ فتختلق التخندقات لإدامة سلطتها؛ وهذا ما يجري اليوم من طرف نظام طائفي كليبتوقراطي يتحكم ببغداد وينبغي لقوى الشعب إظهار استقلاليتها عنه في معالجة المجريات كي لا تثير مزيد التباسات عند المواطن المستلب المضلَّل، وكي تدفع باتجاه صائب للتغيير وبناء نظام ديموقراطي فديرالي يبني ويطلق التنمية لمصلحة الشعب بكل أطيافه…

 

العراق (الفديرالي) بين رؤيتين فلسفيتين متناقضتين 2

نموذج كوردستان بين مسيرة بنائها ودوافع ما تتعرض له من اتهامات

 

elsadah191017

 

يمرُّ العراق اليوم، بظروف اختلطت فيها الأوراق  وجرى حرق وسائل الوضوح بظل تحكّم قوى الطائفية وما اختلقته من حال التخندق والتمترس ومن ثمّ الاحتراب حيث انعدام الثقة بين ممثلي المكونات وميلهم لحال التمترس السلبي بعيداً عن فهم الجوهر الحقيقي للوحدة الوطنية وما يجب أن يتضمنه من فحوى ومقاصد وآليات.

وإذا كان الشعب قد تم استطلاع رايه في الخيار الذي يراه لنظام الحكم فقال قولته باختيار نام الحكم (الديموقراطي الفديرالي)، فإن قضية تطبيق ما صيغ في الدستور وما رافقه من (توافقات) سياسية، ظلت تخضع لمنطق الغالب المهيمن فعلياً على مقدرات الحكم؛ الأمر الذي أورد الشعب إلى مهالك يعيشها يومياً وبات ينتفض بين الفينة والأخرى في هبَّات جماهيرية ضخمة ولكن السطوة بالمحصلة هي لهيمنة قوى العنف الطائفي ومجموعاتها المسلحة، التي قمعت تلك الحركات الاحتجاجية و\أو احتوتها واخترقتها بوسائلها.

وحتى التنويريين الديموقراطيين الذين تعاملوا مع الحدث من خارجه وأبقوا على مسافة بينهم وبين قيادة مباشرة للحركة الاحتجاجية بفرضية (استقلاليتها) التنظيمية   الاحتفاظ باتساع المشاركة  كما احتفظت تلك القوى الديموقراطية بتعامل وتنسيق ميداني أحيانا مع هذه القوة أو تلك من القوى المشاركة بسلطة الطائفية وإنتاج خطابها؛ أقول حتى هذه القوى السليمة (بفلسفتها هذه)  قد ساهمت بهذا القدر أو ذاك في التشويش…

وفي وقت كان ينبغي تعزيز الاستقلالية في الموقف والعمل المباشر وسط الجماهير والعمل على تشكيل قيادة وطنية واسعة بتوحيد أطياف قوى الديموقراطية والتقدم (العلمانية) لمجابهة قوى الطائفية والتخلف، فإن الذي جرى؛ التبس بالجمع (بين الاتصال بالمسؤولين الرسميين عرضا لمطالب الشعب وضغطا لتحقيقها وبين التحالفات والتنسيقات التي جرت فعليا ميدانيا مع قوى الطائفية وحركاتها)…

ولم يقف النظام الطائفي على اختلاق التخندق بخلفية (دينية مذهبية) بل دفع لتخندقات أخرى مستغلا آلية إفشاء التمترس خلف ما يخلق الصراعات وكان الأمر هذه المرة مع ضخ المياه الآسنة بأوعية الخلافات القومية بإذكاء النزعات الشوفينية وضيق الأفق القومي واللعب على حبال ترحيل الأزمة وإيقاعها على كواهل الآخر بالمنظور القومي…

فأحالت قوى الطائفية وآليات نظامها مفهوم التعددية والتنوع من فلسفة الديموقراطية و عمقها الفديرالي ومضامين إقرار مبدأ الوحدة في التنوع إلى فلسفة الاصطراع القائم على التخندقات المتعارضة…

وبهذا النهج وصل الشارع السياسي لخطاب ملتبس إلى حد مرضي. إن فكرة تجنب الاصطدام بقوى الطائفية واتخاذ مصطلح الإصلاح بدل مصطلح (التغيير)  حوّل مطالب الشعب والحركة الاحتجاجية إلى مجرد مطالب مادية تتحدث عن الخبز والخدمات من كهرباء وما شابه فوضع الأمور في خانة الاسترخاء في التعاطي مع النظام بروح سلبي في  الموقف منه، يقوم على مبدأ الحصول على اية مكاسب محدودة ضيقة بحدود نفاصيل اليوم العادي وإصلاحات ترقيعية لا تغير في الواقع الماساوي شيئاً…

ومع فكرة سياسة الإصلاح اندفعت قوى بعينها لمقترح سياسة المصالحة بين قوى السلطة بذريعة أو ادعاء مصالحة مكونات الشعب التي لا ناقة ولها ولا جمل في كل ما أشعلته قوى الطائفية من احترابات وخصومات. فدفع هذا  إلى تكريس ثلاثي الطائفية، الفساد والإرهاب وإلى منح فرص إعادة إنتاج نظام الطائفية وتعميد آليات الفساد المافيوية التي باتت تنخر الوضع حتى قمة الهرم.

من هنا يمكننا التحدث عن الخلط بين شعب كوردستان والسلطة السياسية هناك وضمنا القيادات الحزبية والحركية. بحيث تأتي الأمور بطريقة أن أي قرار مختلف عليه مع زعامة سياسية يبرر اتخاذ قرارات ضد شعب كوردستان.. وعلى سبيل المثال انعكس التعارض بشأن السياسة النفطية بين قيادتي بغداد وأربيل ليتجسد بحصار اقتصادي ضد كوردستان وشعبها ومنه قطع مرتبات العاملين بذريعة تتأسس على تبادل الاتهام بشأن مسؤولية الأطراف عن تلك الإشكالية…

وهكذا بتنا نسمع صراخ الطائفيين يعلو في فضاء التضليل والتشويش وكأن كوردستان تسرق قوت أهل البصرة وثرواتهم وأنها السبب في مشكلات الشعب العراقي.. القضية تاتي بصيغة مفضوحة وإن كانت ملتبسة مشوشة حيث ترحيل سبب الأزمة من طابع النظام الطائفي وفساده حد النخاع مما انطلقت الحركة الاحتجاجية الشعبية ضده إلى إيقاع السبب على أكتاف الكوردستانيين!

وبالعودة إلى أصل الأمور نجد أن نظام الطائفية أبقى على الأمور غير مكتملة  ليناور بها ويضلل بقدر المتاح. فلم يجر تطبيع الأوضاع في مناطق المادة 140 ولم يستكمل إجراءات استفتاء أهلها لتظل غامضة مثيرة للصراع بالقدر الذي يستطيعه… ولم يسن قانون مجلس الاتحاد ولم يُجرِ انتخاباته على الرغم من الدورات الانتخابية للهيأة التشريعية ليبقي على فرص مناورته وعبثه في العلاقات بين ممثلي مكونات الشعب العراقي ويحصر تمثيلهم بطريقة يستطيع فيها التحكم بالسلطة مركزيا وعلى وفق برامجه… كما لم يُصدر قانون النفط والغاز والثروات الطبيعية الأمر الذي أفضى لاختلاق صراعات وتبادل اتهامات تضييعا للحقيقة واستغلالا للفرصة كي يتواصل النهب وتوزيع الغنائم بين قوى السلطة بلا استثناء.

وفي أمر تشويشي آخر، أراد أن يعرقل فرص التنمية والاستثمار في كوردستان (العلمانية) لكي يغطي على مجريات الأوضاع الناجمة عن برامج حكم (الطائفية) وفسادها بأنحاء البلاد. وهكذا عمل قدر المستطاع مرة بالقول إن التقدم بكوردستان جاء على حساب تعطيل التنمية في أجزاء العراق الفديرالي في نكتة سمجة ومرات بالعرقلة المباشرة عبر منع الموارد المناسبة سواء بالامتناع عن دفع الرواتب أم دفع المستحقات للشركات العاملة والتعكز دوما على ذريعة وجود نهب للثروة!

وعلى الرغم من وجود أشكال خلل وثغرات في مسيرة التنمية بكوردستان إلا أنها لم تخضع بشكل مباشر لجريمة النهب والإفساد التي جرت ببغداد وما يتبعها مباشرة من محافظات ومناطق، فأفلتت من كثير تفاصيل محورية للتنمية.. إن ما جرى بنيويا بكوردستان يفضح حقيقة ما جرى ببقية انحاء العراق الفديرالي من تخريب..

من هنا تبرز حقيقة الاتهامات التضليلية التي تم توجيهها لكوردستان. وهي اتهامات لم توفر فرصة ووسيلة إلا ومارستها كي تذكي الاصطراع القومي وتحفز منطق الشوفينية والاستعداء وتعزز خطاب الكراهية وتفاقِم من الآثار السلبية له.. طبعا هذا باستغلال بعض هفوات وهنات تبرز في العلاقات بين أطراف القضية…

لقد جعلوا من المضَلَّلين بوقا ضد المنجز في مسيرة التنمية والبناء بكوردستان وصاروا يتحدثون عن مسيرة البناء على أنها تُبنى على حساب العرب وأنها سرقة لحصص العرب أو أنها حصول على أكثر من مستحقاتهم!

وبدل أن يتحدث المواطن عن الضيم الذي يقع عليه، وعن الطرف الذي ينهبه ويخرب أوضاعه وبدل أن يتجه للتغيير كيما يأتي نظام يبني ويطلق فرص التقدم والتنمية يمعن بعضهم في تعزيز خطاب حصل الكورد (الكوردستانيون) على (أكثر) مما يستحقون بوقت يمكن للعراقيين جميعا أن يحصلوا على استحقاق يضعهم بمصاف الشعوب الأغنى وهي الحقيقة وليس ما يتبدى بفضل الطائفيين!

وبرر ويبرر هذا المنطق لحجب المستحقات وقطع الرواتب وإيقاع الأوضاع برمتها في فعل ورد فعل سلبيين في العلاقة بين العرب والكورد وفي منع استيعاب العلاقات الوطنية بمجتمع تعددي غني التنوع..

إن عبثية خطاب اتهام كوردستان وشعبها بأنهم يأخذون أكثر من استحقاقاتهم تتطلب مراجعة مبدئية جوهرية تقوم على استكمال البناء الدستوري المؤسسي وتمكين الشعب وقواه الديموقراطية المؤمنة والمدافعة عن الحقوق والحريات من إدارة السلطة على وفق الخيار الشعبي الوطني الموحد لا الطائفي الممزِّق وعلى وفق برامج البناء والتنمية لا التخريب والهدم وأفعال النهب والإفساد..

لابد من التوقف هنيهة عند مبدأ الفصل بين موقف القوى الوطنية الديموقراطية وبين قوى الطائفية التي تتظاهر اليوم بالوطنية وبالحرص على وحدة البلاد وتزعم أنها توظف القوات المسلحة من مبدأ وطني سيادي ودستوري والحقيقة أنها لم تحترم الدستور يوما وأن كل ما أخذته من الدستور هو النصوص التي استطاعت فرضها وإدخالها يوم صيغ بخطاب سياسي بعضه دجل يجسد الخطاب الطائفي وقدسيته المزيفة ومن الخطورة بمكان أن يبرر وطنيون لما يجري بأنه عمل دستوري من دون كشف ما يختفي وراءه من مخططات قوى الطائفية لإعادة إنتاج وجودها…

إن المطلوب اليوم يكمن في التمسك بالسلام والحوار وليس تبرير زج الجيش والقوى المسلحة ضد طرف ومكون من مكونات الدولة الاتحادية.. لأن السلام هو طريق وحيد لإبعاد سطوة و\أو بلطجة المجموعات المسلحة التي فرضت سلطة الطائفية وطريق السلام تمنح الحراك الشعبي قوة مناسبة لفرض إرادة الشعب في التغيير…

لهذا السبب فإن ما يسمى انتصارا للوطني والوطنية في دخول الميليشيات إلى مناطق المادة 140 ليس سوى الانتصار بسطوة الطائفية على حصة أخرى مما تعدّه غنيمة لها ومما لم يحظ منه الشعب طوال 14 سنة عجافا على يسير فتات يقوت به جوع فقرائه وسيتبدى الأمر قريبا في مسلسل التوازنات ومنطق فرض الأمر الواقع بسلطة العنف وما سيصل إلى حد أو مستوى إرهاب الدولة والحكم المركزي..

فانتبهوا وعززوا وحدة الخطاب بوحدة أطياف الشعب وقواه ومكوناته والدفاع عن مطالب الجميع وحقوقهم وأخذ تلك الحقوق من ناهبيها الموجودين أولا وآخرا ببغداد حيث مصدر النهب  يتجسد بالطائفية ونظامها وليس بموظف وخطا عابر بل بسياسة ممنهجة فرضوها على الشعب والوطن…

إن حرية العراقيين تكمن في رفض فلسفة كيل الاتهامات على مكون من المكونات كما الكورد ورفض توظيف شريحة و\أو فئة من فئات المجتمع وإلا فإن مسيرة ممنهجة للتمزيق والتخندق ستخلق صراعات جديدة من قبيل تطويع أيزيديين وتركمان وشبك وغيرهم بمجاميع مسلحة مثلما مجاميع مسلحة وميليشيات طائفية تسرح وتمرح وتتحكم بمصائر الناس بمناطق العراق المختلفة وهذه المرة يصدرون فقدان الأمن والأمان لمنطقة تميزت بالهدوء والسلام والاستقرار فنجحت بالتنمية بينما الآتي سيكون فرض فلسفة عدم الاستقرار لتمرير نهب آخر ومحاصصة بالغنائم وإعادة إنتاج أقوى وأخطر للطائفية…

احذروا ممالأة نظام الطائفية وقواه في خطى إخضاع كوردستان التي ظلت الضوء الوحيد والحليف الأقوى لتطلعات الشعب باشكال مباشرة وأخرى غير مباشرة وبالمنتهى فإن الحريص على عراق ديموقراطي فديرالي لا يمكنه أن يمر إليه عبر العنف وفرض السلطة بالقوة والسلاح والحرب بل عبر طريق وحيد هو طريق السلام لتعزيز التآخي والحريات والحقوق ومنها حق تقرير المصير وتعزيز دمقرطة المسير في كوردستان بإطار دمقرطة الحياة في عموم البلاد.

إذن، ومن أجل بديل سليم يتأسس على رؤية فلسفية ناضجة، لابد بمقابل رؤية نظام الطائفية الكليبتوقراطي وأضاليله، أن تنهض قوى التنوير بتعزيز استقلالية رؤية خطابها في الموقف من الأزمات المختلقة،  للتصدي لمحاولات إعادة إنتاج النظام الطائفي وسطوته وإلا فإننا سنوقع الشعب بكل مكونات، في حفرة وهوّة أشد خطورة وفواجع كارثية بلا منتهى..

إعادة توكيد ملاحظة وهي:

ملاحظة ليست عابرة: إن معالجة قضية العلاقة أو الموقف من شعب أو من طيف قومي أو ديني من أتباع مذهب أو آخر ليست بالضرورة دفاعا عن شخصية أو حزب أو إشكالية طفت في مسيرة شعوب أو دول أو منظمات.. إنها قضية تظل بحدود أنسنة وجودنا وتمسكنا بسليم المواقف بعيدا عن مهاترات يتقيئها بعض المرضى من أصحاب النوايا الثأرية الانتقامية أو ممن يقود إلى غشعال الفتن والتخندقات المتعارضة مما ليس لطرف من أطراف الشعب أي شعب مصلحة فيها.. لنذكر أنفسنا كي لا نقع بجريرة ما يقود الظلاميون أو محدودو الأفق الفكري السياسي إليه.. وشكرا لكل التفاعلات التي تغني وتتقدم بالرؤى طبعا ليست تلك التي تتقصد البحث عن مثالب بغايات ومآرب تفضحها أساليبها ومرحبا وأهلا وسهلا بكل التفاعلات المتفقة والمختلفة مما ينضّج ويتقدم

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *